شخصيات لها تاريخ «46» هو الابن الأكبر للخديو إسماعيل من جارية تدعى «شَفَق نُور» وتربى فى «جناح الحريم» فنشأ على أخلاق الغيرة والحسد والمكايدة تحالف مع الضباط الشركس ضد الضباط المصريين ودبر عدة مؤامرات ضد عرابى وعلى فهمى وعبدالعال حلمى قادة الألوية وحاول قتلهم بمساعدة «عثمان رفقى» وزير الحربية رفض تنفيذ حكم النفى على الشراكسة الأربعة الذين تآمروا مع «راتب باشا» لقتل «عرابى» واستعان بقناصل الدول الأوربية فى مواجهة الجيش والشعب وافق على مذكرة «25 مايو» التى صاغتها بريطانيا وفرنسا للقضاء على الثورة الشعبية وأفقد مصر استقلالها مقابل البقاء على العرش
اختار هذا "الخديو" أن يدخل التاريخ ملعونا من الناس، من أجل البقاء على كرسى السلطة، وقبل موته بمرض فى الكلى، باع حصة مصر فى قناة السويس، وتآمر على القادة العسكريين الوطنيين، وسافر إلى الإسكندرية ليحتمى بقوات الجيش البريطانى، وسلم "استقلال" البلاد للمحتل، وهو ابن جارية تسمى "شفق نور" تزوجها والده الخديو إسماعيل بعد أن كانت "ملك يمين" بأمر السلطان العثمانى، وهجرها بعد أن حملت منه بولده هذا، وحكمت ظروف سياسية على "إسماعيل" باعتزال الحكم وتسليم السلطة لولده "الخائن" الذى تربى فى "جناح الحريم" وحمل أخلاق الجوارى من غيرة وحسد ومكايدة، وحكم على المصريين بالذل والهزيمة ليرضى نفسه الخَرِبة وقلبه الأسود، وكانت النتيجة، موت آلاف الشهداء على مدى أربع وسبعين سنة حتى تحررت مصر من جيش الاحتلال الذى جاء بناء على طلب هذا الخديو..
قبل الخوض فى حياة وتفاصيل وتاريخ "الخديو محمد توفيق" من المهم أن نعرف أن الشيخ "محمد عليش" شيخ المذهب المالكى فى الأزهر الشريف، وصاحب المقام المعروف فى القاهرة، أفتى بكفر هذا الخديو، لأنه أعان العدو البريطانى على جيش مصر، وكذلك فعل رؤساء الدين المسيحى واليهودى، فقال البابا كيرلس الخامس إن ما فعله جيش بريطانيا من اعتداء وقتل للجيش والشعب المصرى، يخالف تعاليم "الإنجيل" وفعل مثله الحاخام الأكبر، وهو الخديو الذى اختار "السلطة" لنفسه، وباع "الشعب" والوطن كله للعدو، وهو الابن الأكبر للخديو إسماعيل، أنجبه من جارية تسمى "شفق نور" ولما عرف السلطان العثمانى، صاحب الولاية على مصر، بالخبر ألزمه بالزواج منها، وخضع "إسماعيل" لكنه كره "شفق نور" وهجرها هى وولدها، ورغم أنه زوّجه مع بقية أولاده "الأنجال" إلا أنه لم يرسله إلى أوربا ليتعلم كما فعل مع أولاده الآخرين "حسن وحسين وفؤاد"، وكانت حياة "محمد توفيق" فى جناح "الحريم" فتشبع بأخلاق الجوارى، من حسد ومكايدة وغيرة، وهذه الأخلاق ظهرت فى معالجته أمور السياسة والحكم.
الجيش يواجه الشركس
هناك مصادر عديدة راجعتها قبل الاقتراب من "الخديو محمد توفيق" وعلاقته بالجيش المصرى، ومن هذه المصادر المهمة والمعتبرة، رسالة دكتوراه للباحث "سمير محمد طه" صدرت بعنوان "أحمد عرابى ودوره فى الحياة السياسية المصرية"، وهى ذات مكانة علمية مهمة بما احتوت من تفاصيل دقيقة عن "الخديو" و"قادة الجيش" وتطورات الثورة العرابية ونهايتها، ومنها نعرف أن الخديو توفيق تولى الحكم فى "26 يونيو 1879" وكانت "الحكومة" برئاسة "شريف باشا" واستقالت، وكلفه "توفيق" بتشكيل حكومة جديدة، واشترط "شريف باشا" لقبول تشكيل الحكومة، إنشاء نظام برلمانى نيابى صحيح، فأصدر الخديو فى "3 يوليو 1879" مرسوما بإنشاء هذا النظام، فصاغ رئيس الحكومة ومعه الوزراء "مشروع الدستور الجديد" وبعد أن أكمل صياغته، عرضه على "الخديو توفيق" لاعتماده، فتردد، وقال إنه غير مستعد لتوقيع "الدستور" بهذه الصياغة، وسقطت وزارة "شريف باشا" وقام "توفيق" بتشكيل حكومة ونصب نفسه رئيسا عليها، وظلت فى السلطة شهرا واحدا أو أقل من الشهر، وجاءت بعدها حكومة "رياض باشا"، وخلال توليه رئاسة الحكومة ـ أصدر الخديو توفيق ـ مرسومين، الأول يقضى بإعادة تأسيس "المراقبة الثنائية" وقبلت فرنسا وإنجلتر أمر سومه اشترطتا أن لايعزل المراقبان "إيفلين بارنج" و"دى بلنيير" إلا بعد موافقة حكومتيهما، ومن المدهش أن "الخديو توفيق" قام بترقية "عرابى" إلى رتبة "أميرالآى"ـ عميد ـ فى يوليو 1879 وأصدر أمره بذلك، وهو فى "الإسكندرية" فتوجه "عرابى" إلى "سراى رأس التين" لتقديم الشكر، فعينه الخديو ضمن "ياورانه" الخاص، وعينه قائدا على "آلاى المشاة الرابع" ـ لواء المشاة ـ وكان مقره "العباسية" بالقاهرة، وتشكلت وزارة رياض باشا فى 21 سبتمبر 1879، وانضم إليها ثلاثة من الوزراء السابقين "فى حكومة شريف باشا" وهم: عثمان رفقى ومحمود سامى وعلى مبارك، وكان "عثمان رفقى" و"رياض باشا" يكرهان الضباط المصريين، ويحتقران "الفلاحين" وقال الإمام محمد عبده فى وصف "عثمان رفقى" الشركسى:
ـ كان رجلا ساذجا محدود الإدراك، بعيدا عن التبصر فى العواقب، فلم يكن يهمه بعد قبض راتبه الشهرى سوى أن يرضى ميله، ويروى ظمأه إلى حصر السلطة العسكرية فى بنى جلدته من "الشركس "وتجريد من ساء حظهم بالولادة فى مصر منها، مع معاملتهم بالاحتقار، وكان يطبع فى ذلك تلك العصبية الممقوتة التى كان عليها بعض الغُفل من الشركس المقيمين فى مصر، كأن مصر وأهلها جنوا عليهم جناية مسّت آباءهم، أو كأن أهل مصر سلبوهم شيئا مما كانوا يملكونه أو منعوهم حقا كانوا أهلا لأن ينالوه..
وتمادى "عثمان رفقى "ـ وزير الحربية ـ فى إهدار حقوق الضباط والجنود المصريين وتمييز الشركس، فأصدر قرارا يقضى بعدم ترقية الجنود المصريين إلى رتب الضباط، وكان هذا النظام متبعا قبله، وكان الجندى المصرى يترقى "من تحت السلاح" ويبلغ رتب الضباط "ملازم فما فوق" وكان القصد من هذا القرار تحقير المصريين وجعلهم خاضعين للشركس، ثم أصدر قرارا آخر بإحالة الضابط المصرى "عبد العال بك حلمى" قائد اللواء السودانى "على ديوان "الجهادية" وكان عمره أربعين سنة، وعيّن بدلا عنه "خورشيد بك نعمان" هو "شركسى" عمره خمسة وستون عاما، وقررـ رفقى ـ فصل "أحمد بك عبد الغفار" قائمقام الفرسان وعيّن بدله ضابطا شركسيا، يدعى "محمد بك شاكر" ولم يكن "عرابى" يعرف بهذه القرارات الظالمة، ولكنه دعى إلى حفل فى منزل نجم الدين باشا فى ليلة "15 يناير 1881" وعلم بالقرارات وكان تعليقه:
ـ هذه لقمة كبيرة لايقوى عثمان رفقى على هضمها..
وفى الحفل ذاته، حضر أحد الضباط وأخبره بأن كثيرا من الضباط ينتظرون ـ عرابى ـ فى منزله فى باب اللوق، واجتمع بهم وأسفر النقاش بينهم عن كتابة "عريضة" تتضمن مطالب الضباط المصريين، وفيها مطالبة بالمساواة بين المصريين والشركس، وتم تقديمها إلى رئيس الحكومة "رياض باشــــا " فى "17 يناير 1881" وطلب "رياض باشا" مقابلة الضباط المتقدمين بالعريضة، فحضر إليه فى اليوم التالى: أحمد عرابى وعبد العال حلمى وعلى فهمى، وكان اللقاء طيبا، فيه تهدئة لخواطر الضباط الغاضبين، وبعد أسبوع ذهب "عرابى" مع زميليه لمعرفة ما تم فى "العريضة" ولما رأى "رياض باشا" إصرارهم، أحال الموضوع إلى مجلس الوزراء المنعقد فى 30 يناير 1881 برئاسة "الخديو توفيق"، فأصدر الخديو أمرا عاليا إلى "نظارة الجهادية"ـ وزارة الحربية ـ بوقف الضباط الثلاثة وإحالتهم على مجلس عسكرى برئاسة "الجنرال استون باشا" وأعضاؤه "إبراهيم باشا ولارمى باشا وبلوتز باشا واللواء خورشيد عاكف باشا واللواء محمد رضا باشا واللواء متقاعد نجم الدين باشا"، وقد نبه "الخديو" فى هذا الأمر إلى ضرورة تنفيذه فورا مع تعيين بدل هؤلاء الضباط على "الألايات" المتولين قيادتها وكذلك "أخذ الاحتياطات الكافية لعدم وقوع ما يخل بالنظام العمومى" وهذا دليل قوى على خوف "الخديو" من غضب الضباط المصريين الذى قد يؤدى إلى الإخلال بالنظام.
مؤامرة خديوية
فى أوراق الثورة العرابية والتحقيقات التى أجريت بعد فشل الثورة، ذكر الضابط المصرى الوطنى "محمود فهمى" أن وزير الحربية "عثمان رفقى" الشركسى حصل على أمر من "الخديو توفيق" بمحاكمة "عبد العال حلمى وعلى فهمى وأحمد عرابى" وتجريدهم من الرتب وقتلهم، وقال إن "رياض باشا" لم يكن يعلم كل الحقيقة، فهو الذى أحال "العريضة" التى تقدموا بها إلى مجلس الوزراء "النظار" المنعقد برئاسة الخديو توفيق، ويعلم صيغة الأمر العالى الذى صدر ضدهم، لكن التدبير لقتلهم، هو الأمر الذى لم يكن يعرفه، وبناء على أمر الخديو إلى وزارة الحربية بوقف الضباط الثلاثة وإحالتهم على مجلس عسكرى، أرسل ناظر الجهادية بطاقات إلى "عرابى " و"على فهمى" و"عبد العال حلمى" يدعوهم فيها إلى الحضور إلى ديوان "الجهادية" ـ وزارة الحربية ـ بقصر النيل فى صباح "أول فبراير 1881" للاحتفال بزفاف شقيقة الخديو "جميلة هانم" وكان قد تقرر القبض على "الضباط الثلاثة" عند حضورهم إلى مقر وزارة الحربية، وهذه الطريقة فى الاستدعاء أو ـ الاستدراج ـ تحمل سمات الخوف من نفوذ هؤلاء الضباط، وهذا الخوف هو ما جعل "عثمان رفقى" الشركسى لايصدر الأمر المباشر بالقبض عليهم ومحاكمتهم، وما ذكره ـ عرابى ـ فى التحقيقات وفى مذكراته المنشورة، أن دعوة الضباط الثلاثة كانت لحضور الاحتفال بزفاف الأميرة "جميلة هانم" وقال ـ محمود فهمى ـ إن وزير الحربية حرر أوامر إلى "عرابى" وزميليه تنص على ضرورة حضورهم فى موكب زفاف أخت "الخديو" وأن يكون حضورهم إلى ديوان "الحربية" فى قصر النيل، وتسربت أخبار المؤامرة الخديوية إلى "عرابى" وزميليه، بواسطة زوجة "رياض باشا" وكانت مصرية، فاستعدوا لحماية أنفسهم، ومن الخطوات التى اتخذوها، إصدارهم تعليمات للضباط فى الوحدات التى تحت قيادتهم، بالتحرك بعد مضى ساعتين على وصول "القادة الثلاثة" إلى قصرالنيل، وذهب "عرابى" وزميلاه إلى ديوان الحربية وهناك وجدوا الديوان مزدحما بجميع الضباط "الشراكسة" من رتبة "ملازم" إلى رتبة "فريق" وانعقد المجلس العسكرى فى الساعة الثانية عشرة إلا ربع فى يوم "أول فبراير 1881" برئاسة "استون باشا" وحضور جميع الأعضاء، وتلى خطاب الدعوة للانعقاد، وتليت العريضة المقدمة، وتلى على "عرابى" وزميليه أمر "الخديو" بإيقافهم ومحاكمتهم، ثم نُزِعت سيوفهم واقتيدوا إلى السجن فى إحدى قاعات قصر النيل وكان مرورهم بين صفين من الضباط الجراكسة، وهجم البكباشى "محمد عبيد" بقواته من آلالاى الأول على قصر النيل، وكان قد أصدر قواته إلى "الأورَط" ـ الكتائب ـ باقتحام الديوان، وأمر "وزير الحربية ـ عثمان رفقى" بإغلاق الأبواب، فكسرها جنود محمد عبيد، وهجموا على حجرة المجلس العسكرى وأطلقوا سراح الضباط الثلاثة المسجونين بالقوة، وهرب "عثمان رفقى" من النافذة إلى ورشة "الترزية" وهرب أعضاء المجلس "إبراهيم باشا ومحمد رضا باشا ونجم الدين باشا"، وانعقد المجلس العسكرى مرة أخرى برئاسة "استون باشا" ورفعت الجلسة ـ بعد خمس دقائق ـ على أن يعود المجلس للانعقاد فى اليوم التالى، وهذا لم يحدث وجرت مفاوضات بين الضباط المحررين، و"الخديو" فوافق على عزل "عثمان رفقى الشركسى" وتعيين "محمود سامى البارودى" وزيرا للحربية بدلا عنه، وتوالت الخطوات الإيجابية، مثل زيادة رواتب الجنود والضباط فى الخدمة وفى الاستيداع، وتحسن الطعام الذى يتسلمه الجنود، ولكن "الخديو" الذى استجاب لمطالب الضباط المصريين، كان يدبر المؤامرات ضدهم فى الخفاء.
وتوالت ـ دسائس ومؤامرات الخديوـ ضد الضباط المصريين الكبار، بعد فشل مؤامرة "المحاكمة" فى قصر النيل، وتفتّق ذهن "الشركس" بالاتفاق مع "الخديو" عن مؤامرة تولى تنفيذها "يوسف باشا كمال" وكيل الدائرة الخديوية، فقد اتفق مع "باشجاويش" من الشركس فى "الالاى السودانى" على استمالة جنود للتمرد على الضباط، مقابل ثمانية جنيهات لكل جندى، ومنحه "جارية" من القصر الخديوى ليتزوجها، واستمال الباشجاويش الشركسى، ثمانية أشخاص، وانكشفت "المؤامرة" وعرض ضباط الآلاى تفاصيلها، وحكم مجلس عسكرى على الباشجاويش بالسجن "ستة شهور"، وتكررت محاولة التآمر مرة أخرى، واتفق "يوسف باشا" مع اليوزباشى "سليم صائب" من قوة "الالاى السودانى" على تحريض الضباط على توجيه اتهامات ضد قائدهم الأمير الاى "عبدالعال حلمى" وبلغ عددهم تسعة عشر ضابطا، وبتحقيق هذه الاتهامات، ثبت أن لا أصل لها وحكم عليهم بالفصل من الجيش، ولكنهم أعيدوا إلى الخدمة بأمر من "الخديو" واستاء "عرابى" من موقف الخديو، لأن معناه تشجيع الضباط على التمرد على القادة الثلاثة "عرابى وحلمى وفهمى"، وأغرى أحد "غلمان" الخديو، غلاما "شركسيا" بوضع السم فى طعام الأميرالاى "عبدالعال حلمى" وانكشفت المؤامرة، وسُجِن الغلام.
مؤامرة على الوطن
فى اليوم الفارق فى تاريخ مصــــــر "9 سبتمبر 1881" انتصرت إرادة الجيش الوطنى المصرى بزعامة "أحمد عرابى" على "الشركس" و"الخديو توفيق" فقد استطاع الجيش الوطنى أن يخرج من دائرة المطلب الفئوى الخاص بالرواتب والترقيات، ليكون "الطليعة الثورية" المعبرة عن طموح الأمة كلها، وانتزع الضباط الثوار من "الخديو" حكومة ثورية برئاسة "البارودى باشا"، ولكن مؤامرات "فرنسا وإنجلترا" والخونة المحليين من "الشركس" وحاشية الخديو، والخديو نفسه، سعت لإجهاض الثورة، وتسليم البلاد للمحتل، وهناك حادثة مشهورة توضح هذه "الخيانة" التى ارتكبها "الخديو توفيق" فهو رفض تنفيذ الحكم الصادر ضد مجموعة الضباط الشركس الذين تآمروا على حيوات الضباط المصريين، وحسب ما ذكره ـ صلاح عيسى ـ فى كتابه "حكايات من دفتر الوطن" فإن "المجلس العسكرى" برئاسة "الفريق راشد باشا حسنى" ثبت لديه اعتراف المتهمين ومنهم "الأمير آلاى يوسف بك نجاتى" الذى اعترف بأن "راتب باشا" هو من دبر المؤامرة، وأغرى الضباط الشراكسة بحضور "عثمان رفقى" ـ وزير الحربية الأسبق ـ بقتل "عرابى"، وأعلن رئيس المجلس الحكم على المتهمين الأربعة، وهو حكم بالنفى إلى السودان، مع تجريدهم من الرتب العسكرية والامتيازات والنياشين، واشتمل الحكم على اعتبار "راتب باشا" محركا للمؤامرة، وفى اليوم التالى لصدور الحكم توجه "محمود سامى البارودى" ـ رئيس الوزراء ـ إلى سراى "الإسماعيلية" وعرض الحكم على "الخديو توفيق" لكى يصدّق عليه، وأبدى ـ الخديو ـ رأيه ورأى أن الحكم به قسوة، وانتهى الأمر بأن أخطر "الخديو" رئيس الوزراء بأنه لن يصدّق على الحكم، وسوف يرفعه إلى "صاحب الجلالة السلطان التركى" لأنه سبق له منح "عثمان رفقى" رتبة "الفريق" ولا يمكن تجريده منها إلا بتصديق من السلطان نفسه وهنا فاض الكيل برئيس الوزراء وخاطب الخديو بحدّة:
ـ إنك يا مولاى باستشارتك القناصل فى مسألة داخلية، تحرض الدول الأوربية على التدخل فى شئوننا، وفضلا عن هذا فإن عرض هذه المسألة الداخلية على السلطان التركى، هو تنازل عن الاستقلال الذاتى الذى تمتعت به مصر بمقتضى الفرمانات، وأود أن أذكّر عظمتكم بأن هناك دستورا فى البلاد، وهذا الدستور لايخولكم إجراء اتصالات بالدول الأجنبية إلا عن طريق وزير الخارجية أو رئيس الوزراء..
ورفض "الخديو" تنفيذ الحكم، وحاول "البارودى" استدعاء "أعضاء مجلس النواب" وفشل فى كسب الأعضاء إلى صف الخط الوطنى الثورى، وكان رئيس المجلس "محمد سلطان باشا" يطمح لتولى منصب وزارى، وكان من ضمن المتآمرين على "الثورة"، وكانت "خيانة" الخديو توفيق التى لاتحتمل الشك، تتمثل فى موافقته على المذكرة التى أعدها كل من "ماليت" و"سكنفكس" والتى يقول نصها:
ـ إن قنصلى فرنسا وبريطانيا العظمى الموقعين على هذا، يحيطان "عطوفتكم" بأنه من حيث أن العاطفة الوطنية حملت سعادة "محمد سلطان باشا" رئيس مجلس النواب، كما حملته أيضا رغبته فى تأييد سلم مصر ورفاهيتها على عرض الشروط الآتية على "عطوفتك ومحمود سامى البارودى" رئيس مجلس النظّارـ الوزراء ـ إذ رأى أنها الواسطة لوضع حد لحالة الاضطراب فى مصر، وهذه الشروط هى:
ـ إبعاد سعادة "عرابى باشا" مؤقتا عن مصر مع بقاء رتبه ومرتباته
ـ إرسال كل من "على باشا فهمى" و"عبد العال حلمى باشا" إلى داخل القطر المصرى مع بقاء رتبهما ومرتباتهما.
استقالة الوزارة الحالية.
ويرى القنصلان أن هذه الشروط لما فيها من روح الاعتدال تمنع المصائب التى تستهدف مصر، فهما باسم حكومتيهما وبتفويض منهما، ينصحان حضرة رئيس مجلس النظار "الوزراء" وزملاءه بقبولها، وعند الاقتضاء يشترطان تنفيذها، وليس لحكومتى فرنسا وإنجلترا غاية من التدخل فى شئون مصر، سوى حفظ الحالة المقررة، وبما أن توسط الدولتين ليس مبنيا على حب الانتقام والتشفى، فسيبذلان الجهد فى صدور عفو عمومى من الحضرة الخديوية، وسيسهران على تنفيذ هذا العفو.
وتوجه "البارودى" إلى سراى الإسماعيلية، وقابل الخديو، وقدم له خطاب مجلس الوزراء برفض هذه المذكرة "مذكرة 25 مايو"، وفوجئ بالخديو يقول له إنه "قبل الإنذار" أو المذكرة، وأن على الوزارة أن تستقيل وعلى "عرابى" أن يغادر البلاد، أما "على فهمى" و"عبد العال حلمى" فعليهما التوجه إلى الريف..
وتوالــــت الأحـــداث، وســـقطت الإسكندرية، فى قبضة الجيش البريطانى بالتواطؤ مع "الخديو" ورغم بسالة الجيش المصرى وإرغامه للجيش البريطانى على الفرار، وتفوقه عليه فى معارك كثيرة، إلا أن "ديليسبس" منح الجيش البريطانى "قناة السويس" ليمر منها إلى الإسماعيلية، ووقعت معركة "التل الكبير" وهزم الجيش المصرى، فى الوقت الذى كان فيه "الخديو توفيق" فى قصر "رأس التين" يحتمى بالأسطول البريطانى، ورجع إلى القاهرة، ودخل قصر عابدين فى حراسة جيش الاحتلال، وفقدت مصر الاستقلال السياسى وكافح الشعب على مدى أربعة وسبعين عاما، واسترد الاستقلال وطرد قوات الاحتلال، وبقى "توفيق" فى دفاتر المؤرخين مقرونا بلقب "الخديو الخائن" الذى تآمر ضد مصالح الشعب وضد الوطن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...
السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...
مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...