في بعض اللحظات، قد يحقق الإنسان ما كان يسعى إليه طويلًا، وظيفة جديدة، نجاحًا ملحوظًا، تقديرًا من الآخرين، أو حتى علاقة مستقرة، ومع ذلك لا يشعر بالراحة التي توقعها. بدلًا من الطمأنينة، يظهر صوت داخلي خافت يقول: “ربما أنا لا أستحق هذا… وربما سينكشف أمري قريبًا.”
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
هذا الصوت لا يأتي من فشل، بل من شعور أعمق بعدم الاستحقاق، وهو ما يُعرف نفسيًا بـمتلازمة المحتال (Imposter Syndrome)، حيث يشعر الإنسان أنه وصل إلى ما هو فيه بالصدفة، أو بالحظ، أو بتقدير مبالغ فيه من الآخرين، لا بقدراته الحقيقية.
متلازمة المحتال ليست اضطرابًا مرضيًا، بل نمط شعوري يمر به كثيرون، خاصة من يحققون إنجازات حقيقية. يعيش الإنسان في هذه الحالة وكأنه “يمثل دورًا”، ويخشى أن يُكشف يومًا ما، رغم أن الواقع يقول عكس ذلك.
قد يسمع كلمات التقدير، لكنه لا يصدقها، أو يفسرها على أنها مجاملة، أو سوء تقدير من الآخرين، فيبقى داخله شعور دائم بأنه “ليس كافيًا”، مهما فعل.
لماذا نشعر بذلك؟
لا يأتي هذا الشعور من فراغ، بل يتشكل عبر تجارب متعددة، غالبًا تبدأ مبكرًا. قد ينشأ الإنسان في بيئة تربط الحب بالأداء، أو التقدير بالإنجاز، فيتعلم أن قيمته مشروطة بما يقدمه، لا بما هو عليه.
وفي حالات أخرى، قد يعيش بين توقعات عالية جدًا، أو مقارنات مستمرة، فيشعر أن أي نجاح يحققه لا يزال أقل مما ينبغي. ومع الوقت، لا يعود الإنجاز مصدر رضا، بل يصبح عبئًا جديدًا يحتاج إلى إثبات مستمر، وكأن الإنسان مطالب دائمًا بأن يثبت أنه يستحق ما وصل إليه.
كيف يظهر هذا الشعور في حياتنا؟
لا يقتصر تأثير متلازمة المحتال على العمل أو الدراسة، بل يمتد إلى العلاقات أيضًا. قد يشعر الإنسان في علاقة عاطفية أنه لا يستحق هذا الحب، فيبدأ في الشك، أو المبالغة في إرضاء الطرف الآخر، أو الخوف المستمر من أن يُترك. وقد يفسر أي خلاف بسيط على أنه دليل على أنه “انكشف”، وأن الآخر بدأ يرى حقيقته كما يظنها.
وفي الصداقات، قد يقلل من قيمته داخل العلاقة، أو يظن أنه أقل أهمية، حتى لو كان الآخرون يعاملونه بعكس ذلك، فيبقى داخله شعور خفي بأنه ليس في مكانه الصحيح.
بين الكفاءة والشعور بعدم الكفاية
المفارقة أن كثيرًا ممن يعانون من هذا الشعور هم في الحقيقة أشخاص أكفاء. لكن المشكلة ليست في الواقع، بل في تفسيره. فيبدأ الإنجاز في نظره وكأنه حظ، ويُختزل النجاح في الصدفة، ويُشكك في التقدير الذي يحصل عليه، فيبقى داخل دائرة من الشك المستمر في نفسه مهما تقدّم.
الخوف من الانكشاف
أحد أكثر الجوانب إزعاجًا في متلازمة المحتال هو الشعور الدائم بأن هناك لحظة قادمة سينكشف فيها “الحقيقة”، وكأن الإنسان يعيش في حالة ترقّب مستمر، يخشى أن يكتشف الآخرون أنه ليس كما يعتقدون، رغم أنه لم يخدع أحدًا، ولم يدّعِ ما ليس فيه.
وقد يدفعه هذا الخوف إلى العمل المفرط لإثبات نفسه، وتجنب الفرص الجديدة خوفًا من الفشل، والتقليل من إنجازاته أمام الآخرين حتى لا يلفت الانتباه، فيبقى دائمًا في حالة دفاع غير معلنة.
لماذا لا يكفي النجاح لطمأنتنا؟
لأن المشكلة ليست في ما نحققه، بل في الصورة التي نحملها عن أنفسنا. إذا كانت هذه الصورة مشوشة أو قاسية، فلن يغيّرها الإنجاز وحده. قد نصل إلى ما نريد، لكن نظل نشعر أننا لا ننتمي إليه.
فالإنسان لا يعيش بإنجازاته فقط، بل بتفسيره لها، وبالطريقة التي يرى بها نفسه داخل هذه الإنجازات.
كيف نبدأ في كسر هذا النمط؟
البداية ليست بإقناع أنفسنا أننا “ممتازون”، بل بفهم هذا الصوت الداخلي. أن نسأل: من أين جاء هذا الشعور؟ هل هو صوتي… أم صدى لتجارب سابقة؟ هل أقيّم نفسي بواقعية… أم بقسوة؟
كما أن الاعتراف بالجهد المبذول، بدل تجاهله، خطوة مهمة. ما وصلنا إليه لم يكن صدفة كاملة، حتى لو ساهمت الظروف، فهناك جهد حقيقي لا يمكن إنكاره.
في العلاقات… ماذا نحتاج؟
نحتاج إلى مساحة آمنة لا نُختبر فيها، بل نُقبل كما نحن. علاقات لا تشترط الكمال، ولا تجعلنا نشعر أننا في امتحان دائم، بل تسمح لنا أن نكون بشرًا، ننجح أحيانًا، ونتعثر أحيانًا أخرى، دون أن يفقد ذلك قيمتنا.
وقد يظهر هذا الاحتياج بشكل أوضح حين يشعر الإنسان أنه مطالب بأن يكون دائمًا في أفضل حالاته حتى يحافظ على مكانه داخل العلاقة، فيخشى أن يُظهر ضعفه أو تردده، خوفًا من أن يتغير تقدير الآخرين له. ومع الوقت، قد يتحول هذا الخوف إلى ضغط داخلي مستمر يجعله يتعامل مع نفسه بقسوة أكبر من اللازم..
متلازمة المحتال لا تعني أنك ضعيف، بل تعني أن داخلك جزءًا لم يتعلم بعد أن يرى نفسه بوضوح. وربما لا يكون الحل في أن نُثبت لأنفسنا أننا نستحق، بل في أن نتوقف قليلًا عن محاكمة أنفسنا بهذه القسوة.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الإنجاز ليشعر بالكفاية،بل إلى نظرة أكثر عدلًا… تجاه نفسه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في بعض اللحظات، قد يحقق الإنسان ما كان يسعى إليه طويلًا، وظيفة جديدة، نجاحًا ملحوظًا، تقديرًا من الآخرين، أو حتى...
دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...
في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية بشكل غير مسبوق، وتفرض فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها على مختلف جوانب الحياة، تظل...
منذ سنوات طويلة، يدور جدل واسع في الأوساط الإعلامية العربية حول طبيعة أداء بعض القنوات الإخبارية الكبرى، ومدى حيادها أو...