نحتاج أن نرى: لماذا لا يكفينا الحب وحده؟

لأن الاحتياج إلى الفهم أعمق من الاحتياج إلى القرب..

في كثير من العلاقات قد يكون الحب حاضرا بوضوح، لكن الشعور بالطمأنينة يظل ناقصا. قد يقول لك الطرف الآخر إنه يحبك، ويحرص على وجودك، ويشاركك تفاصيل الحياة اليومية، ومع ذلك يبقى في داخلك فراغ خفيف لا تجد له تفسيرا. هذا الفراغ لا يعني غياب الحب، بل قد يشير إلى غياب شيء آخر أكثر عمقا: الشعور بأنك مرئي ومفهوم.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

 

الحب شعور مهم، لكنه لا يترجم دائما إلى فهم. يمكن لإنسان أن يحبك بصدق، لكنه لا ينتبه إلى صمتك الطويل، أو لا يلاحظ خوفك غير المعلن، أو يمر سريعا على تعبك معتقدا أن الأمر عابر. من الخارج تبدو العلاقة مستقرة، لكن في الداخل يتكون إحساس خفي بأنك موجود، دون أن تكون حاضرا حقا.

الرؤية لا تعني أن تكون تحت المراقبة، بل أن تكون مفهوما. أن يلاحظ أحدهم تغير نبرة صوتك، وأن يسأل حين تنسحب بهدوء، وأن يدرك أن وراء جملة عادية شعورا يحتاج إلى انتباه. الرؤية حضور عاطفي، وليست تدخلا؛ هي أن يشعر الإنسان بأن ما بداخله مسموع، حتى لو لم يعبَّر عنه بكلمات كثيرة.

كثيرا ما يتسلل الألم من غياب الرؤية بصمت، لا من وجود خلاف واضح. فالخلاف يمكن مناقشته وحله، لكن الشعور بأنك تبذل جهدا إضافيا لتفهم، أو أنك تشرح نفسك باستمرار دون أن تدرك تماما، يتراكم ببطء. ومع الوقت قد تتحول العلاقة إلى مساحة أداء متبادل، نعيش فيها معا، لكننا لا نلتقي في العمق.

وليس الطرف الآخر وحده مسؤولا دائما عن هذا الشعور؛ فأحيانا نخشى نحن أنفسنا أن نظهر كما نحن. نقلق من أن نبدو حساسين أكثر من اللازم، أو معقدين، أو محتاجين للاهتمام، فنختار نسخة أكثر قبولا اجتماعيا من ذواتنا، ونخفي الأجزاء الأكثر هشاشة. ومع التكرار نعتاد أن نتقلص داخل العلاقة، ثم نتساءل لماذا لا نشعر بأننا مرئيون بالكامل.

الفرق بين أن تحب وأن ترى دقيق لكنه جوهري. أن تحب يعني أن تكون مرغوبا ومقبولا، أما أن ترى فيعني أن تفهم بتعقيدك، وتناقضاتك، وتقلباتك، وطموحاتك الصغيرة التي لا تعلنها دائما. الحب يمنحك مكانا، أما الرؤية فتعطيك قيمة. وفي العلاقات الناضجة يجتمع الأمران معا؛ حب يطمئن، ورؤية تعمق.

خلق مساحة للرؤية لا يحدث تلقائيا دائما، بل يحتاج وعيا متبادلا. يحتاج جرأة في التعبير، حتى لو بخطوات صغيرة، ويحتاج استعدادا للإنصات لما وراء الكلمات. سؤال بسيط مثل “كيف تشعر فعلا؟” قد يفتح بابا كان مغلقا منذ زمن، كما أن ملاحظة اللحظات التي نشعر فيها بأننا نختفي داخل العلاقة تساعدنا على إعادة التوازن.

إذا كان الحب موجودا، لكن الشعور بالوحدة مستمر، فقد يكون الوقت مناسبا لإعادة النظر في طبيعة الاتصال بيننا. هل نمنح بعضنا مساحة للفهم الحقيقي؟ هل نسمح لأنفسنا بالظهور كما نحن؟ وهل نصغي بقدر ما نتكلم؟ أحيانا لا نحتاج إلى مزيد من الحب، بل إلى مزيد من الانتباه.

فالإنسان لا يطلب فقط أن يحب، بل أن يرى كما هو، بضعفه وقوته، بصمته وكلماته، وبكل ما يحمله داخله من تعقيد إنساني. وحين يجد هذه المساحة، يصبح الحب أكثر اطمئنانا، وتتحول العلاقة من وجود مشترك إلى اتصال حقيقي يخفف شعور الوحدة بدل أن يخفيه.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر محمد علي بشبرا الخيمة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

الاحتفال بالعيد والصلاة بجامع الناصر محمد بالقلعة

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر بشتاك

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...