والده تونسى الأصل وأمه تركية وكان مولده فى مدينة الإسكندرية وكان من تلاميذ الإمام محمد عبده وتخرّج فى مدرسة دار العلوم تولى رئاسة تحرير جريدة الحزب الوطنى بعد رحيل الزعيم مصطفى كامل وخضع للمحاكمة عدة مرات بسبب مقالاته السياسية المعادية للإنجليز كان من دعاة «التبعية» ويرفض فكرة الاستقلال ويعتبر «الخليفة العثمانى» صاحب الولاية على المسلمين.. وهذا ما جعل الوطنيين المصريين ينفرون منه درس التربية الحديثة فى جامعات أوربا ودرّس اللغة العربية فى جامعتى «كامبردج» و«أكسفورد» وعمل مفتشًا فى وزارة المعارف المصرية
فى السنوات الأولى من القرن العشرين، كان الشيخ "عبد العزيز جاويش" يشغل الحكومة والناس، ويحتل مساحة من عقل "المعتمد البريطانى" وصدق فيه قول الكاتب "فتحى رضوان" الذى وصفه بأنه كان ضمن خمسة أو ستة رجال، يتخذهم تاريخ مصر محاور، ليدور حولها وهم "الخديو عباس حلمى الثانى والزعيم مصطفى كامل ومحمد فريد والشيخ على يوسف وكرومر، مندوب الاحتلال"، وكان "جاويش" شيخا أزهريا من أب "تونسى" وأم "تركية"، وكانت حياته فى الإسكندرية، وانتقل إلى القاهرة، بعد أن أنهى سنوات دراساته الدينية فى مسجد إبراهيم، والتحق بمدرسة "دار العلوم"، وسافر فى بعثة علمية إلى بريطانيا وأصبح من خبراء التر بية والتعليم، وهو نفسه الذى اختارته لجنة قيادة الحزب الوطنى ليكون رئيس تحرير جريدة "اللواء" الناطقة بلسان الحزب بعد وفاة مصطفى كامل، وهو نفسه الذى سقط فى فخّ التحريض على الفتنة الطائفية فى سنوات سبقت ثورة 1919.
هذا "الشيخ" اللغز، حيّر الكتّاب والمؤرخين، منهم من رآه زعيما وطنيا، بما كتبه من مقالات على صفحات "اللواء" التى أسسها "مصطفى كامل" وما كتبه من تقديم لديوان "وطنيتى" للشاعر المصرى "على الغاياتى"، ومنهم من رآه عدوا للوطنية المصرية، بما كتبه من مقالات هاجم فيها "الأقباط" الذين كتبوا فى صحيفة "الوطن" منددين بالقهر الواقع عليهم، وحسما للجدل والشك والريبة، راجعت ما كتبه عنه: سلامة موسى وطارق البشرى والعقاد والرافعى والباحث الأمريكى "آرثر جولد شميت" صاحب الكتاب المهم عن تاريخ الحزب الوطنى، وترجمه "فؤاد دواره" ونشرته الهيئة العامة للكتاب منذ سنوات، والمهم ذكره ـ هنا ـ إن الشيخ عبد العزيز جاويش ظهر فى الحقبة الحرجة من تاريخ مصر المعاصر، الحقبة التى سبقت "ثورة 1919" وكانت مليئة بالصراعات والمعارك، بين "الحركة الوطنية" و"الخديو عباس حلمى" و"الاحتلال البريطانى" وكانت الصحافة هى أداة العراك، وكانت الأحزاب جديدة على المجتمع المصرى، وهى ثلاثة "الحزب الوطنى، حزب الأمة، حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية وهو حزب الخديو عباس يديره الشيخ على يوسف رئيس تحرير جريدة المؤيّد" وكانت قوة "الحركة الوطنية" والصحف المصر ية المعادية للاحتلال البريطانى، السبب فى إعادة العمل بقانون "المطبوعات" الذى كان مهملا، وكان الغرض منه تكميم أفواه المعارضين، كما يقول "آرثر جولد شميت" فى كتابه المخصص لتاريخ الحزب الوطنى:
ـ بشكل عام كانت بريطانيا تميل إلى التسامح مع الصحافة المعارضة، إلا إذا خرقت القوانين المحلية، ومع ذلك لم يكن باستطاعة الحكومة السيطرة على الصحف التى يملكها أو يشارك فى ملكيتها أجانب، تحميهم "الامتيازات الأجنبية"، وبعد تبرئة "جاويش" من تهمة التشهير فى حادث "الكاملين" لاحظ البريطانيون عدم كفاية الرقابة الحكومية على الصحافة الوطنية، إذ بدا قرار المحكمة وكأنه انتصار للوطنيين، شجع "اللواء" و"القُطر المصرى" على التنديد بالاحتلال البريطانى والخديو "عباس حلمى الثانى" والحكومة، وأرسل "غورست" ـ المندوب السامى البريطانى ـ تقريرا إلى وزارة الخارجية البريطانية، يوصى فيه ببعث قانون المطبوعات الذى صدر فى العام 1881وهو نفسه القانون الذى سمح "كرومر" بتجاهله، وهذا القانون ينص على إيقاف أو مصادرة أية صحيفة تنشر أخبارا مسيئة للنظام العام والدين والأخلاق، دون الرجوع إلى القضاء.
وهنا سوف يلاحظ القارئ العزيز، وجود اسم الشيخ "عبد العزيز جاويش" واسم آخر هو "الكاملين" دون توضيح من الباحث، والحكاية هى أن فى السودان ظهر شخص مختل نفسيا زعم أنه "نبى" يوحى إليه، فحاصرته الحكومة السودانية، وهى حكومة ثنائية تجمع بين "مصر وبريطانيا" بموجب اتفاقية 1899، وقتلت الحكومة عددا من رجال هذا المختل، وكتب "الشيخ جاويش" منددا بما جرى، وقال ما معناه إن ما حدث فى منطقة "الكاملين" مذبحة مثل التى وقعت فى "دنشواى" المصرية، وبموجب هذا المقال، خضع للمحاكمة، وبرئ، وصاحب تلك المحاكمة، احتجاج من جانب "الحزب الوطنى" على العمل بقانون المطبوعات، تمثل فى نشر رسائل المواطنين الرافضين القانون، على صفحات "اللواء" وإرسال "اللجنة الإدارية للحزب" رسائل احتجاج إلى "الخديو"، وخطب الصحفى المعروف "أحمد حلمى" فى جماهير "المظاهرة" التى خرجت رافضة العمل بقانون المطبوعات الهادف إلى تقييد حرية الصحافة والرأى العام، صدر ضد ـ أحمد حلمى ـ حكما بالسجن ستة شهور، ولمن لايعرفه نقول إنه صاحب المقال المشهور بعنوانه "يا دافع البلاء" فى جريدة "اللواء" عقب محاكمة الفلاحين فى "دنشواى ـ 1906" وهو جد الشاعر المعروف "صلاح جاهين".
غورست يشعل النار
ويقدم الكاتب الرائد "سلامة موسى" فى كتابه "تربية سلامة موسى" قراءة للحظة التى تحدث عنها "شميت" ووقع خلالها الصدام بين الحركة الوطنية والاحتلال البريطانى بقوله:
ـ جاء بعد "كرومر" من يُدعى "غورست" وكان قد أدرك أن "الخديو عباس" يرأس الحركة الوطنية ويؤيد مصطفى كامل فى جهاده الوطنى وأراد أن يجتذب "الخديو" إلى الإنجليز، فاخترع ما كان يُسمى "سياسة الوفاق"، أى أن الإنجليز يجدون المحالفة مع "الخديو" أنفع لمصالحهم من الخلاف المستمر والتصادم بينهم وبينه، وكان ما أراد "غورست"، فالخديو تنكر لمصطفى كامل، بعد أن أطلقت يد "الخديو" فى "نظارة الأوقاف"، بل أصبح يناوئ "حزب الأمة" الذى كان يطالبه بالدستور، وكان أحمد لطفى السيد قد أصدر بمعاونة بعض الأعيان جريدة "الجريدة" وجعل رسالتها الأولى الدعوة إلى الدستور، وكان من وقت لآخر يحمل على "الخديو"، لأنه تتاح له الفرصة لمنح الدستور، ولكنه لايمنحه، ووقعت البلاد من هذا الوفاق بين عميد الاستعمار البريطانى وأمير البلاد فى هاوية من اليأس، وتوطدت الصداقة بين "الخديو عباس" و"غورست" حتى إنه عندما مرض، سافر إليه ـ الخديو ـ فى لندن وزاره وهو فى فراش الموت .
ويواصل "سلامة موسى" تشريح ما كان من سياسة الاحتلال البريطانى فى الفترة التى كان "غورست" يقوم فيها بوظيفة المعتمد البريطانى فى مصر:
ثم كان هذا الانبعاث الوطنى الجديد فى الأمة، فعمد "غورست" إلى مناورة استعمارية أخرى، هى إيجاد الخلاف والشقاق بين المسلمين والأقباط، فكان الموظفون الإنجليز يحرضون الأقباط من ناحية على المسلمين، ثم يعودون فيحرضون المسلمين من ناحية أخرى على الأقباط، وشرعت المصالح الحكومية، تخرج إحصاءات غير مطلوبة، كى تبين عدد الموظفين من القبط والمسلمين، وشرع كل فريق يعقد المؤتمرات، ويطالب بطلبات، كأن "مصر" لم يعد لها طلبات قِبل الإنجليز المعتدين علينا جميعا، وإنما صار كل ما نطمع فيه أن يطلب المسلمون من الأقباط ترك هذه الوظائف أو تلك، ويطلب الأقباط من المسلمين هذا الحق أو غيره، وهكذا انتهى "غورست" إلى "تهنيد" مصر، وسعد الإنجليز، وشقينا نحن، ونسينا الدستور ونسينا الاستقلال، وخيّم الشر على الأمة، حتى أن كاتبا يُدعى "عبد العزيز جاويش" كتب فى "اللواء" جريدة الحزب الوطنى يقول فى رعونة إن المسلمين كانوا يستطيعون أن يصنعوا نعالاً من خدود الأقباط، وعاشت مصر أياما سود، اغتبط فيها العدو وابتأس الصديق، وقُتل "بطرس غالى" رئيس الوزراء، فحمل قتله على أنه ثمرة التعصب الدينى، وهكذا تحققت الأسطورة التى اخترعها "إدوارد جراى" ـ وزير الخارجية البريطانية، كى يبرر بها فظيعة "دنشواى" وهى أن التعصب الإسلامى قد فشا فى "مصر"، وعمَّ أفريقيا الشمالية.
ويكمل سلامة موسى حديثه عن حقبة المعتمد البريطانى "كتشنر" الذى تولى بعد موت "غورست" وآثارها على الشعب المصرى بقوله:
ـ مات "غورست " قبل أن ينال جميع الثمرات التى كان ينتظرها من الوقيعة التى غرسها بين الأقباط والمسلمين، وجاء بعده "كتشنر" وكان عسكريا، فظا، غليظ العقل، يحمل حقدا قديما على "الخديو" وبقى إلى العام 1914وكانت غايته محو الحركة الوطنية وضم "مصر" إلى الممتلكات البريطانية، وسار سيرة الضغط والعداء للأمة والخديو، وأفشى "التجسس" فى الحكومة، وأرسل بعثة مصرية إلى "موسكو" كى يتعلم رجالها طرق التجسس التى كانت تستعملها حكومة القيصر "نيقولا" فى مكافحة الأحرار الروس حتى تصل إلى شنقهم ونفيهم إلى "سيبيريا"، وكنت أقرأ هذه الأخبار فى الجرائد التى واظبت على الاشتراك فيها وأنا فى فرنسا، وكلى يأس واغتمام، وكانت تصل إلىَّ خطابات من أقاربى وأصدقائى الأقباط وهم حانقون على إخوانهم المسلمين، وخاصة هذا المقال الذى كتبه ذلك الكاتب الشاطح "عبد العزيز جاويش" ..
جاويش والطائفية
بعد أن عرضنا تفاصيل المشهد السياسى والاجتماعى الذى ظهر فيه "الشيخ عبد العزيز جاويش" بقى القول إنه كان شيخا وصحافيا، وكان عضوا فى الحزب الوطنى، تولى رئاسة تحرير "اللواء" الجريدة الناطقة بلسان الحزب، بعد وفاة "مصطفى كامل" وخاض معارك كثيرة ضد الاحتلال البريطانى، ولكنه افتقد "الذكاء السياسى" عندما كتب مقالا تعدى فيه الخطوط الحمراء، فأغضب "الأقباط" للحد الذى دعا "اللجنة الإدارية للحزب الوطنى" للتبرؤ منه ومن قلمه الجارح، وهنا نقرأ ما كتبه القاضى "طارق البشرى" فى مؤلفه المهم الذى حمل عنوان "المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية ـ دار الشروق" حول مقال "جاويش" المحرض على "الفتنة الطائفية":
ـ فى بدايات القرن العشرين، اشتد ساعد الحركة الوطنية المعادية للاحتلال البريطانى، لاسيما بعد حادث "دنشواى"، ونما النشاط السياسى وظهرت الأحزاب، ومع هذا النمو ظهر نوع من اصطناع الخلاف بين المسلمين والأقباط، كان ميدانه صحيفتى "مصر" و"الوطن"ـ من جهة ـ وصحيفة "المؤيد" التى يصدرها الشيخ "على يوسف" وبعض كُتّاب صحيفة الحزب الوطنى "اللواء" من جهة أخرى، وفى يوم 22 مايو 1908 نشرت صحيفة "مصر" تهاجم جميع من وطئت أقدامهم مصر من بدء الإسلام إلى اليوم، وهاجمت فكرة الجامعة الإسلامية، على أساس أن لا وطن مع الدين، ولا دين مع الوطن، وفى 15 يونيو نشرت الوطن مقالا لمن يُسمى "فريد كامل" حمل فيه على التاريخ الإسلامى، فما كان من الشيخ "عبدالعزيز جاويش"ـ فى اليوم التالى مباشرة ـ إلا أن نشر فى " اللواء" مقالات بعنوان "الإسلام غريب فى بلاده".
تكلم فيه بأقسى ما يمكن أن يُكتب فى موضوع كهذا، وكان لحديثه وقع شديد على المسيحيين، فانهالت الردود فى صحيفة "الوطن" تهاجم "الشيخ جاويش" ومقاله ومما قيل عنه "إن هذا الدخيل الذى قذفته إلينا بلاد تونس أظهر كوامن حقده وهو ينفث سموم تعصبه ضد المسيحيين المصريين بأقوال مثيرة للخواطر محرضة على الفتن" وكتب "أخنوخ فانوس" يوالى هذه النغمة، وبرغم أن صحيفة "الوطن" كانت هى من بدأ الاستفزاز، فقد كانت سقطة "الشيخ جاويش" كبيرة، على تقدير أن العبء الأساسى فى تحقيق سياسة الإخاء الوطنى يقع على الأغلبية لأنها الأقوى، وعلى تقدير أنه لم يحاول تهدئة الخواطر، وهو إنما وجد "الفخّ" أمامه فقفز إليه بقدميه، وسقط فيه بجمعه، وكان بعيدا عن المنهج المستنير الذى دعا إليه الشيخ "محمدعبده" عندما نبّه إلى وجوب الاحتياط من مهاجمة أية جماعة أو ملّة إذا أخطأ شخص منها، وحقَّ على "الشيخ جاويش" قول الأستاذ الإمام "إنه اعتدى على غير معتد، وناضل فى غير حرب"، وكان مقال الشيخ جاويش من القسوة والهجوم الشامل بحيث يستحيل على أى الفروض إيجاد تسويغ له، وكان من الإضرار بحيث لا تجدى فى فهم دوافع التفرقة بين الصديق الجاهل أو العدو العاقل، وبادرت اللجنة الإدارية للحزب الوطنى إلى إصدار بيان تتبرأ فيه مما كتبه "جاويش" فى صحيفة الحزب، وتستنكر وجود أى شقاق بين عنصرى الأمة، وقال البيان إن كل صحيفة أو شخص أيا كان دينه يثير الخواطر بنشر الطعن على الأديان أو على أى عنصر من عناصر الأمة المصرية، هو وحده المسئول عن عمله، فهو لايعبر إلا عن فكره الخصوصى.
وكتب "عباس العقاد" فى كتابه "سعد زغلول، سيرة وتحية" سطورا عن "عبد العزيز جاويش":
ـ بينما كان "سعد زغلول" يعمل لاستقلال مصر بأيدى المصريين، كان الشيخ "جاويش" تونسيّا مشمولا بالحماية الفرنسية، لم يزل يستمسك بها إلى يوم محاكمته فى قضية "الكاملين" وهو من دعاة الخلافة العثمانية، لايريد لمصر إلا منزلة "الولاية" التابعة من السيد "المتبوع" وشقى بدعوته هذه، ذلك الرجل النبيل الكريم "محمد فريد"ـ رئيس الحزب الوطنى ـ فإنه كان معه فى "الأستانة" وكان يدعو إلى استقلال "مصر" ويتخذ له شعارا "مصر للمصريين" فكان لايلقى من "جاويش" إلا المكيدة والسعاية والتآمر عليه مع ضباط "تركيا الفتاة".
قضية وطنيتى
فى حياة الشيخ "عبد العزيز جاويش" قضية سياسية، ثقافية، هى قضية "ديوان وطنيتى" وصاحب الديوان هو الشاعر "على الغاياتى" المولود فى "دمياط" فى العام 1885، وهو أزهرى، عمل فى الصحافة وأصدر الصحف وكتب الشعر السياسى، وقرر فى يوم من الأيام أن يجمع قصائده الحماسية الوطنية فى ديوان وأسماه "وطنيتى" وطلب من الشيخ "جاويش" أن يكتب مقدمة للديوان، وطلب المطلب ذاته من الزعيم الوطنى "محمد فريد" وكتب الرجلان المقدمتين، وصدر الديوان، وهاجت الدنيا وماجت، تلقف "الشيخ على يوسف" الديوان فهاجمه على صفحات "المؤيد" وكأنه يشى به للسلطات، لأن الديوان احتوى قصائد هجومية ضد "الخديو عباس" ـ الذى يعيش على يوسف متنعما فى خيره ـ وفى الديوان هجوم على الاحتلال البريطانى، وهرب "الغاياتى" من مصر إلى تركيا ومنها إلى "سويسرا" وحوكم "جاويش" و"محمد فريد" وصدر الحكم بالسجن ضدهما، لمدة ثلاثة شهور، بسبب تقديمهما الديوان، وكانت للشيخ "جاويش" قضية أخرى، بسبب مقال كتبه فى "اللواء" فى يوم 28 يونيو 1909
فى ذكرى "حادث دنشواى" وهاجم فيه الاحتلال البريطانى، وبطرس غالى وزير الحقانية ورئيس محكمة دنشواى المخصوصة وقال بالنص "سلام على أولئك الذين كانوا فى ديارهم آمنين مطمئنين فنزل بهم جيش الشؤم والعدوان فأزعج نفوسهم وأحكم حصارها، فلما همّوا بصيانة أرزاقهم قيل إنهم مجرمون، وسلام على تلك الأرواح التى انتزعها بطرس غالى رئيس المحكمة المخصوصة القضائية من مكامن أجسادها"، ويقول المؤرخ "عبد الرحمن الرافعى":
ـ النيابة اعتبرت هذا المقال طعنا فى حق بطرس باشا، وأحمد فتحى باشا زغلول، أحد أعضاء المحكمة، فأقامت الدعوى العمومية أمام محكمة عابدين الجزئية، وكان يرأسها "محمود بك على سرور" وتولى الدفاع عن ـ جاويش ـ أحمد لطفى بك السيد، وإسماعيل شيمى بك، ومحمود بسيونى ـ رئيس مجلس الشيوخ فيما بعد ـ وبعد أن سمع القاضى مرافعة النيابة ودفاع المحامين قضى فى يوم "5أغسطس 1909" بتغريم الشيخ "جاويش" غرامة قدرها أربعون جنيها، واستأنف الشيخ جاويش، فقضت محكمة الاستئناف بحبسه ثلاثة شهور، يوم "25 أغسطس 1909" وقوبل الحكم بالدهشة والاستياء الشديد وكانت له ضجة كبيرة، وتقدم محامو "جاويش" بطلب لمحكمة "النقض" قُضى برفضه.
وفتحى رضوان ـ القيادى فى الحزب الوطنى، ووزير الإرشاد فى عهد ثورة يوليو 1952 يروى ما جرى بعد الحكم على الشيخ عبد العزيز جاويش بقوله:
ـ أثار الحكم سخط الشعب، وتألفت المظاهرات احتجاجا عليه، واحتاطت الحكومة لمنع هذه المظاهرات وامتلأت صحف الحزب الوطنى بمقالات غاية فى العنف ضد الحكومة واكتتب أنصار الحزب، والمعجبون بالشيخ واشتروا وساما من حرير ثمين، مزين بثلاث قطع ذهبية مرصعة بالأحجار الكريمة، فلما أُطلِق سراحه أُقيم له احتفال ضخم فى فندق "شِبرد" وسُلِّم الوسام فى مساء 22 أغسطس 1908.
نهاية الخليفة العثمانى
كانت نهاية الخلافة العثمانية فى العام 1924 على أيدى "مصطفى كمال أتاتورك"، وكانت هذه النهاية صادمة لتيار من رجال الدين المسلمين، لأنهم كانوا يعتبرون "الخليفة" الوصى على تطبيق شرع الله فى أرض الإسلام، وكان "عبد العزيز جاويش" من الذين تركوا "الأستانة" بعد سقوط الخليفة، رغم أن "كمال أتاتورك" كان اختاره ليكون فى وظيفة مرموقة لها علاقة بالمطبوعات والمؤلفات الإسلامية، وكما قال ـ العقاد ـ فإن "جاويش" كان من أنصار بقاء مصر ولاية عثمانية، ربما لأن شعوره الإسلامى كان أقوى من شعوره الوطنى، رغم أن والده جاء من تونس فى منتصف القرن التاسع عشر وأقام فى الإسكندرية، وهو نفسه تعلم فى الأزهر، وتتلمذ على أيدى الإمام محمد عبده، ودرس فى دار العلوم، وعمل مفتشا فى وزارة المعارف، وسافر فى بعثة إلى جامعة "برودورو" وعمل مدرسا للغة العربية فى جامعة "أكسفورد" وكان له مؤلفات فى التربية الحديثة، وكان من دعاة إصلاح التعليم، وعمل فى جامعة " كامبريدج" بترشيح من المستشرق "مرجليوث"، ورغم هذا الدور التربوى والعلمى الذى قام به "جاويش" إلا أن إيمانه بالخليفة العثمانى كان مسيطرا على نظرته للأمور، وهذا ما جعل دعاة "الوطنية المصرية" يرفضون آراءه، وفى "25 يناير 1929" توفى الشيخ "عبدالعزيز خليل حسن جاويش" المولود فى "31 أكتوبر 1876" بمدينة الإسكندرية، وهو مؤسس "جمعية المواساة " الخيرية، وهو صاحب المعارك السياسية والصحفية التى حفظت دفاتر المؤرخين تفاصيلها فبقى حيا يتذكره الناس ويختلفون على تصنيفه السياسى والفكرى، ويجمعون على أنه كان أزهريا يحب الصخب ويسعى إلى إصلاح أحوال الأمة والنهوض بها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...