اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا يخاف موته ولا يشفق على آدميته فى التصور الشعبى المصرى فقد جاء اللسان الدارج بأن «الجوع كافر » وهى نظرة مصرية صميمة تعكس تصور هذا المجتمع عن الجوع فى أفظع مراحله ثمة تأريخا للجوع يجب أن يكتب فى كل ثقافة لنعرف من ذلك أن لا مفهوم عام قطعى أبدا لمفهوم الجوع المختلف بالضرورة

في الأنشودة الثالثة و الثلاثين من أناشيد الجحيم للكوميديا الإلهية الشعرية لدانتي كتب: "ثم كان الجوع أقدر من الألم " ربما لم يحير شطرا شعريا عقول النقاد أكثر من هذا الشطر في أنشودة دانتي بعنوان "الجحيم" حتى قيل: إن هذا الشطر هو الأشهر فى تاريخ النقد الأدبي بأكمله، ما جعل الأديب الأرجنتيني جورجي بورخيس يخصص له وحده محاضرة كاملة، ظل يتكلم فيها عنه وحده مدة ثلاث ساعات وأسماه "البيت الغامض"، وعلى ما يبدو أن ذلك البيت الغامض لم يؤثر فقط على الحركة الأدبية بخاصة الشعرية ولا في الحركة النقدية حول العالم، بل طال أيضا تاريخ الفن التشكيلي حتى أن اللوحة الأشهر المأخوذة عن ملحمة دانتي للفنان الفرنسى ويليام بوجيرو "دانتى وفيرجل في الجحيم" رسمت 1850 قد تم ربطها بالنشيد الثلاثة وثلاثين تعبيرا عن تجسيد هذا المشهد الدرامى المأسوى بهذا الجزء من الملحمة على حد تعبير الكاتب مصطفى ماهر على الدين.

في الحقيقة لم يكن هذا التجسيد الفنى البليغ هو المثير فقط في الأمر، حيث إن هذا المقطع من النشيد الآتى من قلب الجحيم يتصل واقعيا بحادثة تاريخية... لذا قيل إن ربما ما أنشده دانتي لهذه الفاجعة لم يكن جله محض خیال شعری بل هو جزء من إلهام مستمد من حقيقة.

كان دانتي ذو وجه طويل شعره أسود اللون وبشرة سمراء يبدو على قسماته الحزن العميق والتفكير الأعمق، هكذا وصفه الأديب الإيطالي بوكاتشو راويا أن المسنات الإيطاليات كن حين يرونه مارا فى الطرقات بعد صدور ملحمته الشهيرة، وقد تقدم به العمر، وأخذ يسير في بطء واضح بانحناءة متعب يفسرن ملامحه الداكنة وهدوء خطواته بما قد رآه فعليا في الجحيم، حينما أمعن في تصويره في كوميديته الإلهية أو ملهاته على وجه الدقة تلك التي تمثل المسرح الإغريقي القديم قبل أن تلقب الملهاه بالكوميديا، حين كانت تعبر في الأصل على الحالة النفسية التقلبية للبطل في معظم الأعمال، حيثما كان ينتقل من الحزن والتشتت والكدر العارم إلى البهجة والسرور والفرح و الصفاء النفسي خلال أحداث أي عرض ما يجعل الجمهور لا يفهم فيصاب بالضحك من شدة التنقل وقمة التقمص.

وعلى ما يبدو أن دانتي قد مر هو نفسه على هذه الحالة الانتقالية وهو يبدع ملهاته وتحديدا في نشيد الجحيم، حيث هذه الفوضى الداخلية بهذا الجزء الذي ينتقل منه إلى الحالة الثانية المناقضة فى نشيد الفردوس الختامي المسمى "السعادة الأبدية في الملأ الأعلى" وما بينهما من حالة وسطى جعلته واعيا قابلا للتعايش والتحاور مع من قابلهم من شخصيات حقيقية في الأجزاء الأخيرة، والتي جاءت من واقع ١٤ ألف بيت، هي كل ما اشتملت عليه ملهاته بأقسامها الثلاثة "الجحيم، المطهر الفردوس" في رمزية للتثليث المسيحي، وقد اختار أن يرسل رسائله للشعب بأسره في هذه الملحمة، فكتبها بلغة سهلة واضحة، فكانت العامية الإيطالية بدلا من اللغة الفصحى لغة الكنيسة التي لم يكن يفهمها العامة آنذاك في القراءة حتى للكتاب المقدس وربما من هذا الباب طغى حضور هذه الملهاه تحديدا على كل أنواع الآداب والفنون في أوروبا فانطلقت منها أشكال متعددة للتعبير ابتداء من الرسومات التي صاحبت الطبعات الأولى للنص ومرورا بكتابات كبار المبدعين من أمثال بلزاك في "الكوميديا الإنسانية" وبودلير في أزهار الشر" ووصولا للرواية السوداء في القرن ۱۹ وروايات الرعب والأدب البوليسي في القرن العشرين.

وفي الجزء الثالث والثلاثين عنى دانتي أن يضع الجوع وسط الجحيم في مستودع للرعب والفزع، وفي منطقة ملتهبة من الألم تمثل قمة الشر، وفى مكان يحوى كل ما هو متطرف ودنيء...

هنا حيث يلتقى في جهنم الحمراء وفي أسفل سافلها مع ما أسماه "الملاك الساقط لوسيفر"، ليشهد بنفسه التهام النيران الموقدة له مع جملة الخونة والظالمين، ومنهم شخصيات مثل يهوذا الذي خان المسيح، وبروتس الذي خان قيصر.. غير أن دخول دانتي لهذا الجحيم ووصوله لقاعه وأثناء مروره على الحلقة التاسعة، حيث منطقة عقاب الخونة يلتقى مع شخصية فارقة حقيقية وقعت أحداث ما تعرضت له. بالقرون الوسطى ومن هول ما فجعه أثناء مقابلته معها ومحاورته لها أفرد لها بشكل كامل الأنشودة الثلاثة وثلاثين وقد كان مكان اللقاء في برج الجوع.

السطر الغامض في تاريخ الجوع

يلاحظ دانتي في هذا الجزء من أنشودته أن ألمين يخرجان من وسط الجليد وعندما اقترب منهما وجد أحدهما ينهش رأس الآخر، فأصر أن يعرف حقيقة ما يحدث من صاحب الرأس الأعلى واعدا إياه بالتشهير بغريمه في قصديته.. هنا تظهر شخصية الكونت أوغولينو البيزي الذي عاش بالفعل في القرن ۱۳م في مدينة بيزا الأصول نبيلة لها سيطرة على السهول والقلاع وقد تزوج وأنجب عدة أبناء، ولكنه مع كل ما يملك آلت إليه أملاك أخرى نتيجة ممارساته والاعيبه السياسية حيث فضل مصلحته الشخصية مقررا الانضمام إلى حلف منافس لحلفه الذي كان زعيمه مقابل تلك الأملاك غير أنه يقع في الأسر هو وأولاده عبر وقيعة قام بها صديقه القديم الأسقف رود جيري بالديني الذي كان مع الحلف الذي خانه الكونت.

يبدأ النشيد بهذه المقدمة التي ستنتج عنها فيما بعد الفاجعة بعد جدال يدور بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم.. الكونت والقس ومنه يعرف دانتي المأساة التي تمس الجوع، فيقول في النشيد على لسان الكونت

استيقظت قبل الفجر فسمعت أولادي يبكون في نومهم وهم يطلبون الخبز أنك لشديد القسوة إذا لم تتألم لذلك وإن هذا لا يبكى ففيما إذن البكاء ؟!

وفي مقطع آخر يستطرد: حينما انفجر الفجر والعجز ورأيت صورة أولادي عضضت على كلتا يدى من الألم، وقد ظنوا أني فعلت ذلك من شدة الجوع فقال لي أحدهم:

يا أبتاه سيخف ألمنا إذا أكلت منا فيزول المك، فأنت صاحب هذا اللحم البائس الجائع فأرجوك اخلعه عنا.

ويشرح الكونت لدانتي المأساة التي ظلت أياما حين أستمر الجوع فبلغ اليوم الرابع حينما قال له أحد أبنائه:

يا أبتاه إن لم تساعدني فسأموت مكاني ثم سقط بالفعل وتلاه أخوته الثلاثة في اليوم الخامس، لكن الكونت لم يميز ذلك الموت الذي أصاب أولاده تباعا بعدما أصيب بالعمى من شدة الحزن والجوع فيختم النشيد بقوله لدانتي

لقد صرت أعمى أزحف فوقهم الواحد تلو الآخر وأنا أناديهم وقد أصبحجميعهم موتي، وأنا لا أدرى لم صمتهم ثم كان الجوع أقدر من الألم.

بهذا السطر الأخير الغامض المثير للجدل ظل مصير أولاد الكونت تحديدا مبهما فلم يستدل هل أكل الكونت أولاده من شدة الجوع منقذا إياهم ونفسه أم استمر يتألم من فقدهم و من الجوع ؟

يقول بوخريس في محاضرته الطويلة عن هذا السطر من الصعب أن ينصف التاريخ سلوك البشر.

صناعة الجوع

"صناعة الجوع" مصطلح حديث حين نبحث من خلاله عن إنعكاس الجوع على الإنسان مقياسا لشدة الشيع، فإذا بنا ندخل متاهة الحديث عن حرية الشعوب والاستقلال عن التبعية لمن يملك أقوات

العباد دون رب العالمين، فيسيطر على حدود الجوع وإدراك الناس لحد الشيع... لذا ربما عرف الإنسان خلال تاريخه الجوع بكونه المعادل الموضوعي للبقاء و مهد الاستقرار، فرسم خط الموت حين يدق ناقوس الجوع الأبواب، وبناء على ذلك تعامل معه طوال الوقت كمسألة حياة أو موت على هذا يظهر كثيرا في الأحاديث التي ترجمت هذا الحس الخائف والخيط الرفيع بين الاثنين حين انطلق لسان العامة ب" يا واحد قوتى يا ناوى على موتى".

ومع مرور الإنسان بمواجهات مع الصعاب فهم منها لما تلك القسوة والخشونة عندما يكون الأمر متصلا بالغذاء، وأدرك جيدا ضرورة الدفاع عن الأرض ليس فقط لكونها موطنا يضمه حيا وميتا وإنما لمواجهة استراتيجيات الأعداء دوما ودورهم في الهيمنة والسيطرة على مورد رزقه تعظيما للسلطة والقوة والنفوذ من ناحية وطمعا في سلة غذائه من ناحية حيوية أخرى، ومع هذا لم يمنعه ذلك استعمال جوعه أحيانا للتطهر والزهد و أحيانا للترفع رافعا راية الاستغناء الحتمي في مواجهة الظلم وأهل الشر.

ولهذا ليس مستغربا أن نجد صدى هذا البعد الإنساني في إحساس الإنسان مرهف الإحساس حين نرى لوحة سميت "لوحة الجوع"، رسمها الفنان الفلامنكي بيتروس باولوس روبنس، وتحكى قصة الشابة الرومانية بيرو التي اضطرت أن ترضع والدها خفية عن أعين حراس سجنه أثناء زيارتها له بمعتقله تنفيذا الحكم عليه بالجوع والعطش، حتى سقط الحكم لاحقا حينما انكشف أمر قصتها الإنسانية، لتتحول القصة من قصة بر وعطاء في المجتمع الروماني إلى مناقشة أحكام، مثل هذه كانت من أبشع الأحكام لهذا المجتمع في وقت من الأوقات، حيث اختيار الموت البطيء بدلا من الرحمة في القصاص ليصبح الإنسان في بذلك وهو المقر الأول بالحاجة للشبع، هو الذي يرسم بنفسه خريطة عمياء صماء تثبت أنه صانع الجوع الأول الذي يحتقر الحق البسيط في الشيع مفضلا الموت بالجوع، ليس دفاعا نزيها عن كرامة كرمز للصمود ولكن نهشا لأجساد أراد لها أن تموت.

المجاعة

من هذا المصير للموت من الجوع خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا "عقدة المجاعة" بعد أن وجد الجوع شبحا لا يخاف موته ولا يشفق على آدميته، فكان يطوف البلاد عبر التاريخ ويزورها حين غفلة حتى إنه لم يترك بلدا دون أن يوقعه في براثنه لأسباب عدة منها الجفاف والأوبئة.. غير أن أهمها كانت الحروب التي صنعها الإنسان بفرط يده وللحق لم يفرق التاريخ في ذكر وقائع المجاعات وتحديدا بسبب الحروب حول العالم بين عربي وأعجمي وكأن توفير الغذاء الشعب يجب أن يكون على حساب شعبا آخر.

وللحق كان دأب أي مستعمر الأرض أن يجبر أصحابها على إنتاج ما ينقص بلاده من مواد تنمو في أرض غيره، ولم يعد مستغربا أن تترك البلاد التي احتلت حتى بعد استقلالها حرة، وكأنما قد حكم عليها أبديا بويل الفقر والفاقة والحاجة والعوز لتظل أسيرة الاحتياج للدول التي استعمرتها يوما ما، حتى قيل سياسيا إن الدول المستعمرة لا تترك حقا الدول التي استعمرتها حتى لو تحررت منها وقد ظلت تلك المقولة مستغلقة الفهم نوعا ما حتى ظهر مصطلح "منظومة الغذاء العالمي"، والتي ليست إلا حلقة لما يعنيه الآن مصطلح الجسد الكوني الأشمل"، فالأرز الذي تعيش عليه بلدان الشرق الأقصى مثلا ما هو إلا صورة القمح الذي يترعرع في أوروبا، وهو نفسه مددا العيدان الذرة التي تنيت في ربوع الأمريكتين.

وعلى ما يبدو أن في هذا الجسد الكوني تطبيقيا يجب أن يطحن نصف الكون الخاضع لمبدأ "الوحداوية" حسب المذهب الأفلاطوني حبوب نصف الكون وحدوى السلطة. هذا إذا ما تصورنا تبعا لهذا المذهب أن الكون كله کالن حي واحد له روح و بدن واحد وله أعضاء لا يهم تباعدها عن بعضها البعض، والمهم أن يخدم بعضها بعضا. وهنا ليس القوى من يحنو على الضعيف بل الضعيف يجب أن يخدم القوى باعتباره عضو توحش كي يحميه.. لذا الطفل الذي يصرخ من الجوع في نصف الكون، القوى أهم كثيرا من الرجل الذي يموت جوعا في نصف الكون الخاضع وهو يطحن الحب في منظومة كرست التبعية في جسد فاسد لا مكان فيه للعدالة الإنسانية.

في المخيلة الشعبية

عادة يمثل الجوع في مخيلة الشعوب قصة كفاح جماعي يتخلله أحيانا تهكما ساخرا في الأزمات، وقد ارتبط ذلك بالثورات التاريخية للجماع، وبمشاكل المجاعات التي فرضتها الظروف المختلفة والتي تركت بصماتها الثقيلة على الشعوب المطحونة فقرا، كما جسد هذا في أوقات أخرى قصصا ثقافية لبناء الأوطان من ركام الخراب الذي خلفه أي مستعمر ومحتل، حيث مال الحسن الشعبي هنا للتعامل مع الجوع على أنه امتحان لمدى الصبر و الجلد، وهما قتال صامت وحافز للاستقلال ثم عمل دؤويا للوصول الرفاهية الشيع.

وعن الروايات الشعبية يقول د. محمد طلعت الجندي استاذ التراث الشعبي: إن الحاجة للطعام لم تكن فقط تخص عالم الأحياء، فمنذ فجر التاريخ الحضاري رسم الفنان المصري مثلا أنواع الطعام و حتى الأواني التي تصنعها و تضمها على جدران المقابر بل ووضع بعضا من الثمار الحية مع المتوفي لاعتقاده في حاجة المتوفى إليها في رحلته للعالم الآخر وحياته بعد البعث كما في مصر القديمة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصبح من الموالد والولائم في العزاء جزء من التقاليد التراثية في ثقافة العديد من الشعوب سواء ما كانت تفرش للقادمين للعزاء أو حتى التي يأتي بها المعزين أنفسهم مدة ثلاثة أيام لأهل المتوفي، كواجب اجتماعي للوقوف بجانبهم في مصابهم وقد أصبح هذا الواجب مع الأيام طقسا شعبيا متعارف عليه يلام عليه من يفرط فيه، أما عند بعض البلاد بل الأديان فكان عمل الموائد وعادة تفريق الطعام نوعا من الترحم على الموتي، في حين كان فكر تراث شعوب أخرى أن الطعام هو سد لجوع المتوفى نفسه وكذا أسلافه الراحلين، وهذا التفكير هو تنويعة على فكرة إبقاء الحياة موصولة بسد جوع الغائب من خلال الحاضر كسلسلة غير مباشرة لرؤية تصل العالم المرئى بالعالم غير المرئي.

وفى العموم اعتاد الناس في المناسبات المختلفة أن يأكلوا في جماعات كعادة شعبية تقليدية أخرى، وهو شعور غريزي جبلت عليه الفطرة عند القبائل القديمة وكأن هذه الحالة حالة من التحصن الجماعي لهزيمة الجوع الفردي، وهو ما يعنى هزيمة الجوع الممكن في أي وقت وعلى هذا الأساس أصبح التجمع حول الطعام تيمة وطقسا محببا حملته ذاكرة الأجيال من جيل لجيل كتذكرة بحالة الماضي البسيط، وهو بالمقارنة مع الراهن المعقد كان أكثر تعاطفا وتراحما واتصالا جسديا.

وهكذا ارتبطت صورة الجوع الذهنية في العقول بإطعام الجائع والفقير و الضيف حتى التقى هذا الحس الفطري بالدين فأصبحت العادة الاجتماعية واجبا دينيا شرعيا، وقد امتد ذلك في بعض الثقافات الشعبية كما لدى الكوريين بالاحتفال الكرنفالي، حيث أصبح يعبر عن الجوع الزمني والمكاني شعبيا أمام السادة والنبلاء حين يخرج البسطاء في حالة من الفضفضة فيرتدون الأقنعة ليعبروا عن مأساتهم مع الجوع ومعاناتهم من الفقر بلا قيد أو حياء، فتنطلق الألسنة غير المعروفة بالبوح بمدى العوز والاحتياج

أما في التصور الشعبي المصري فقد جاء اللسان الدارج بأن "الجوع كافر". وهي نظرة مصرية صميمة، تعكس تصور هذا المجتمع عن الجوع في أفظع مراحله، ذلك بالاتصال بطبيعة الشعب الطويلة الممتدة في القدم حول نهر النيل الذي يمد يده بالخير على ضفتيه فيعم الرخاء، وحين يسخط فيجف أو يقل يؤدى للخراب و الجوع.. لذا اعتبر الشعب المصرى صاحب التاريخ الأوفر في الممارسة الوقائية ضد شبح الجوع خوفا من احتمالية الجدب أو التشرد حال فيضان النيل المرعب، و ربما يفسر هذا كله لما تغنى المصرى في مواويله دائما للنيل فرحا وطمعا وخوفا.

وللحق لم يكن الجوع المصرى دائما مرتبطا بالنيل، فقد ارتبط أيضا بسلطات غاشمة من حكام احتلوا الأرض فحكموها بمنطق الاستبداد والسيطرة على أهلها بسياسة التجويع وتعطيل العقول بالتفكير بالحاجة للغذاء وشيع البطون، لينشغل المصريون بالبحث عن الزاد بدلا من المقاومة، وقد كان ذلك على مر التاريخ يتأرجح بين اللين والشدة حتى يمكن أن نرصد جنوح المصرى للصبر بقدر الإمكان بل والتهليل أحيانا للظالم بالشكر والثناء ولم يكن ذلك ضعفا أو خنوعا بل تصنعا وحيلة ابتكرها ابن البلد الصامد کی يهادن الجوع وليس المحتل، وهو في هذا كأنما يشهر سلاحه الناعم الذي لم يخذله يوما فيه لسانه الساخر المتندر المتنمر المعترض و المخرج اعتراضا

فنيا عبر أغاني و روايات الراوى الشعبي الذي يروى الحال بلهجة مصرية عامية صميمة تحمل تعابير مجازية، فلا يكد الغاشم يميز فيها بين القدح والمدح.

ومن هذا الباب جاءت معظم السير الشعبية الأكثر شهرة تؤرخ لهذه المقاومة غير المباشرة ومعها تؤرخ أيضا لتاريخ الجوع في الأبدان الممصوصة من "هد الحيل" فيخرج الفم ليقول "شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك رب يوم عن يوم ويعدلها سيدك" ثم يغيب المقاوم الشعبي المتخفي، فيظهر المحرض العلني بمأثور شعبي بسيط يفهم في العادة خطأ يقول "اللى يعوزه البيت يحرم على الجامع"، أما أصوات المغنى في مجالس المقاهي فتنقل صوت مصر وهي تردد قوم یا مصری مصر دايما بتناديك"، ثم هتافات متفجرة "بمش كفاية لبسنا الخيش.. جايين تاخدوا كمان العيش"، وتسرد الذاكرة حكايات تنابلة السلطان مع الفتة أم عيش" حتى لا تبق حارة أو بيت إلا ورويت فيها وكأن مفتاح السر في حال الترميز والتشفير وفى حال المكاشفة و التصريح في وجه الجوع كانت دوما كلمة "عيش".

فلسفة الجوع

يرى الفيلسوف التونسي فتحى المسكيني أن تاريخ الفلسفة لمفهوم الجوع يتجاوز الرصد الثقافي الإحدى الغرائز التي تمثل البقاء، ليصبح فحصا يتحول فيه ألم الجسد إلى وعى فلسفى معتبرا أن البشر لا يجوعون بنفس الدلالة الثقافية في كل بلد، رغم التماثل البيولوجي مشيرا أن الجوع كأقدم ألم جسدى ورغبة قد شكلت هذا الإنسان البدائي لا تدرسه الفلسفة كظاهرة بيولوجية مجردة بل تدرس كيف يفكر الإنسان حين يجوع، وهذا بالضبط يختلف من مكان لمكان بما يمكن أن نسميه "كوجيتو الجوع" وتعنى بالعربية عن اللاتينية " أنا أفكر حين أجوع"، وهي تنويعة عن فلسفة ديكارت "أنا افكر أذا أنا موجود"، ومن هذا المنظور يؤكد فتحى المسكيني أن ثمة تاريخا للجوع يجب أن يكتب في كل ثقافة، لنعرف من ذلك أن لا مفهوم عام قطعى أبدا لمفهوم الجوع المختلف بالضرورة.

وفي الحقيقة إن الجوع بمنظوره الفلسفى هذا استدعى دراسة النصوص الفلسفية التي اخترقها الجوع كمبحث خاص و نوعی لنجد أن هذه النصوص التي تؤرخ بشكل أو بآخر التاريخ الجوع من وجهة نظر الفلاسفة واحدة من التواريخ المسكوت عنها و التي سميت بالنصوص الصامتة"، لذا بات التاريخ للجوع من هذه الزاوية تاريخا يصطدم بالمحبوس عن التصريح به، وقد ظل ذلك منذ اليونان القديم وحتى التاريخ الحديث إلى أن تحول الآن إلى بؤرة نقاش معاصرة.

وعلى كل حال فإن البشائر البحثية الجديدة عن هذا الموضوع وجدت ضالتها عند أفلاطون، الذي عرف الجوع على أنه مجرد رغبة تحض على الحركة وعليه فإن من يجوع عليه أن يتحرك ليجد طعامه، وعل فهم أفلاطون للجوع هذا كان مفتاحه قصة ميثولوجية عن لعنة الآلهة لبنات "دانووس" حين حكم عليهن في الجحيم بملأ براميلا بلا قاع و بما أن البرميل هنا يشبه المعدة فإن هذا الحكم أصبح قدرا على البشر بلا نهاية.

أما ديكارت، فإن الجوع عنده شيئا يجب أن نتعلمه، والجميل هنا أن كلا من الجوع وفعل التعلم يعنيان أيضا ضرورة الحركة لندرك من هذا وذاك أن تعريف الجوع قد ظل تحت الوصاية الميتافيزيقية تقريبا حتى القرن ۱۹ حتى جاء ماركس فقال بكل بساطة " الجوع هو الجوع وهو ما فتح بعد ذلك النيتشة وتلاميذه تعريف الجوع بمعنى "أنا أكون ما أكله"، ليصبح فجأة الطعام له علاقة بالفلسفة فدخل مفهوم الأكل الصحى على التعريفات وكذا أنواع الحميات الرجيم حتى قيل العقل السليم في الجسم السليم، إلى أن وصل إلينا كتاب "نقاط فوق الحروف". ۱۹۹۲ الذي صاغ بشكل قطعي جملة "يجب أن نأكل جيدا".

الجوع والموت

عندما يشتد الجوع بالإنسان فإنه يقول أكاد أموت جوعاً، وهو تعبير ليس مجازيا، فالجوع مرتبطا بالفعل بالحياة و دونه الموت، وعلى هذا الأساس فهو يتصل بسلوك الإنسان حينما يدفعه الجوع لعمل أي جريمة ترقى أحيانا إلى الجريمة غير الإنسانية، وهي أكل لحوم البشر حال المجاعة، كما حدث تاريخيا إبان الشدة المستنصرية في مصر وهو فعل أفدح من القتل ذكر في آيات القرآن الحكيم على فظاعته ومدى البحه للاستنكان وعلى هذا أصبح من أهم القربات إلى الله إطعام الطعام و التي نادى به الدين الإسلامي قبل ١٤٤٧ هجريا حتى استجابت العصور الحديثة، فأنشأت بنوك الطعام ومنظمات الفوت الإنسانية والمنظمات الغذائية غير الهادفة للربح لإنقاذ ضحايا نقص الطعام في كل مكان وقد رصد حديثا أن حوالي ٣٤٣ مليون إنسان على مستوى العالم في ٧٢ دولة يعانون من انعدام الأمن الغذائي يأتي في مقدمتهم غزة، الصومال، هذا ناهينا عن الأطفال الذين يعانون من عدم تنوع الطعام، وهو ما يؤدى إلى وفاة حوالی ۱۲ طفل سنويا بسبب سوء التغذية.

وللأسف فإن العالم الذي يدعى التحضر والتطور ويسعى الطفرات التكنولوجية الذكية مازال يدور في حلقة مفرغة من اللاإنسانية، نتيجة تأجج بؤر الصراعات و اشتعال الحروب دون النظر التوابع الأمور والأضرار الناجمة عن ذلك.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...

شخصيات لها تاريخ «97» غراتسيانى الإيطالى..سفّاح برْقَة وفزّان وتلميذ ميكافيللي

كان والده طبيبًا تخصص فى الجراحة وألحقه بالكلية العسكرية وتفوق على أقرانه وأصبح من نجوم العصر الفاشى فى إيطاليا قتل...