أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع ذهبية تحت قدميه كان «سجين المدائح » للخديوى توفيق.. وناهض الإنجليز ورجلهم حسين كامل

هذا كتاب صغير الحجم، لكنه كبير القيمة صدر عن سلسلة "عقول"، التي تصدرها الهيئة العامة للكتاب، ويترأسها الزميل الكاتب الصحفى عبد السلام فاروق، وهي سلسلة تتوجه إلى النشء واليافعين، وتقدم لهم عمالقة مصر الكبار في شتى المجالات ومن مختلف الأجيال.. فيقرأون ويعرفون تاريخ وطنهم ورجاله الأفذاذ.

كتاب "أمير الشعراء.. أحمد شوقى" للكاتب والمبدع حسين بكرى، ميزته الكبرى أنه لا يقدم أحمد شوقى كـ"تابوه"، أو مقدس ولكن يقدمه بصورته الإنسانية، كمبدع وكشاعر عظيم، له مواقفه واتجاهاته التى يختلف معها وعليها الكثيرون، لكن منجزه الشعرى العظيم هو الذي بقى، وهو الذي منحه لقب "أمير الشعراء"، ليس في مصر فقط، لكن في وطننا العربى كله .. وكما ذكر عبد السلام فاروق - رئيس تحرير سلسلة "عقول" - فإن المؤلف كتب عن الشخصية، لا باعتبارها مقدسة بلا عيوب وإنما باعتبارها كأى إنسان يخطئ ويصيب، وأن شوقى على براعته وتفرده وعبقريته له ما له وعليه ما عليه.

هذا النوع من الكتابة يحفر في الوجدان، ويرسخ في العقول، أكثر وأعمق من تلك الكتابات التي تقدم الأفذاذ والمشاهير باعتبارهم كائنات ملائكية لا تخطئ، وإذا كان الكتاب تناول مواقف شوقى الموالية للخديوى توفيق والمناهضة لعرابي وثورته، فإنه أورد أيضا جوانب وطنية من مسيرته مثل موقفه المناوئ للإنجليز ورجلهم السلطان حسين كامل، إلى درجة أن الإنجليز قاموا بنفيه لمدة خمس سنوات.

ويقول المؤلف حسين بكرى في مقدمته مدافعا عن شوقي: اختلف الكثيرون حول شوقى ومعه كشخصية... لقبه البعض تجنيا وذما بشاعر الأمير وشاعر الخديوي وشاعر القصر وشاعر المديح.. والكثير من الألقاب التي تبعده عن نبض الشعوب العربية وعن مشاعرهم ونضالهم. ضد الاحتلال وسطوة القصر.. لكن هذا كله لم يؤثر في شاعرية شوقى وعبقريته وفصاحته وأبياته التي عاشت وتعيش وستعيش.

مع الخديوى إسماعيل

أحمد شوقى، اسم مركب، وأبوه يدعى "علي"، أما جده فاسمه "أحمد شوقي" أيضا.. احتضن محمد على الجد احمد شوقى، فتدرج فى المناصب حتى صار أمينا للجمارك المصرية في عهد الخديوى سعيد، وترك ثروة هائلة بددها ابنه "علي"، والد أمير الشعراء.

ولد شوقى عام ١٨٦٨ في شياخة الحنفي بحي السيدة زينب، وتولت جدته لأمه - وهي سيدة يونانية اسمها تمراز"، كانت تعمل وصيفة في القصر العالي - تربيته والإنفاق عليه منذ ولادته، وقد روى شوقى أنه عندما كان طفلا صغيرا كان يعاني ضعفا فى عصب بصره، جعله ينظر دائما لأعلى والسماء، وذات مرة دخل برفقة جدته إلى الخديوى إسماعيل، فلاحظ أن الصغير ينظر إلى أعلى فقط، فطلب قطعا ذهبية ألقاها تحت قدمه، وظل الطفل أحمد شوقى ينظر إليها على الأرض، ليتم علاجه بهذه الطريقة، ولما أتم أحمد شوقى الرابعة من عمره الحقه والده بكتاب اسمه كتاب الشيخ صالح، ثم التحق بمدرسة المبتديان الابتدائية، ثم بالمدرسة التجهيزية وفي أثناء دراسته بالتجهيزية، كتب شوقى أول بيتين شعريين في حياته.

ويورد المؤلف مقتطفا من حوار أدلى به أحمد شوقى الجريدة الأهرام عام ۱۹۲۷ قال فيه كنت طفلا.. وكان لنا جار اسمه حسيب بك.. طيب كريم الخلق من بيت مجد.. وقد اعتاد حسيب بك أن يرسل لي من وقت لآخر بعض كتب فرنسية مصورة.. وحدث أن أهدى لى كتابا به صور كثيرة جميلة.. اغتبطت به أشد اغتباط، ثم أرسل بعد قليل يسترده، فبكيت بكاء مرا ورددت إليه الكتاب مصحوبا ببيتين وهما:

حسبت حسيبا زاده الله رفعة لما نظرت عيناي منه أخا عطا فخالف ظني ما رأيت فإنه كالدهر سلاب من الناس ما أعطى".

ثم التحق أحمد شوقى بمدرسة الإدارة والألسن، وكانت تدرس القانون والترجمة، فكانت بمثابة مدرسة للقانون والحقوق.. ودرس فيها الحقوق لمدة عامين، تم الترجمة عامين، وحصل منها على الشهادة النهائية في الترجمة.

كان شوقى على علاقة بالقصر الملكي وكتب قصائد مدح في الخديوى توفيق، حتى قبل أن يلتقى توفيق بشكل شخصي.. وقد ألحقه توفيق بالسراي ويورد حسين بكرى فى كتابه ما قاله صالح جودت عن الصلة التي ربطت بين توفيق وشوقى حين ذكر أنه لم يسجل التاريخ للخديوى توفيق شيئاً من الإحسان في تاريخ هذا البلد، اللهم إلا حسنة واحدة وهي أنه مهد التربة الصالحة لشاعرية شوقى

ومن المعروف أن الخديوى توفيق أرسل شوقى إلى باريس لمدة أربع سنوات، كى يقضيها في النظر إلى آداب الغرب وحياة الناس، والتنقل بين باريس ومونبلييه ولندن ونقول نحن إن هذا الأمر لا شك يؤخذ على شوقي، وينال من تاريخه، خاصة أنه ظل يهاجم أحمد عرابي والثورة العرابية.

غير أن تاريخ شوقى يحفل أيضا بجانب آخر، حين نفاه الإنجليز إلى الأندلس لتعريضه بهم وبرجلهم السلطان حسين كامل.. ولقد كان ذلك المنفى فرصة لشوقي كي يرى عوالم جديدة ويراجع مجد المسلمين وتاريخهم هناك، وهو أمر أثمر في شعره كثيرا.

ويورد المؤلف أيضا من تأثر بهم شوقي في شبابه على مستوى الشعر، فكانوا كما ذكر شوقی نفسه، حسین المرصفى صاحب كتاب "الوسيلة الأدبية"، وحفنى ناصف.. ثم تأثر شوقى بالشيخ محمد البسيوني الشيباني، الذي كان يعلم البلاغة وعلوم اللغة في مدرسة الإدارة والألسن، وكان خطيبا للحضرة الخديوية ومفتى المعية السنية، وهو الذي اكتشف نبوغ شوقي في الشعر. وتأثر شوقى أيضا بصديق والده الشيخ على الليتي وكذلك بالشاعر الذي سبقه، والذي كان جارا له في حلوان محمود سامي البارودي

طوال رحلته في باريس، لم ينقطع شوقى عن كتابة قصائد المدح فى الخديوى توفيق، وإرسالها لتنشر في الوقائع المصرية، كما ألف أيضا مسرحيته الشعرية "على بك الكبير"، ولم تلق استحسانا لدى توفيق، وأدرك شوقى أن ما يهم توفيق حقا هو ما يكتب فيه، وفي أسلافه، من قصائد مدح.

في فرنسا، التقى شوقى بأمير البيان "شكيب ارسلان" وصارت بينهما صداقة ممتدة، وهو الذي اقترح على شوقى أن يسمى ديوانه الجامع باسم "الشوقيات". حتى أن أرسلان ألف كتابا بعد وفاة أمير الشعراء أسماه "شوقى أو صداقة أربعين عاما".. وكان لقاؤهما الأول عام ١٨٩٢ في مقهى داركور بالحى اللاتيني بباريس، ومن المفارقات أنهما التقيا على نفس المقهى عام ١٩٢٦، وكان بصحبتهما هذه المرة المطرب الشاب محمد عبد الوهاب الذي تبناه شوقي.

حين مات توفيق، وتولى ابنه عباس حلمي الثاني عاد شوقى من باريس ليعينه عباس حلمي كمستخدم في المعية السنية، وعاد إلى بيته القديم في حي الحنفي خلف مسجد الشيخ صالح أبي حديد، وقد صار من الأعيان، بعد أن زاد راتبه، وتزوج من ابنة الثرى حسين بك شاهين، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدينة حلوان، ليجاور محمود سامي البارودي في المسكن، وكان ثالثهما في الجوار المطرب عبده الحامولي وفي مقال الشوقى عن حلوان نشر بجريدة المؤيد عام

۱۸۹۸. جاء فيه ذكر عبده الحامولي إذ كتب شوقى "ولما

كانت ليلة الأحد الآتي من ليالى القمر، في هذا البلد، كان

ميسورا للقادم عليها أن يتمتع بجميع ما وصفنا الطبيعة

من الجمال والجلال، حتى إذا أخذت العين قسطها من

ذلك كله، سمعت الأذن إسحاق المشارق ومعبدها، حضرة

الموسيقى الأشهر عبده أفندى الحامولي، مؤديا بصوته

الجميل عملا خيريا محضا، وقد خصصت ثمرته لإحياء

(کتاب) في حلوان يأوى إليه فقراء أبناء العزبة".

القصيدة الفارقة

بزوغ نجم شوقى وبداية عبقريته الشعرية كانت حين ألقى قصيدته التي دلت على عبقريته الشعرية كبار الحوادث في وادى النيل" التي قالها أمام مؤتمر المستشرقين بجنيف عام ١٨٩٤ ، وهى القصيدة الوحيدة الشوقي التي أثنى عليها العقاد، رغم انتقاده لأغلب قصائده والتي يقول في مطلعها:

همت الفلك واحتواها الماء وحداها يمن نقل الرجاء.

وفي تلك المرحلة من حياته، كان شوقي شديد الولاء الخديوي عباس حلمي الثاني، حتى أنه اشترى بيتا في المطرية أسماه كرمة بن هانئ ليكون قريبا من مقر الخديوي، ثم انتقل منه بعد ذلك إلى بيت آخر في الجيزة، أسماء بنفس الاسم، والحقد عقد البعض ربطا بين قصائد شوقي في مدح عباس حلمي الثاني، وبين قصائد المتنبي في سيف الدولة الحمداني، وحين تم عزل عباس عام ١٩١٤، وتعيين عمه حسین کامل سلطانا على مصر انقطع أغلب الناس عن كرمة ابن هانئ بيت شوقي، كما ذكر ابنه حسين أحمد شوقي، فقد صار أمير الشعراء محسوبا على ذلك العهد الذي ولى، غير أن شوقي لم يتلون، وظل على مبدله، ونشر قصيدة بالأهرام تعتبر تعريضا بحسين كامل وبالإنجليل، وهو ما يحسب له. الأمر الذي أدى إلى قيام الإنجليز بنفيه إلى إسبانيا لمدة خمس سنوات، مع تخصيص راتب شهري له، وهي الفترة التي أبدع فيها عددا كبيرا من قصائده ومسرحياته.. ولا يمكن أن تنسى حنينه لمصر في منفاه الذي تجلى في قصائد عظيمة، منها مثلا قصيدة اختلاف النهار والليل ينسى ، وبيته الأشهر في هذه القصيدة

وطني لو شفات بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

وقد كتب شوقي في منفاه مسرحيته النثرية "أميرة الأندلس"، كما ألف كتابا شعريا في التاريخ الإسلامي أسماه "دول الغرب وعظماء الإسلام ... وهذه فترة في حياته تختلف عن الفترة التي كتب فيها شعره بين عامي ١٨٩٢ و ١٩١٤ العام الذي عزل فيه عباس، والتي وصفه فيها شوقي ضيف بأنه كان (حبيس المدائح).

أمير الشعراء

يقول المؤلف إنه قبل أن يحظى شوقي بلقب أمير الشعراء رسمياً في مهرجانه الذي أقيم بالقاهرة عام ١٩٢٧، أقيم له حفل تكريم كأمير للشعراء في دار المجمع العلمي العربي بدمشق عام ١٩٢٥، حضره أكثر من ألف وخسمائة شخص من علماء دمشق وأعيانها، وكرموه الكريما رائعا، ثم كان مهرجان تكريمه، ومنحه لقب أمير الشعراء بالقاهرة عام ۱۹۲۷، وهو المهرجان الذي تكونت له لجان عدة، مثل اللجنة المالية ولجنة التنظيم وغيرهما، وتكونت تلك اللجان من ٥٧ عضوا، لهم منات المساعدين، وكان من المقرر أن يترأسه سعد زغلول، لولا مرضه الذاك، وحضرته وفود من أغلب الدول العربية وغنت فيه أم كلثوم، واستمر المهرجان أسبوعا كاملا. وتم افتتاحه في ٢٩ أبريل عام ١٩٣٧.

وبعد هذا المهرجان، وبعد أن خلع على شوقى لقب أمير الشعراء، عاش شوقي أكثر من خمس سنوات لا يبالي يامور صحنه، يأكل ويشرب ويسهر بلا حساب، حتى رحل في الرابع عشر من أكتوبر عام ١٩٣٢، عن أربعة

وستين عاما.

وكما ذكرنا أنها يحسب لهذا الكتاب أنه قدم شوقي كإنسان، له أخطاؤه ومواقفه التي يختلف عليها، ولم  يقدمه فقط كأمير الشعراء.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...

شخصيات لها تاريخ «97» غراتسيانى الإيطالى..سفّاح برْقَة وفزّان وتلميذ ميكافيللي

كان والده طبيبًا تخصص فى الجراحة وألحقه بالكلية العسكرية وتفوق على أقرانه وأصبح من نجوم العصر الفاشى فى إيطاليا قتل...