وقفة في ذكرى رحيل أحمد سعيد.. «صوت العرب» الذي واكب ثورات التحرر

بقلم: محمد سفيان براح، سفير الجزائر لدى مصر ومندوبها بجامعة الدول العربية

تحلّ الذكرى الثامنة لرحيل الإعلامي المصري الكبير أحمد سعيد، مؤسس وأول مدير لإذاعة «صوت العرب»، الذي انتقل إلى جوار ربه في مثل هذا اليوم من عام 2018. ورغم مرور السنوات، لا يزال صوته حاضراً في ذاكرة أجيال من العرب، بوصفه أحد أبرز رموز الإعلام العربي في القرن العشرين، ومن أكثر الأصوات تأثيراً في الدفاع عن قضايا التحرر الوطني في الوطن العربي وإفريقيا.

 

 

تحلّ الذكرى الثامنة لرحيل الإعلامي المصري الكبير أحمد سعيد، مؤسس وأول مدير لإذاعة «صوت العرب»، الذي انتقل إلى جوار ربه في مثل هذا اليوم من عام 2018. ورغم مرور السنوات، لا يزال صوته حاضراً في ذاكرة أجيال من العرب، بوصفه أحد أبرز رموز الإعلام العربي في القرن العشرين، ومن أكثر الأصوات تأثيراً في الدفاع عن قضايا التحرر الوطني في الوطن العربي وإفريقيا.

لقد تجاوز أحمد سعيد حدود العمل الإذاعي التقليدي، ليجسّد نموذج الإعلام الملتزم بقضايا الشعوب وطموحاتها، مؤمناً بأن الكلمة الحرة قادرة على أن تكون أداة نضال لا يقل أثرها عن أثر السلاح في معارك التحرير والاستقلال.

وقد تجلى دوره المحوري في غمرة التحولات الكبرى التي عصفت بالمنطقة العربية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين أصبحت إذاعة «صوت العرب» إحدى أبرز المنصات الإعلامية الداعمة لحركات التحرر الوطني. فمنذ تسلمه دفة إدارتها مع انطلاقها عام 1953، وضع نصب عينيه هدفاً واضحاً يتمثل في تحويل هذه المنصة إلى منبر حر لمساندة الشعوب في كفاحها ضد الاستعمار وسعيها لبناء مستقبلها المستقل. وسرعان ما تحولت الإذاعة إلى صوت هادر للثورات العربية والإفريقية، وفي طليعتها الثورة الجزائرية التي اتخذت من «صوت العرب» نافذة استراتيجية للتواصل مع النخب والجماهير على المستويين الإقليمي والعالمي.

ومن أبرز المحطات التي رسخت مكانة أحمد سعيد في الذاكرة الجزائرية والعربية دوره في إذاعة بيان أول نوفمبر 1954، الذي أعلن اندلاع ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. فقد أدرك، منذ اللحظة الأولى، الأهمية التاريخية لهذا الحدث المفصلي، واعتبر لاحقاً أن احتفاظه بنسخة من البيان قبل بثه كان من أكثر اللحظات تأثيراً واعتزازاً في مسيرته المهنية.

ولم يقتصر دور «صوت العرب» على تلك اللحظة التاريخية، بل امتد ليشكّل دعماً إعلامياً متواصلاً للثورة الجزائرية طوال سنوات الكفاح. فبقيادة أحمد سعيد، وبمشاركة نخبة من الإعلاميين المصريين، تحولت الإذاعة إلى منصة يومية لنقل أخبار النضال التحرري، والتعريف بأهداف الثورة وتطلعات الشعب الجزائري، وفضح ممارسات الاستعمار الفرنسي. وقد بلغ تأثير هذا الدور حداً جعل الإذاعة هدفاً مباشراً، إذ تعرض برج إرسالها للتدمير خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، في محاولة لإسكات صوتها المؤثر في المنطقة.

لكن غطرسة الاحتلال آنذاك أعمتْه عن إدراك عمق الالتزام وصلابة العزيمة التي تحلّى بها الإعلامي الراحل أحمد سعيد ورفاقه في الإذاعة، ومن خلفهم القيادة السياسية بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. فقد كانوا على يقين بأن معارك التحرير لا تُحسم بالمدافع وحدها، بل تسندها وتوجّه مسارها أيضاً جبهات الإعلام والرأي العام. وانطلاقاً من هذه القناعة، سخّر أحمد سعيد كل إمكانات الإذاعة لكسر الطوق الدبلوماسي المفروض على الثورة الجزائرية وإفشال محاولات النيل من صورتها وتشويه أهدافها، فكان له إسهام مؤثر في ترسيخ حضورها عربياً ودولياً، وحشد التأييد السياسي والشعبي لقضيتها، حتى تُوّج نضالها بالاستقلال في الخامس من يوليو 1962.

كما تجلّى هذا الالتزام في رؤيته للعلاقات التاريخية التي جمعت بين ثورتي مصر والجزائر. فقد ظل الراحل يعتز بهذه الروابط النضالية، ويرى في الثورة الجزائرية واحدة من أنبل تجارب الكفاح التحرري العربي والإفريقي، ونموذجاً رائداً للتكامل بين النضال الوطني والدعم الإعلامي. وكان يؤكد دائماً أن انتصارها لم يكن مكسباً للجزائريين وحدهم، بل انتصاراً لقيم الحرية والتحرر في العالم العربي بأسره.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة قراءة إرث أحمد سعيد الإعلامي بموضوعية وإنصاف، بعيداً عن الأحكام المختزلة أو القراءات الانتقائية، باعتباره جزءاً أصيلاً من مرحلة مفصلية في تاريخ الإعلام العربي، انخرط خلالها في معارك التحرر الوطني وأسهم في تشكيل الوعي الجمعي للأمة العربية.

وانطلاقاً من الحرص على صون الذاكرة المشتركة بين مصر والجزائر، أتوجه بدعوة إلى كل من يمتلك وثائق أو صوراً أو شهادات أو تسجيلات إذاعية أو تلفزيونية تتعلق بدور أحمد سعيد في التعريف بالثورة الجزائرية والدفاع عنها، إلى المبادرة بإيداعها لدى مصالح سفارة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بالقاهرة، دعماً للجهود البحثية والتوثيقية الرامية إلى جمع أرشيف هذا الإعلامي الكبير، الذي ارتبط اسمه بإحدى أبهى صور التضامن العربي والأخوة الجزائرية المصرية، وأسهم بصوته وكلمته في نصرة قضايا الحرية والاستقلال.

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

فتيات يصنعن الجيل الأخضر .. حين يتحول التطوع إلى قوة للوعي والاستدامة

شهد العمل التطوعي البيئي خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا للفتيات الشابات، سواء في حملات التوعية أو المبادرات المجتمعية أو الأنشطة...

محمد صلاح.. الدرس الذي يجب أن يدرس لكل شاب عربي

في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تصنع أحيان بالضجيج، خرج شاب بسيط من قرية مصرية صغيرة ليؤكد أن الطريق الحقيقي إلى...

دفاع عقلاني عن القانون الدولي

في عالم تتوالى فيه مشاهد القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، لم يعد السؤال عن جدوى القانون الدولي سؤالا نظريا يخص...

الحياة في ظل الشرق الأدنى القديم

نبدأ منذ هذا الأسبوع سلسلة من المقالات تحت عنوان "كانوا مثلنا" تقدمها لنا د. دينا إبراهيم سليمان أستاذ اثار مصر...