في الأيام المزدحمة لا نسمع أنفسنا جيدا؛ ننتقل من مهمة إلى أخرى، ومن التزام إلى آخر، ومن حديث إلى حديث، حتى يصبح الهدوء أمرا نادرا. ومع تراكم الانشغال يختلط علينا ما نفعله بما نشعر به، فنؤجل الإصغاء إلى الداخل بحجة أن الوقت لا يسمح. لكن حين تخف الضوضاء قليلا، وحين يقل الإيقاع المتسارع للحياة، نبدأ في ملاحظة شيء كنا نتجنبه طوال الوقت: أفكارنا، ومشاعرنا، وحقيقتنا التي لم تجد مساحة للظهور.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
الصمت ليس مريحا دائما، ولهذا نهرب منه أحيانا. حين نجلس وحدنا بلا هاتف ولا حديث ولا انشغال، تبدأ الأسئلة في الظهور: هل أنا راضٍ فعلا؟ لماذا أتعب بهذه السرعة؟ لماذا أكرر نفس الاختيارات؟ ماذا أحتاج حقا؟ هذه الأسئلة لا تزعجنا لأنها جديدة، بل لأنها صادقة. فالانشغال يمنحنا وهم السيطرة، أما الهدوء فيضعنا أمام أنفسنا بلا وسيط، ويجعلنا نرى ما حاولنا تجاهله طويلا.
وهنا يظهر الفرق بين الوحدة والخلوة. فالوحدة شعور بالانفصال، أما الخلوة فهي مساحة اتصال بالذات. قد يشعر الإنسان بالفراغ وهو محاط بالناس، وقد يشعر بالامتلاء وهو يجلس وحده في صمت. المسألة لا تتعلق بعدد من حولنا، بل بطريقة جلوسنا مع أنفسنا: هل نجلس لنحاسبها بقسوة، أم لنفهمها بصدق؟ هل نسمح لأنفسنا بالاعتراف بالتعب، أم نطالِبها دائما بالمزيد؟
حين يهدأ الخارج، تعلو أصوات الداخل. قد نكتشف أننا نرضي الآخرين أكثر مما نرضي أنفسنا، أو أننا نؤجل احتياجاتنا باستمرار، أو أننا نعيش وفق صورة نرغب أن نبدو عليها لا وفق حقيقتنا. الهدوء لا يخلق هذه الأمور، بل يكشفها فقط، وكأنه يسلط ضوءا خافتا على ما كان موجودا من قبل.
العلاقة مع النفس هي أصل كل علاقة أخرى. قبل أن نسأل لماذا لا يفهمنا الآخرون، ربما نحتاج أن نسأل: هل نفهم أنفسنا؟ هل نعرف ما يرهقنا فعلا، وما يناسبنا، وما لا يشبهنا؟ هل نسمح لأنفسنا بالتغير، أم نتمسك بصورة قديمة خوفا من اهتزازها؟ إن كانت علاقتنا بأنفسنا مرتبكة، فمن الطبيعي أن تتشوش بقية العلاقات.
نؤجل العودة إلى ذواتنا لأن مواجهتها تحتاج شجاعة. من الأسهل أن ننشغل، وأن ننصح الآخرين، وأن ننشغل بمشكلاتهم، من أن نتوقف لحظة ونسأل: ما الذي أحتاجه أنا؟ لكن التأجيل لا يلغي الاحتياج، بل يؤجله فقط، ويجعله يعود في صورة تعب أو توتر أو شعور غامض بعدم الرضا.
الإنصات للذات لا يحتاج إلى تغييرات كبيرة، بل إلى لحظات صادقة. قد يبدأ بدقائق هادئة بلا مشتتات، أو بسؤال بسيط نطرحه على أنفسنا: كيف أشعر اليوم فعلا؟ أو بكتابة فكرة دون محاولة تجميلها، أو بالاعتراف بتعب لا نريد إنكاره. الإنصات للذات ليس أنانية، بل مسؤولية تجاه النفس وتجاه من نحب.
وحين نفهم أنفسنا أكثر، لا تنقلب حياتنا فجأة، لكن تتغير اختياراتنا تدريجيا. نضع حدودا أوضح، ونطلب بصدق أكبر، ونقترب ممن يشبهوننا، ونبتعد عما يستنزفنا. الهدوء لا يعزلنا عن الحياة، بل يعيدنا إليها بوعي مختلف.
حين نهدأ لا نكتشف أننا ضعفاء، بل نكتشف أننا بشر نحتاج إلى مساحة، وإلى معنى، وإلى علاقة متوازنة مع أنفسنا قبل أي أحد. وربما أهم ما نتعلمه في مواسم الامتلاء هو أن نعود إلى الداخل لنرتب ما بعثره الضجيج، فليس الإنسان بحاجة دائمة إلى مزيد من الأصوات حوله بقدر حاجته إلى لحظة صدق هادئة مع ذاته.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...
نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...