حين أندلعت حرب أكتوبر كان الأديب الكبير يحيى حقى خارج الوطن.. ولما قامت الحرب بادر مثل كل المغتربين بالعودة سريعا وكتب مقالا لمجلة الإذاعة والتليفزيون عن تفاصيل رحلة العودة، نُشر فى العدد رقم 2018 الصادر بتاريخ 17 نوفمبر 1973 وجاء فيه:
فاجأتنى المعركة وأنا فى الغربة، ثق أننى كنت أتحاشى أن يسألنى الناس.. كيف حالكم ؟ يقصدون بها ماذا جرى لكم.. وأين أنتم؟
ولكن بعد اجتياز خط بارليف الوهمى.. رفعت رأسى وتمنيت أن يسألنى الناس.. من أنتم ؟ لأقول لهم.. إننا أمة مستقرة على الأرض بحدودها، وشخصيتها منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، وهى منبع الحضارة، الفلاح فيها سيد من يهب الأرض، وأنها أمة لم تسكت قط عبر تاريخها الطويل عن رد العدوان، وتردد لذهنى كلمة تشرشل التى قالها تعقيبًا على كلمة.. هتلر، التى قال فيها إنه سيلوى رقبة إنجلترا لوى رقبة الدجاجة، إذ قال.. «ولكن يا لها من رقبة».
But what a hen and what a neck
هكذا أيضًا مصر، كل من يبخس من قدرها سيدفع ثمن حماقته، كما كان يرد لذهنى بيت حافظ: «أنا إن قدر الإله مماتى لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدى».
ولكن سرعان ما انطبق علىّ البيت الذى أحفظه منذ صباى.. وطار النوم وامتنع الفرار، وعدت لأكون بين أهلى على أرض وطنى مهما كانت ظروفى، عدت من طريق ليبيا.. دعنى أصف لك هذا الطريق، سيارات متتالية من أحجام مختلفة، لنقل العائدين إلى وطنهم مثلى، كدت أشهد موكب طيور مهاجرة تسارع بالعودة إلى أعشاشها المستقرة، يدفعها الحنين والحرص على بقاء الجنس.
بسيارات تحمل ستة شبان، خمسة منهم عائدون من شمال أوروبا بعد أن اشتغلوا فترة الصيف فى غسل الصحون، واثنين لجمع وقطف العنب راكعين، وشاب واحد قال لى إنه حداد من حى الشرابية، كان يعمل فى ليبيا.. وتلقى أمرًا للالتحاق بالجيش؛ كان الشبان أكثرنا كلامًا فى السياسة والحرب، يتكلمون فى كل الاحتمالات بنغمة الوثوق، وأحيانًا بالدعاء إلى الله أن ينصرنا، أما زميلى الحداد فكان أقلنا كلامًا فى السياسة والحرب، وهو المعرض وحده دوننا للاستشهاد..
وكان هادئ الأعصاب مطمئنًا، يأخذ استدعاءه مأخذ الأمور الطبيعية التى لا تفاجئه، ويعلم أنه كفء لها، إيمان عميق راسخ فى قلبه بربه وبانتمائه لوطنه.
وطلع علينا الفجر ونحن فى الطريق، فتخيلت نفسى- وليس لمن هو فى مثل عمرى أن يترك قيادة للخيال- أننى فى أرض المعركة فى رفقة زمرة من أبنائنا حول مدفع أو دبابة، قضوا الليل ساهرين استعدادًا للهجوم أو لصد هجوم- طالع عليهم ليقول لهم صباح الخير، وليكتسح ببهائه الدمامة التى تلطخ وجه العدو، دمامة الغدر والعدوان وطبع الذئب المغتال، دمامة تدنيس أرضنا بأقدامهم، إنه ليس فجر يوم.. بل فجر عصر جديد.
ماذا جرى للناس كنت أشهد كثيرًا من المشاحنات لأسباب تافهة.. فى الأتوبيس النرفزة السريعة الإلتهاب.. فى الأتوبيس وفى المترو، ما الذى جرى الناس هم هم، ولكنهم أصبحوا أكثر توددًا وتسامحًا وتطوعًا بالخدمة لبعضهم البعض، هذا شأن القوى لأن القوى هو الذى يستطيع أن يصفح وأن يعذر، أما الضعيف فهو الذى يرفس كالحيوان، وتركت نفسى للخيال مرة أخرى شأن من هو فى مثل عمرى، وقد دُهشت لأننى تطلعت إلى المستقبل، وأحسست أن الأصبع الذى أطلق الزناد سيطلق أيضًا جميع القوى الكامنة فى شعبنا، وتمنيت أن يصل هذا الصوت الذى يهيم فى قلبى، إلى كل صاحب اختصاص وفن فى مصر، أقول له.. دقت الساعة لأن تنطلق أنت أيضًا .. مثلًا اتجه ذهنى إلى المهندسين المعماريين الذين سيُكلفون لا ببناء بيت، بل بتشييد مدن بأكملها، نريد منهم حلولًا عبقرية، للتوفيق بين مطالبنا وحضارتنا.. ومطالب الأسمنت المسلح، ونماذج المدن الأجنبية، ما أقوله عن المهندس المعمارى.. أقوله عن الطبيب بالنسبة لأمراضنا المستوطنة، ولكل فنان، فالمطلب بالنسبة للجميع.. هو التعبير عن أصالة مصر..
لكى تفهم ما الذى أصبو إليه، دعنى أحدثك عن تجربة شخصية، كان آخر كتاب صدر لى قبل سفرى ترجمة لكتاب فرنسى، كنت أترجم لفظًا بلفظ، ولكننى حين وجدتنى فى فرنسا، أحسست إحساسًا عميقًا بأن الترجمة المفهومة الوحيدة، لا تتحقق إلا إذا كان المستوى الذاتى الحضارى للغة المنقول إليها لا أقول مماثلة، بل موازية للمستوى الحضارى الذاتى للغة المنقول منها، فالذى أصبو إليه أن تشمل حضارتنا حركة إنبعاث ذاتى بحيث تبلغ فى نموها المستوى الذى بلغته حضارة أمم أخرى، وإلا كل نقل لنا يكون تشويهًا أو كلامًا هيهات أن نفهمه كما يفهمه أصحابه، قال رونالدستورز الذى كان السكرتير الشرقى لدار الحماية قبل الحرب العالمية الأولى- وهى وظيفة تكاد تكون محلية، وليس لها بريق السلك الدبلوماسى- ولكنه الذى كان يتولى الاتصال بأعيان مصر وحكامها، قال فى مذكراته: وإن دار الحماية لا تنفق مليمًا واحدًا من المصاريف السرية المخصصة لاستئجار الجواسيس؛ لأن المصريين أنفسهم كانوا يتطوعون بدلق أسرارهم إليه من غير أن يسألهم.
وينبغى أن أقول إن هذا العيب ظل لاحقًا بدرجات متفاوتة، ولم نبرأ منه تمام البرء، مع أن لغتنا العربية هى أكثر اللغات حرصًا على كتمان السر، وإعلاء قيمة السكوت، إنك تستطيع من امتحان فتفوته من صخرة أن تعرف معدنها كله، فالبراعة فى كتمان سر المعركة.. هو البشير بأن الاستعداد العسكرى قد انتقل من حال إلى حال، بل إن طبيعة المصرى ستتحول تحولًا جذريًا، فكلما يصبح قادرًا على تملك إرداته، يصبح قادرًا على تملك كلمته.
وما أسعد إنسان يشعر بأن فيضًا من الحب والوداد والإعزاز والإكبار.. قد احتل قلبه وعمره، هكذا كان حالى وأنا أتطلع إلى الوقفة المجيدة التى وقفتها الشعوب العربية، شعوبًا وملوكًا ورؤساء إلى جانبنا، قد حاول العدو مرارًا وربما يكون قد نجح قليلًا فى إثارة الشكوك والريب بيننا، وفجأة زال هذا كله، كم أود أن يعلم شعب الجزائر ورئيسه وشعب مراكش وتونس وليبيا والعراق والسعودية، وجميع بلاد الخليج.. بمقدار هذا الحب الذى يغمر قلوبنا الآن، أما الشقيقة سوريا.. فكل كلام أقوله عن شجاعتها ونخوتها لا يفى بحقها.
أرجو الله أن يدوم هذا الحب والتآلف وألا يعدو علينا العوادى..
إن مصر ستظل تحفظ الود وتريد الخير لكل من يمد لها يده بالخير.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة