قصة مصورة - اللعب مع الكبار

فجأة .. يقتحم المقهى المزدحم رجل غريب عجوز يرتدى طربوشا عتيقا فوق رأسه و "صندل" مهترئ في قدميه، يخبئ عينيه خلف نظارة أطفال بلاستيكية فاقعة الألوان، يضع مكان أنفه لعبة تضحك، ومكان شاربه "زمارة" طويلة.. أما يده الواهنة، فمرفوعة بسيف غريب يسرى فيه خليط ألوان مبهجة

يستدير الجالسون، وأغلبهم سياح جلسوا يستريحون قليلا في مقاهي منطقة الحسين وشارع المعز بعد جولاتهم السياحية في القاهرة الإسلامية.. ينظرون نحوه بدهشة ممزوجة باستغراب حقيقى.. فهذا العجوز الذي تنسدل شعيراته البيضاء القطنية من تحت الطربوش يبدو للوهلة الأولى أحد مجاذيب المنطقة ذات الثقل الصوفي، أو مجانين المدينة الكبيرة التي لا قانون لناسها يبدو طفلا شاخ فجأة بينما لا يزال يحمل ألعابه القديمة، أو رجلا خرج دون إنذار من كتاب تاریخ منسی سافر فجأة عبر آلة الزمن فوجد نفسه في مكان آخر وبشر غير البشر!

يتقدم العجوز بجرأة بين الجالسين، يتسند على الطاولات كابسا الطربوش على رأسه، ومشهرا سيفه أكثر كأنه يكمل حرباً انتهت قبل مئات السنين

يعدل النظارة الغريبة على عينيه ويحكم قبضته على الأكياس الملونة المليئة بلعب الأطفال الرخيصة، ثم يقف مثل فارس في ساحة حرب ويهتف اللعب مع الكبار

يضحك الجالسون ممن يعرفونه، والمصريون يترجمون العبارة للخواجات الذين يرونه الأول مرة، فيضحكون أكثر، ويضحك معهم صاحب اللعب: عم إبراهيم

هذه حياته منذ سنوات طويلة، يخرج الرجل الذي تجاوز الستين من بيته مع الصباح المبكر، يحمل الألعاب المصرية التقليدية ليعرضها على السياحالأجانب والعرب في المناطق السياحية، بحثا عن الرزق .. المدهش أنه يجيد التفاهم بعدة لغات، ما إن يناديه سائح ليتفرج على البضاعة حتى يفاجأ أنه يكلمه بلغته انجلیزی فرنساوی طلبانی آلمانی والعرب يجيد التكلم معهم بلهجاتهم، يرطن بالتونسي والمغربي والشامى والسعودي "كتر اللعب يعلم اللغوة" يقول محرفا المثل الشهير ويقهقه فتنفرج تجاعيد السنين التي تحتل وجههه الأسمر، ويعود العجوز طفلاً

لا يبدل ملابسه قميص بسيط تغزوه الكسر بنطلون فضفاض، وصندل يطرقع على الأرض لينبه الساهين إلى حضوره

في فترات استراحته، ينتحى جانباً، يجلس

وحده في مقهى صغير منزو شحيح الزبائن يلتقط الأنفاس، يعيد ترتيب البضاعة ومراجعة ما حصده من قروش، يركن أكياس بضاعته على الأرض تحت قدميه، لكنه يظل مشهرا سيفه الطفولي الملون، وعندما يسأله القهوجي ضاحكا: رافع سيفك ليه يا عم إبراهيم؟ يجيبه العجوز مبتسما لسه الحرب ما انتهتش.

 

 	طارق إمام

طارق إمام

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ننن
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعي
ثقافة

قصة مصورة - لابس فانوس

قصة مصورة لابس فانوس
ثقافة

قصة مصورة - الفانوسجي

قصة مصورة الفانوسجي
قصة مصورة أبطال خارقون
ثقافة

قصة مصورة - خير جليس

ربما تبدو الصورة للوهلة الأولى غامضة، ربما ستحتاج للحظات إلى أن تستوضح
منتخب مصر
قصة مصورة جواهرجى القماش

المزيد من ثقافة

DeepSeek يكشف قدرات مذهلة في البحث والبرمجة

لقد ظهرت العديد من الأدوات والمنصات التي تساعد المستخدمين في إنجاز الأعمال بسرعة، ومن بين هذه التقنيات الحديثة التي لفتت...

قصة مصورة - فانوس كومبو

أيهما يحمل الآخر، الفتاة النحيفة التي تقبض بكفها الهشة على خصر الفانوس العملاق، وقد اختفى أغلب جسدها الهش خلف جرمه...

رجال حول الرسول «4» عمر بن الخطاب.. الذى فرّق به الله بين الحق والباطل

ينتمى إلى بنى عُدىّ وأخواله من بنى مخزوم فهو قرشىّ أصيل كان يقوم بدور سفير قريش لدى قبائل العرب الأخرى...

قبل «نجم » و «الطلب ».. شاهد يكشف أسرار سنوات «إمام » الأولى

حمد سالم: السادات داس على وشه بالجزمة بسبب «قوقة» كره المشايخ وخلع الجبة والقفطان بعد ما حدث معه فى الجمعية...