نبدأ منذ هذا الأسبوع سلسلة من المقالات تحت عنوان "كانوا مثلنا" تقدمها لنا د. دينا إبراهيم سليمان أستاذ اثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا نتناول فيها تاريخ الشرق الأدنى القديم وعلاقته بالحضارة المصرية القديمة.
د. دينا إبراهيم سليمان أستاذ اثار مصر والشرق الأدنى القديم كلية الآثار والإرشاد السياحي جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
ماذا يكون الشرق الأدنى القديم؟ ولماذا ما زلنا نعيش في ظله؟ اسم نسمعه كثيرا... لكن ماذا يعني؟حين نقرأ عن مصر القديمة أو بلاد الرافدين أو الحيثيين أو الفينيقيين، كثيرا ما يتكرر أمامنا مصطلح "الشرق الأدنى القديم". لكن ما المقصود به بالضبط؟.. هل هو اسم لحضارة واحدة؟.. أم لدولة قديمة اختفت من الوجود؟.. أم أنه مجرد تعبير جغرافي؟
الحقيقة أن الشرق الأدنى القديم ليس حضارة واحدة، بل عالم كامل من الحضارات والشعوب واللغات والأديان التي ازدهرت في منطقة واسعة من العالم قبل آلاف السنين، وأسهمت في تشكيل جانب كبير من تاريخ الإنسانية.
وربما لا يدرك كثيرون أن جذور أشياء نمارسها اليوم بشكل يومي ــ كالكتابة والقانون والضرائب والتقويم والمدن المنظمة ــ تعود في جزء كبير منها إلى هذا العالم القديم.
أين يقع الشرق الأدنى القديم؟
إذا نظرنا إلى خريطة العالم القديم، سنجد أن الشرق الأدنى القديم يمتد من وادي النيل غربا إلى جبال إيران شرقا، ومن الأناضول شمالا إلى الخليج العربي جنوبا.
وقد ضم مناطق عديدة، أهمها:مصر القديمةبلاد الرافدين (العراق القديم)بلاد الشامالأناضولعيلام في جنوب غرب إيران
وكانت هذه المناطق متصلة بطرق التجارة والهجرة والحروب وتبادل الأفكار، حتى أصبحت شبكة حضارية مترابطة رغم اختلاف الشعوب واللغات.
مهد الحضارات الأولى
حين يتحدث المؤرخون عن "مهد الحضارة"، فإنهم غالبا يقصدون جزءا كبيرا من الشرق الأدنى القديم.
فهنا ظهرت:أولى المدن الكبرىأقدم أنظمة الكتابةأقدم القوانين المدونةأولى الإمبراطورياتأقدم المكتبات والأرشيفات
وفي جنوب بلاد الرافدين ظهرت المدن السومرية مثل أور وأوروك، بينما شهد وادي النيل قيام الدولة المصرية الموحدة في فترة مبكرة جدا. وكان كلاهما يسير في طريق بناء الحضارة، وإن اختلفت التفاصيل.
العراق القديم... قلب الحكاية
عندما نتحدث عن الشرق الأدنى القديم، فإن بلاد الرافدين تحتل مكانة خاصة. ففي الأرض الواقعة بين نهري دجلة والفرات ظهرت حضارات كل من: السومريين، الأكاديين، البابليين والآشوريين.
وهناك اخترعت الكتابة المسمارية، وسُجلت أولى الأساطير الكبرى، وظهرت قوانين شهيرة مثل شريعة حمورابي.
ومن هذه المنطقة خرجت قصص الطوفان، وحكايات البحث عن الخلود، والأساطير التي سترافق الإنسانية قرونا طويلة.
ولهذا سيكون العراق القديم أحد المحاور الرئيسية في هذه السلسلة.
وماذا عن مصر القديمة؟
رغم أن مصر تُدرَّس غالبا باعتبارها حضارة مستقلة، فإنها كانت جزءا أصيلا من عالم الشرق الأدنى القديم.
فالمصريون وسكان بلاد الرافدين عاشوا في الفترة نفسها تقريبا، وتبادلوا التجارة والأفكار والتأثيرات بصورة مباشرة وغير مباشرة.
وقد ظهرت بين الحضارتين أوجه تشابه لافتة، منها:
الإيمان بالنظام الكوني؛ فكما آمن المصريون بمفهوم "ماعت"، آمن أهل الرافدين بضرورة الحفاظ على النظام الذي أرادته الآلهة للعالم.
الملكية المقدسة؛ ففي مصر كان الفرعون وسيطا بين البشر والآلهة، وفي بلاد الرافدين كان الملك يحكم بتفويض إلهي ويحظى برعاية الآلهة.
دور المعبد؛ في الحضارتين كان المعبد مركزا دينيا واقتصاديا وإداريا في الوقت نفسه.
الأساطير الكونية؛ كلا الجانبين حاول تفسير الخلق والموت والطوفان وأصل الكون من خلال أساطير معقدة وغنية بالرموز.
لكن رغم هذه التشابهات، احتفظت كل حضارة بشخصيتها الخاصة ورؤيتها المختلفة للعالم والإنسان والآلهة.
حضارات نسينا أسماءها
لا يقتصر الشرق الأدنى القديم على مصر والعراق فقط. ففي الشام ازدهرت مدن مهمة مثل أوغاريت وإيبلا وماري. وفي الأناضول قامت مملكة الحيثيين التي نافست مصر على زعامة الشرق القديم. وفي الساحل الشرقي للمتوسط برع الفينيقيون في التجارة والملاحة ونشر الأبجدية.
إنه عالم واسع لا يزال يخفي كثيرا من الأسرار.
لماذا نعود إلى هذه الحضارات اليوم؟
قد تبدو هذه العوالم بعيدة جدا عن حياتنا المعاصرة، لكنها في الحقيقة أقرب إلينا مما نتصور.
فالكتابة التي نقرأ بها، والقوانين التي تنظم حياتنا، وفكرة الدولة، والضرائب، والأرشيف، وحتى كثير من التصورات الدينية والأسطورية، تمتد جذورها إلى تلك الحضارات الأولى.
إن دراسة الشرق الأدنى القديم ليست بحثا عن الماضي فقط، بل محاولة لفهم البدايات التي تشكل منها عالمنا.
بداية الرحلة
في المقالات القادمة سنسافر معا بين مدن سومر، ومعابد بابل، وقصور آشور، ونصوص الطين التي حفظت أصوات أناس عاشوا قبل آلاف السنين.
سنقرأ عن الآلهة والملوك، والطوفان والخلود، والسحر والطب، والموت والحياة الأخرى.
وسنكتشف كيف استطاعت حضارات اختفت منذ زمن بعيد أن تترك أثرا ما زال حاضرا في عالمنا حتى اليوم.
لأن الطين الذي تكلم قبل خمسة آلاف عام... لم يتوقف عن الكلام بعد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد العمل التطوعي البيئي خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا للفتيات الشابات، سواء في حملات التوعية أو المبادرات المجتمعية أو الأنشطة...
في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تصنع أحيان بالضجيج، خرج شاب بسيط من قرية مصرية صغيرة ليؤكد أن الطريق الحقيقي إلى...
في عالم تتوالى فيه مشاهد القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، لم يعد السؤال عن جدوى القانون الدولي سؤالا نظريا يخص...
نبدأ منذ هذا الأسبوع سلسلة من المقالات تحت عنوان "كانوا مثلنا" تقدمها لنا د. دينا إبراهيم سليمان أستاذ اثار مصر...