المرأة في قلب التحول الأخضر.. قوة تقود مستقبل الكوكب نحو الاستدامة

من السلوك اليومي تبدأ رحلة حماية البيئة؛ من قطرة ماء يجري ترشيدها، وضوء يُطفأ في وقته، ومخلفات منزلية تُمنح حياة جديدة عبر إعادة تدويرها، ونبتة صغيرة تُزرع بعناية، وطفل يتعلم أن احترام البيئة مسؤولية تبدأ من التفاصيل الصغيرة.

شيرين الشافعي
رئيس تحرير بقناة النيل للأخبار
ماجستير إدارة أعمال

 

قد تبدو هذه المشاهد عادية وعابرة، لكنها في الحقيقة تمثل خط الدفاع الأول عن الكوكب. فالبيئة لا تُحمى فقط داخل القمم الدولية أو عبر الاتفاقيات الكبرى، بل تبدأ من السلوك اليومي الصغير، من طريقة استهلاكنا للمياه، ومن احترامنا للطبيعة، ومن قدرة الإنسان على تحويل العادات البسيطة إلى ثقافة مجتمعية مستدامة. وهنا تحديدا يظهر الدور الاستثنائي للمرأة؛ باعتبارها القوة الأكثر تأثيرا في تشكيل وعي الأسرة والمجتمع.

وفي زمنٍ باتت فيه التغيرات المناخية تهدد الأمن الغذائي والمائي والاقتصادي للدول، لم يعد الحديث عن البيئة رفاهية فكرية أو قضية تخص النخب، بل أصبح سؤالا وجوديا يتعلق بمستقبل البشرية ذاتها. ومن قلب هذا المشهد العالمي المتغير، تتجه الدول نحو بناء نماذج تنموية أكثر استدامة تربط بين حماية البيئة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي، مع إدراك متزايد بأن المرأة ليست مجرد طرف متأثر بالأزمة المناخية، بل شريك رئيسي في مواجهتها.

المرأة وقاطرة الاقتصاد الأخضر

لقد أثبتت التجارب الدولية أن النساء هن الأكثر تأثرا بتداعيات التغيرات المناخية، خاصة في المجتمعات النامية، بحكم ارتباطهن المباشر بإدارة الموارد المنزلية والمياه والغذاء والصحة الأسرية. لكن المفارقة اللافتة أن المرأة تمتلك في الوقت ذاته قدرة كبيرة على قيادة التحول البيئي داخل مجتمعاتها، باعتبارها الأقرب للسلوك اليومي والأكثر قدرة على تحويله إلى ممارسات مستدامة.

ومن هنا، بدأت الدولة خلال السنوات الأخيرة في دمج المرأة داخل استراتيجيات التنمية المستدامة والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، باعتباره أحد أهم محركات "رؤية مصر 2030". ولم يعد تمكين المرأة مقتصرا على البعد الاجتماعي، بل امتد إلى البعد البيئي والاقتصادي، من خلال إدماجها في مجالات الاقتصاد الدائري، وإعادة التدوير، والزراعة المستدامة، والطاقة النظيفة، وريادة الأعمال البيئية.

وتشير التقارير الدولية إلى أن مصر تعمل على دمج البعد الاجتماعي والنوع الاجتماعي داخل سياساتها التنموية والمناخية، ضمن شراكات تمويلية وتنموية كبرى مع مؤسسات دولية، مع توجيه استثمارات متزايدة نحو مشروعات مراعية للنوع الاجتماعي في إطار التحول الأخضر.

كما تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024 إلى أن معدل مشاركة المرأة في قوة العمل بلغ نحو 16.9%، مقارنة بنحو 70.3% للرجال، وهو ما يعكس استمرار الفجوة في المشاركة الاقتصادية، ويؤكد أهمية السياسات الهادفة إلى تمكين المرأة ودمجها في القطاعات الإنتاجية الجديدة، خاصة المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والتحول المستدام.

التمويل والتدريب بوابة التمكين البيئي

لم تعد مواجهة التغير المناخي ممكنة دون تمكين الفئات الأكثر التصاقا بالحياة اليومية، وفي مقدمتها المرأة، لذلك توسعت الدولة في برامج التمويل والتدريب كمدخل أساسي للتحول الأخضر.

ويأتي برنامج "تكافل وكرامة" كأحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية التي أسهمت في توفير مظلة دعم واستقرار لملايين الأسر، بما يخلق بيئة أكثر قدرة على الانتقال من الدعم إلى الإنتاج.

كما تعاونت الدولة مع عدد من مؤسسات التمويل والتنمية الدولية في تنفيذ برامج تدريبية تستهدف تأهيل النساء في مجالات الاقتصاد الأخضر، مثل إعادة تدوير المخلفات، والمشروعات الصغيرة البيئية، والحرف المستدامة، وترشيد استهلاك الموارد.

وفي هذا السياق، برزت المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية كأحد أهم أدوات الدولة لدمج التحول البيئي مع التحول الرقمي، حيث وفّرت منصة عملية لدعم الابتكار في مواجهة التغير المناخي. وقد حظيت المرأة بحضور واضح داخل هذه المبادرة عبر مشروعات في مجالات إعادة التدوير، والطاقة المتجددة، والزراعة الذكية، وإدارة المخلفات، بما يعكس انتقالها من المشاركة التقليدية إلى ريادة مشروعات مبتكرة قائمة على الاستدامة والتكنولوجيا.

كما لعب جهاز تنمية المشروعات دورا مهما في دعم وتمويل المشروعات النسائية المرتبطة بالاستدامة، بينما عززت وزارة البيئة برامج التوعية داخل القرى والمجتمعات المحلية.

ومع مبادرة "حياة كريمة"، تم دمج البعد البيئي في تطوير الريف المصري من خلال مشروعات النظافة، وإدارة المخلفات، وتحسين جودة الحياة، مع مشاركة فعالة للمرأة في التنفيذ والتوعية.

المرأة في رؤية مصر 2030 والتحول الأخضر

تضع رؤية مصر 2030 البعد البيئي في قلب عملية التنمية باعتباره أساس الاستدامة، حيث يرتبط النمو الاقتصادي بالحفاظ على الموارد الطبيعية. وفي هذا الإطار، أصبح تمكين المرأة أحد محاور التحول الأخضر، وليس مجرد ملف اجتماعي مستقل.

وتعمل الدولة على دمج المرأة في قطاعات المستقبل مثل الطاقة الجديدة والمتجددة، وإدارة المخلفات، والزراعة الذكية، وريادة الأعمال البيئية، بما يعزز دورها في الاقتصاد الوطني ويحولها من مستفيدة إلى شريك إنتاجي.

كما تتكامل سياسات الحماية الاجتماعية مع أهداف التنمية المستدامة، بما يضمن تحويل الفئات المستفيدة، وعلى رأسها النساء، إلى قوة إنتاج داخل الاقتصاد الأخضر.

الاستدامة تبدأ من وعي المرأة والمجتمع

يمثل الوعي البيئي الركيزة الأساسية لأي تحول مستدام، ولذلك كثفت الدولة جهودها لنشر الثقافة البيئية داخل المجتمع، مع تركيز خاص على المرأة باعتبارها محور التأثير داخل الأسرة.

فقد أطلقت وزارة البيئة حملات توعية حول التغيرات المناخية، وترشيد المياه والطاقة، وتقليل استخدام البلاستيك، بينما ساهم المجلس القومي للمرأة في رفع وعي السيدات وربط قضايا المناخ بالحياة اليومية.

كما لعبت مؤسسات المجتمع المدني دورا محوريا في نشر ثقافة الاستدامة عبر حملات التشجير وإعادة التدوير، وبرامج تدريبية تستهدف النساء والشباب في القرى والمناطق الأكثر احتياجا، بدعم من منظمات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عدد من المبادرات والمشروعات التنموية.

وامتدت هذه الجهود إلى قطاع الشباب، حيث لعبت وزارة الشباب والرياضة دورا محوريا بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في تعزيز الوعي البيئي لدى الشباب والفتيات، عبر برامج ومبادرات داخل مراكز الشباب والجامعات، بما يرسخ ثقافة المشاركة المجتمعية في حماية البيئة، ويعزز التكامل بين دور المرأة والشباب في العمل البيئي.

ولا يمكن إغفال الدور المتصاعد للإعلام، الذي أصبح شريكا رئيسيا في نشر الوعي البيئي من خلال البرامج والتقارير والحملات التوعوية، مع إبراز النماذج النسائية الملهمة في مجالات الاستدامة، بما يربط بين السلوك اليومي وحماية البيئة.

كما ساهمت المنصات الرقمية في توسيع دائرة التأثير، من خلال محتوى مبسط يصل إلى مختلف الفئات، ويعزز مفهوم المسؤولية البيئية الفردية والجماعية.

وعلى المستوى الدولي، كان لمؤتمر المناخ COP27 الذي استضافته مصر دور بارز في إبراز البعد الإنساني لقضية المناخ، والتأكيد على أهمية تمكين المرأة والشباب باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في أي تحول بيئي عالمي.

وتواصل الدولة المصرية حضورها الفاعل في مؤتمرات المناخ الدولية، تأكيدا على أن قضية البيئة أصبحت جزءا من الأمن القومي والتنمية الشاملة.

ختاما… لم تعد المرأة مجرد متلقٍ لسياسات التنمية أو طرفا متأثرا بالأزمات المناخية، بل أصبحت شريكا فاعلا في صياغة الحلول وصناعة المستقبل. فحين تُمنح الأدوات، وتُفتح أمامها مسارات التمويل والتدريب، وتُدعم بالوعي والمعرفة، تتحول إلى قوة إنتاج حقيقية قادرة على حماية البيئة وبناء اقتصاد أكثر استدامة.

إن معركة إنقاذ الكوكب ليست معركة تقنية أو علمية فقط، بل هي في جوهرها معركة وعي وسلوك وشراكة إنسانية شاملة، تقف المرأة في قلبها بوصفها أحد أهم محركات التغيير.
وفي النهاية، يبقى اليقين الأهم: حين تُستثمر طاقات المرأة في الاستدامة… لا ينقذ الكوكب فقط، بل يعاد تعريف المستقبل.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي

المزيد من مقالات

فتيات يصنعن الجيل الأخضر .. حين يتحول التطوع إلى قوة للوعي والاستدامة

شهد العمل التطوعي البيئي خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا للفتيات الشابات، سواء في حملات التوعية أو المبادرات المجتمعية أو الأنشطة...

محمد صلاح.. الدرس الذي يجب أن يدرس لكل شاب عربي

في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تصنع أحيان بالضجيج، خرج شاب بسيط من قرية مصرية صغيرة ليؤكد أن الطريق الحقيقي إلى...

دفاع عقلاني عن القانون الدولي

في عالم تتوالى فيه مشاهد القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، لم يعد السؤال عن جدوى القانون الدولي سؤالا نظريا يخص...

المرأة في قلب التحول الأخضر.. قوة تقود مستقبل الكوكب نحو الاستدامة

من السلوك اليومي تبدأ رحلة حماية البيئة؛ من قطرة ماء يجري ترشيدها، وضوء يُطفأ في وقته، ومخلفات منزلية تُمنح حياة...