جمال حمدان يشرح أسباب نجاح الجيـــش المصرى فى عبور القناة

أكثر من نصف قرن على انتصار العسكرية المصرية على جيش الدفـاع الذى لايقهر عبقرى الجغرافيا الشهير كشف أكاذيب موشى ديان وجولدا مائير

كثيرون كتبوا عن حرب العبور المجيدة التى وقعت فى أكتوبر1973،  لكن ما كتبه دكتور جمال حمدان ـ عالم الجغرافيا السياسية الفذ والمعادى للصهيونية ـ يستحق التوقف أمامه،  فهو الوحيد الذى شرح الأسباب التى منحت مصروالعرب جميعا النصر على "جيش الدفاع الإسرائيلى " وكلام ـ حمدان ـ هو كلام واحد من مفكرى " الدولة المصرية" الذين كانت لهم إسهامات فى فترة الحروب، وفى كتابه المهم "6أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية " تحليل للنجاح الذى أحرزته العسكرية المصرية ـ بدعم من العرب ـ وفضح للأكاذيب والأوهام التى روجها " موشى ديان " و"جولدا مائير" وغيرهما من قادة إسرائيل فى السنوات الفاصلة بين "5يونيو1967" و" 6أكتوبر1973"ويقدم حقائق تاريخية حول "إسرائيل" التى صنعها الاستعمار لتكون شوكة فى قلب الوطن العربى ويقرأ لنا تاريخ العرب السياسى قبل النصر وبعده ..

يستهل ـ دكتورجمال حمدان ـ الفصل الذى حمل عنوان " معركة التحرير الكبرى " بتفنيد الأكاذيب التى روجتها آلة الإعلام الصهيونية بعد وقوع هزيمة "5 يونيو" ويشير إلى انتصار الإرادة العربية بقوله:

ـ لقد عدنا يا "ديان"، نعم، عدنا إلى سيناء، لابشروط صهيون المهينة والحلول الاستسلامية، كما ظل سنوات يتبجح بكل غرورالحقود وصلف المتحكم القمىء، ولكن على أشلائه وفوق جثته عدنا، عدنا بقوة الحديد والنار، بعد أن أنفق ست سنوات يصور وجوده فى سيناء المحتلة قلعة صماء غير مُنفِذة للغزو يستحيل اقتحامها، والواقع أن العدو، وهو خبيث أكثر مما هو ذكى، وحاقد أكثر منه قادراً كما كان يظنه البعض، إنما أنفق تلك السنوات فى محاولة عظمى لكى يكسب المعركة المنتظرة بغير رصاصة على الإطلاق أو قبل إطلاق الرصاصة الأولى، والإشارة هى بالطبع إلى الحرب النفسية الضارية المخططة التى شنّها، فكل ما كان العدو يقوله ويفعله طوال السنوات الأخيرة كان موجهاً إلى المعركة الرابعة، فبكل طريقة كان يحاول أن يستغل انتصاره السابق وأن يستثمر هزيمتنا ليهزمنا ثانيةُ بحملات التشكيك العاتية فى قدراتنا وإمكانياتنا ومعنوياتنا، وفى طبيعتنا وشخصيتنا وتسليحنا وأصدقائنا، وبالأسطورة الخرافية التى بناها عن " جيش الدفاع الذى لايقهر"وقادته "آلهة الحرب الجدد"،والتفوق التكنولوجى والجوى الطاغى، لقد أراد العدو أن تكون " المعركة الرابعة "نسخة مكررة من معركة :يونيو"فجعلتها اليد العربية الجديدة،  العليا والطولى، نسخة مقلوبة معكوسة منها، لقد استوعبنا درس يونيو وتجربته المريرة، وتركنا العدو يمارس بهلوانياته الدعائية فى المباهاة والتفاخر وعبادة الذات .

 أركان الخطة

ويواصل ـ دكتور جمال حمدان ـ حديثه عن الخطة العسكرية المصرية ـ العربية ـ التى حققت النصر الميدانى الإستراتيجى والتكتيكى من البداية حتى النهاية :

ـ أولاً،المبادأة،  ونعنى بها الهجوم، ولقدكانت استراتيجية العدو هجومية من البداية إلى النهاية،وكان العدو حريصاً على ألا يترك لنا زمام المبادأة أو المبادرة، وكان "ديان " دائما ً يردد متفاخراً"..لم يحدث قط أن كان جيش إسرائيل فى وضع دفاعى "وتلك فى الواقع كانت سياسة الحرب الوقائية المكذوبة، ملفقة المنطق،  سياسة شل الأعصاب وتدمير قوة الخصم غدراً على الأرض،قبل أن يتحرك،فيها كان العدو يرى صمام أمنه بل صميم وجوده ذاته، وحولها خطط كل استراتيجيته العظمى، ونكاد نضيف : وبها كانت تتجسم كل أخلاقياته،ومن الضرورى أن ندرك أن هذه الإستراتيجية الهجومية، لأنها المركز المحورى فى كل فلسفة العسكرية الصهيونية، وهى جزء لا يتجزأ من الطبيعة الاستفزازية والعدوانية المتأصلة فى الوجود الإسرائيلى من أساسه،إنها امتداد طبيعى للاغتصاب الأصلى، ولهذا لم تكن قط خطة مرحلية، بل سياسة ثابتة ودائمة بدأت مع قيام الدولة، وسوف تستمر إلى نهايتها،والدليل قول "إيجال بايدن " ـ رئيس أركان الجيش الإسرائيلى فى وقت سابق : "لاشىء أخطر على وجود إسرائيل من وجود الروح الهجومية عند العرب، لذلك يجب علينا أن نواجه هذه الروح الهجومية بضربات هجومية أقوى،ولايجوزردالهجوم إلا بسبق العرب إليه، أما إذا سبقتنا القوات العربية إلى الهجوم فإن الهجوم المضاد يصبح الرد الوحيد والفعال" ولقدكان من الواضح تماماً منذ يونيو أنه ليس هناك ما يدعو العدو إلى تغيير استراتيجيته ، ومن المؤكد أن هذا ماكان يبيته ويخطط له وبالفعل لقد اعترفت إسرائيل أخيرا وعلى لسان رئيسة وزرائها ولأول مرة منذ "6أكتوبر"بأنها كانت تفكر فى الهجوم على " مصر" هجوماً جوياً شاملاً فى حرب وقائية فى ذلك التاريخ نفسه، لكنها عدلت فى آخر لحظة، خشية أن تفقد المزيد من الرأى العام العالمى، غيرأننا مهما يكن كنا أسبق وأسرع، فكانت الضربة الجوابية الأولى لنا فور عدوانه على خليج السويس،بحيث اختل توازن العدو ووضع فى جانب الدفاع منذ اللحظة الأولى، وقد كان الاضطراب الشديد والفوضى الارتجالية البادية وردود الفعل الطائشة هى أبرز ملامح سلوك العدو فى الأيام الأولى وبالأخص الساعات الأولى من المعركة،وكان هذا كله دليلاً ساطعاً على أن جيش الدفاع الإسرائيلى كما يسمونه، لم يكن جيشاً للدفاع ولا صالحاً للدفاع.

كانت كل عقيدته القتالية تدور حول محور الهجوم الخاطف والحرب القصيرة السريعة، غير مجهز نفسياً وعسكرياً للدفاع الجدّى، ومن الثابت أن هذا وحده كان عاملاً من عوامل اهتزازه واضطرابه حين تعرض لأول حرب هجومية حقيقية فى تاريخه،وما من شك فى النتيجة، أن مبادرتنا بالهجوم كانت مفتاح النصر،فى حين أن فرض موقف الدفاع على العدوكان بداية هزيمته إن لم يثبت فى النهاية أنه كان نصف الهزيمة بالنسبة له،ومما يرجح هذا بل يكاد يؤكده، ردود فعل العدو لضياع المبادرة والمبادأة منه واختطاف العرب لها، فلقد ادعى لحين "الفضيلة " فلما وجد  أنها "فضيلة العجز" كشف عن مكنون حقده بلاخباء، فمثلا قال "ياريف" :لقد جازفت حكومة إسرائيل عندما منحت العدو فرصة المبادرة دون أن تتخذ مبادرة وقائية،لأنها أرادت أن تثبت للعالم أنها تريد السلام، بينما قال "بارليف" وهو يطفح بروح الانتقام "إن إسرائيل فوجئت مرة .. إن هذا لن يتكررثانية " أما "إليعازر" فقد أعلن بمزيج من الندم والحذر إن أمن إسرائيل لا يتوقف على تحذير أو إنذار مسبق فقط،  إنما على جيش نظامى دائم وسلاح جوى قادر على منع وقوع كارثة فى حالة حدوث هجوم دون سابق إنذار".

 ويضيف دكتورجمال حمدان:

ـ وإذا نحن نظرنا إلى الحروب الثلاثة الأولى بين العرب وإسرائيل نجدها جميعاً "حروباً إسرائيلية "تماماً أو تقريباً بمعنى أن زمام المبادرة والحركة والهجوم إستراتيجياً وتكتيكياً فى يد إسرائيل،هى التى تحدد الزمان والمكان وهى التى تفرض أسلوب القتال بما يلائمها، وهى التى تجنى ثمار النصر، أما العرب فعلى الدفاع الثابت السلبى، مجرد ردفعل يحدد العدو إيقاعه ويرقصون هم على أنغامه، أما فى "أكتوبر"فإن الإستراتيجية العظمى والروح السائدة والعقيدة القتالية هجومية أساساً،سواء ذلك على المستوى الإستراتيجى أو التكتيكى وابتداءً من تحديد الزمان والمكان إلى أساليب القتال الملائمة من حرب خاطفة صاعقة أو مواجهة تصادمية طويلة إلى الاقتراب غير المباشر والتطويق، وقد اعترف العدوفعلا ً بأنه فى وقت ما من المعركة كان يرقص على أنغام المصريين، هذا ما قاله "شارون"،حتى الدفاع هو الآخركان لأول مرة أيضا ً دفاعاً هجومياً،بمعنى الدفاع الدينامى المتحرك لا الثابت، بما فى ذلك الهجوم المضاد،ولما كانت الحرب فى الحقيقة هى الهجوم فإن الدفاع مجرد جملة اعتراضية مهما طالت ووسيلة مرحلية لاغاية نهائية لكسب الوقت.

 الهجوم والنصر

ويواصل دكتورجمال حمدان تفسير العلاقة بين "الهجوم " والنصر الذى حققه الجيش المصرى على الجيش الإسرائيلى :

ـ لا ينبغى أن يكون لدينا شك أن جزءاً من انتصارنا يرجع إلى مبادرتنا بالهجوم، فالمهاجم أو البادئ بالهجوم كقاعدة عامة وأساسية فى كتاب الحرب هو الأقدر والأقوى على فرض إرادته، وهو الأقرب إلى احتمالات النصروالأكثر تدميراً  للعدو حتى لولم ينتصر،ولعل هذا فعلاً هو المقصود بالشعار القديم "لايكسب المعارك إلا من يخوضونها " وعلى أية حال، فقد كان من دروس أكتوبر كما استخلصها "جالليه" وزير الدفاع الفرنسى بقوله إن "حرب الشرق الأوسط " أثبتت أن فرص الانتصار أكبر للمهاجم وأن الدفاع أدعى فى الحرب الحديثة القصيرة إلى الهزيمة أو  على الأصح يرفع فرص الهزيمة ويقلل فرص النصر، وإذا كان هذا هو درس المعركة، كما هو درس التاريخ كله من قبل فالأهم أن يبقى درس المستقبل وأمل العرب، لاينبغى للعرب أن يكونوا بعداليوم على الدفاع، الهجوم أولاً، الهجوم أولى ..

إلى هذا المدى فعلاً وبلا مغالاة تصل أهمية المبادأة من حيث المبدأ وعلى المستوى العام، ولكنها تصل إلى أبعد منه وبلاحدود تقريبا ً فى حالة الصراع العربى الاسرائيلى بالتحديد،ويرجع ذلك إلى أسباب خاصة تتعلق بملابسات الصراع وظروفه وطبيعة العدو وتقاليده العسكرية،بحيث تضاعف من خطر "المبادأة " بالهجوم ودوره الحاسم، ونستطيع أن نرصد فى هذا ثلاثة اعتبارات خاصة أو محلية، ينبغى دائما ً أن تكون نُصب أعيننا، باعتبارها من دروس "أكتوبر" وباعتبارها "بوصلة المستقبل"وهى :قِصَرالمعارك مع إسرائيل، نظام التعبئة الإسرائيلى، تعدد جبهات القتال، وعن الأولى، تمتاز معاركنا مع إسرائيل بالقِصر مهما طالت، فالتمييز دائماً باليوم أوعلى الأكثر بالأسبوع، ليس لأن الحرب الحديثة أميل بطبيعتها إلى القِصر، ولكن لأن العدو يضع الحرب الخاطفة القصيرة على رأس إستراتيجيته العسكرية والمهم أن نتيجة لهذا القِصرالشديد يصبح لعامل المبادأة بالهجوم دور حاسم وأخطرمما يتناسب مع طوله الزمنى، بحيث يكاد اليوم الواحد فيه يعادل فى إنجازاته وتقدماته بضعة أيام من الناحية العملية، وهو بهذا يختزل فجأة وباقتدارجزءاً كبيراً من المعركة فى ضربة أولى وعاجلة، فلايكاد المُدافع يفيق منها حتى تكون أيام المعركة الباقية أمامه قد أصبحت معدودة، تقل فيها فرص قلب المائدة على المهاجم،وقدكان هذا واضحا ً فى افتتاحية معركة أكتوبر،حيث قطع الهجوم العربى فى الساعات الأولى شوطاً يعادل ما قطعه بعد ذلك فى أيام، أما مسألة نظام " التعبئة" الإسرائيلية فقد أوضحت تجربة أكتوبربما لايقبل الجدل أو النقض أنه ما وُضع ولا جُعِل إلا للهجوم، ولكنه يمثل نقطة ضعف خطيرة حين يوضع على الدفاع، فهو نظام لا يقضى بالاحتفاظ بالجيش كاملاً تحت السلاح باستمرار،فهذه النواة العاملة المحترفة إنما هى الجزء الظاهر فقط من جبل الجليد الطافى، كما وضعها "بن جوريون"أما جسم الجبل فيعتمد على وضع كل القادرين على حمل السلاح فى الاحتياطى تحت التدريب الدورى المنتظم وتحت الطلب الفورى فى  أية لحظة بحيث تتم تعبئة نصف الإحتياطى فى "24 ساعة" وكل الإحتياطى فى 48، 72 ساعة وفيما عدا هذا فإن العدو يعتمد أساساً على جهاز مخابراته كإنذار مبكر وكخط دفاعه الأول.

وهذا النظام الاقتصادى مادياً والفعّال اجتماعياً، يلائم أغراض الهجوم واستراتيجية العدو العدوانية، فحين يبيت المبادأة بالهجوم والمباغتة الفجائية يستدعى احتياطيه سراً حسب خطته الموضوعة، فلا تطلق الرصاصة الأولى إلا وكل جيشه جاهزتماماً فى قلب المعركة، على العكس إذا هوجم فجأة، يكاد يجد نفسه عارياً إلا من بعض قوات أمامية موزعة ومنتشرة لايمكن أن تصدّهجوماًشاملاً ضخماً وهذا بالدقة ما حدث فى "أكتوبر" فحين فوجئ بهجومنا ضغط فترة استدعاء احتياطيه من "24ساعة " وفترة إرساله من "48ساعة" إلى ست ساعات فقط، من هنا كان الارتباك والاضطراب العظيم ابتداء من الجنرالات حتى أصغر الرّتب، وكما كتب "تشرشل" الأصغر"لقد ثارت اتهامات قاسية ضد الجيش الإسرائيلى على أساس أن تقديرات المخابرات والسلطات العسكرية لم تكن خاطئة فحسب، بل إن أجهزة الدفاع الإسرائيلى نفسها كانت مختلة، فقدكان النظام يقضى بأن تتم التعبئة خلال "24ساعة" وأن يرسل المقاتلون إلى جبهات القتال خلال 48 ساعة، ولكن التعبئة تقرر تخفيض أمدها إلى ست ساعات فحسب،نتيجة نجاح العرب فى تحقيق المفاجأة الكاملة، فلاعجب إذن أن عمّت الفوضى قوات الدفاع الإسرائيلى " وهذا أيضاً ما يفسر لنا قول ـ أليعازرـ بعد الصدمة أن أمن إسرائيل لاينبغى أن يعتمد بعد الآن على الإنذار المبكر،إنما على وجود جيش دائم وهو الذى يفسركذلك احتفاظ إسرائيل حتى الآن بنسبة عالية من التعبئة العامة حتى بعد أن توقف القتال.

أما عن تعدد جبهات القتال فإن على العدو الإسرائيلى دائماً أن يحارب فى جبهتين على الأقل وثلاث على الأغلب وعلى هذا الأساس خطَّط استراتيجيته، استراتيجية الهجوم المتتالى السريع، ينقضّ بكل قوته وبأسرع ما يستطيع على إحدى الجبهات حتى ينتهى منها، ثم ينثنى فوراً إلى أخرى،  هكذا على التوالى، مرة مع عقارب الساعة أى بادئاً بسوريا ثم مثنّيا بالأردن  فمصر ـ كما فى يونيو 1967ـ غيرأن حساباته فى هذه فشلت تماماً فى أكتوبرلسببين :

ـ أولا:اتساع جبهات القتال بعد توسع العدو الكبير فى 1967، ذلك التوسع الذى أطال خطوطه الداخلية بدرجة أرهقت حركته المفردة إلى كل جبهة ذهاباًوإياباً وفى هذااعترف الإسرائيليون أخيراً فى إحدى ندواتهم العسكرية بأن أحداً من المسئولين فى إسرائيل لم يدر بخلده أن الاستيلاء على الأراضى كعنصرأمن إضافى يمكن أن يضيف عبئاً ثقيلا على الدفاع، كما أن استبعادهم لحدوث تحركات سريعة للقوات العربية على الجبهتين السورية والمصرية فى وقت واحد ساعدها على الهجوم بنجاح.

ـ ثانياً:التنسيق الدقيق والبارع بين الجبهتين السورية والمصرية، توقيتاً وهجوماً وتفاعلاً، أوكما علقت بعض الدوائرالعسكرية "لقد نسقت مصروسورياجهدهما العسكرى بصورة رائعة لم يسبق لها مثيل، كما أنها استوعبت كل دروس الجولات السابقة"

ومحصلة هاتين الحقيقتين أنه كلما توسع العدو توسعت جبهته وكلما توسعت جبهته فقد إمكانية الهجوم المتتالى السريع، وكلما انتزع العرب زمام المبادأة والهجوم، فقدت استراتيجية الهجوم المتتالى بقية فاعليتها إلى درجة التلاشى، إن انتقال العرب الواعى والدائم إلى الهجوم لايربك ـ فقط ـ كل استراتيجية العدو، بل هو ينسفها، لأنها قائمة أساساً على افتراض وقوف العرب على الدفاع أو فرضه عليهم أساساً وباستمرار.

 عنصرالمفاجأة

وكما شرح ـ حمدان ـ معنى "المبادأة " شرح تفاصيل "عنصر المفاجأة واعتبره امتداداً لعنصرالمبادأة وأضاف قوله:

ـ كانت فرص المفاجأة الاستراتيجية بحكم طبيعة المواجهة عبر القناة، محدودة بدرجة أو بأخرى، فأراضينا فى "سيناء" محتلة، وأهدافنا فى تحريرها معلنة غيرخافية، والاتجاهات الجغرافية الرئيسية الممكنة للهجوم شبه محددة بالضرورة، فالمفاجأة بمعناها الإستراتيجى الجذرى والجوهرى غيرسهلة إن لم تكن شبه مستحيلة، ومع ذلك فقد انتزعت القيادة المصرية المفاجأة النسبية أو التكتيكية بدرجة حققت كل أهدافها المباشرة وغير المباشرة وتركت العدوفى حالة تامة من العمى، ثم التخبط فالذهول،  فاللوعة،ومازال الجميع يتساءلون فى كل الدنيا عن ذلك السر الغامض والمحيِّرالذى أعمى الإسرائيليين عن كل علامات المعركة ومؤشراتها ونذرها وهى التى كانت تحملق فى عيونهم بشدة،كما قالها أحدهم، أوكما عبّر آخر "أهو عمى الألوان أم عمى الصحراء؟" فقبل انفجار الموقف بأيام كان يمكن مشاهدة القوات المصرية وهى منهمكة فى إعداد زوارق المطاط والجسور المجزأة على الضفة الغربية، بينما على جبهة " الجولان" كان تقدير"ديان" أن هناك مئات من فوهات المدافع مرئية للعيان، كما أشار بقدر من الانزعاج إلى أن السوريين قد نشروا شبكة من الصواريخ المضادة للطائرات تقارب فى كثافتها تلك القائمة على قناة السويس، والحق أن المرء كلما ازداد إمعانا ً فى التفكيرفى قضية المفاجأة، لم يملك إلا أن يزداد إعجاباً وتعجباًمن غفلة العدو المتذاكى، وإعجاباً ببراعة الخطة العربية الكتوم : جيش بأسره،  بل جيشان عارمان، بكل المعدات الهائلة وبكل التجهيزات المعقدة الضخمة الكثيفة، حتى تحت ستار المناورات كان لابد أن تتخذ فى وقت ما أوضاعاً هجومية، كل أولئك على مسرح صحراوى مكشوف تماماً ـوتحت سمع العدووبصره، بل تحت أنفه "فاصل 200مترفقط"  كيف يمكن إخفاء كل هذا، وكيف يُخفى كل هذا ؟،على أية حال، ليكن سؤالنا نحن عن أركان هذه المفاجأة البارعة :ما العوامل الأولية التى تتحلل إليها ؟من ناحية أولى كان عامل السرية المطلقة مكفولاً بدرجة فذّة، كما سارت عملية الخداع الإستراتيجى للعدو حسب تخطيط كفء طويل المدى، فمثلاً استغرق تجميع قواتنا للهجوم من ثلاثة إلى أربعة شهور،أى بالتدريج الوئيد والقطّاعى،  بينما لم يدفع بالقوات الرئيسية منها من العمق إلى الجبهة إلا قبل ثلاثة أسابيع، من ساعة " الصفر"وتحت ستار المناورات، وبينما أعدت مكامن السلاح والعتاد ومعدات العبورـ التى تم تصنيع جزء كبير منها محلياًـ مسبقاً فى خفاء تام، لم تنقل الأسلحة والمعدات نفسها إليها بالفعل إلا ليلاً فى آخر لحظة ممكنة قبل ساعة الصفر،ومن قبل أيضاً كان قد أقيم ساتر رملى على الضفة الغربية يحصن تلك الاستعدادات عن أنظار العدووعن نيرانه، كذلك فلم تُفتح ثغرات المرور لقواتنا عبره إلا فى آخر لحظة، ساعة العبور،وفى تقريرلإحدى لجان الكونجرس الأمريكى عن الشرق الأوسط، نشر بعد المعركة واعتمد على زيارة ميدانية واسعة أنه "بالإضافة إلى أن عملية العبورتعد فى ذاتها مظهراً مؤكداً لتحسن القدرة القتالية، فإن عملية التمويه والخداع التى صاحبت الاستعداد المصرى للقتال والقدرة على كتمان هذه الاستعدادات لفترة طويلة وإخفائها عن أعين الإسرائيليين أمر يجب أن يلقى اهتماماً كبيرا ً"

 ويواصل دكتور جمال حمدان شرح عنصر المفاجأة :

ـ هذا عن السرية والتمويه، أما عن التوقيت فقد اختارت الخطة لساعة الصفر توقيتاً مرناً ذكيا ً وبارعاً،  شلّ الجهاز العصبى لقيادة العدوبرغم كل مخابراته وادعاءاته، وهناك عدة أبعاد ومستويات لهذا التوقيت :

ـ أولاً: أنسب طقس سياسى دولى،  كان التأييد العالمى قدوصل فيه إلى الذروةواكتملت عزلة العدو ومعسكره دولياًبدرجة لم يسبق لها مثيل، وفى هذا الصدد بالذات جاء حدث عرضى وهامشى نوعاً،ليشغل الرأى العام الإسرائيلى، ونعنى به أزمة معسكر"شوناو" واليهود العابرين بالنمسا،فهى بالإضافة إلى مشكلة غارات الفلسطينيين الدورية على طائرات العدووأصدقائه فى الجوّ مع غارات العدو الانتقامية على الدول العربية وانشغاله بمطاردة قيادات المقاومة الفلسطينية داخلها وفى عقر دارها، كل ذلك ساعد إلى حد معين على صرف انتباه مخابرات العدو بعيداً نوعاً عن قضية الحرب الأساسية وتركيزه على قضايا جانبية أوثانوية نسبياً..هذا عن الطقس السياسى،  ولكن لاننسى كذلك أنسب طقس مناخى للنشاط البشرى والعمل العسكرى، فخريف "أكتوبر" المصرى،  "ربيع " تقريباً،وهو أبعد مايكون عن حرارة الصيف وبرودة الشتاء القارسة التى تجعل حرب الشتاء حرباً قاسية ً وصعبة قدلاتطيقها بسهولة إلا الدول الغنية، هذا فضلاً عن أن هيدروغرافية "القناة " التى تختل وتضطرب بالأمواج والأنواء شتاءً كذلك يعد الشتاء موسم ثلوج على الجبهة السورية، حيث يبدأ تساقطها فى نوفمبروديسمبر،وهكذا وُجِد أن أنسب توقيت هو سبتمبرأو أكتوبر.

ثانياً: أنسب يوم تعطل وبطالة فى دورة حياة العدو اليومية حيث كان منشغلاً بنشاطاته ومعاركه الانتخابية، وكذلك بمناسبات دينية متلاحقة، ومن جانبنا نحن أيضاً، فلقدكان الموعد آخر وقت يتوقع فيه العدو الهجوم، ونعنى بذلك شهر الصوم الذى يتصوره العدو المتعالى شهركسل وتواكُل، هذا فضلا عمّا فى "رمضان " من وجهة نظرنا من معنى دينى كبيروحافز للجهاد والفداء،يرفع الروح المعنوية إلى ذروتها ويقدم سلاحاً مضافاً للنصر،ولقد أثار اختياريوم"عيدالغفران " حقد العدو، الذى أصبح يسمى "حرب أكتوبر" بذلك الاسم، ومع ذلك فقد اختلف العدو نفسه فى تحديد مدى خطورة ونتائج هذا التوقيت، فرغم أن العيد يقضيه الإسرائيليون فى المعابد بعيداً عن العمل وعن بيوتهم وبذلك يشل حركتهم واتصالاتهم بما يكفى لعرقلة التعبئة العاجلة،إلا أنه فى رأى بعضهم أخف وطأة من سائر الأعياد الدينية الأخرى التى يخرجون فيها إلى الريف والصحراء خارج المدن، للتنزه والرحلات طوال اليوم مما يجعل التعبئة العاجلة أكثر استحالة، وعلى أية حال، فليس من المحتمل أن اختيارنا السادس من أكتوبرتقرر لأنه يوم العيد بالذات، فهناك ضوابط توقيت أخرى عديدة وربما أهم، كما أن أعياد اليهود عديدة على مدار العام فضلا عن أى "سبت" يصلح ويكفى تماماً.

ـ ثالثاً: أنسب يوم للعبور تقل فيه سرعة تيارات قناة السويس ويصل فيها مدى المد والجزر إلى حده الأدنى فلايعوق العمليات الهندسية وإقامة المعابرأو الملاحة عبرالماء بقدر الإمكان، هذا إلى جانب أنسب ليلة قمرية تسمح بحرية العمل ليلاً،وهنا نلاحظ أن ليلة العاشرمن رمضان قريبة من منتصف الشهر القمرى "ليلة 14" حين يكون القمربدراً، كما نلاحظ أن هناك ارتباطاً طبيعياً بين دورة القمروبين المد والجزر،وهذا كله عدا أن ليل أكتوبرطويل "12ساعة "بما يكفى ليمنح العملية أطول وقت ممكن للحركة المستورة وعلى ضوء هذا كله تم تحديد السادس من أكتوبربعد دراسة علمية مفصلة، هيدرولوجياً وفلكياً.

ـ رابعاً: آخرساعة تتوقع للعبور طوال اليوم، فكل العمليات العسكرية تبدأ كقاعدة عامة إما من أول ضوء فى الشروق أو مع آخر ضوء فى الغروب، ولكن الخطة اختارت قلب النهاروفى وضحه، الثانية بعد الظهر،ورغم أن كل عمليات العبورالمائى بالذات، بماتتطلب من مهمات ومعدات هندسية ونقل قوات وسلاح، تتم فى الليل وتحت جنح الظلام، فقدكان البدء فى الثانية ظهراً لايخلو تماماً بهذه القاعدة،ولكنه لايخليها من المفاجأة، فعدا مافيه من مفاجأة خداعية كاملة، فإن اختيارهذا الوقت الذى يسبق آخر ضوء بنحوأربع ساعات، يكفل أيضاً الاستفادة بضوء النهار طيلة هذه الساعات الأربع فى مرحلة طلائع العبور الخفيفة، فيمنح قواتنا الجوية والمدفعية القدرة على دقة التصويب وعلى تصحيح نيرانها فى ضربتها التمهيدية الأولى، كما يتيح إسقاط معدات العبورالهندسية فى آخر ضوء، وبالمثل على الجبهة السورية حيث يمكن أن يتم للسوريين عبور الخندق الصناعى الذى حفره العدوعلى امتدادها، ثم التعمق بعده فى ضوءٍكافٍ، ومن ناحية أخرى، لايكون العدو قد أفاق واستعد بطيرانه ومدفعيته حتى يكون الظلام قد حل ّ وحرمه من العمل الجدّى أو المُجدى حتى صباح الغد، بينما نكون نحن قدوصلنا إلى مرحلة نقل المعدات الثقيلة والقوات الرئيسية التى يمكن حينئذٍ أن تتم فى سلام خلال الليل الطويل، فلايظهرأول ضوء فى الغد إلا ويكون جيشنا بكامله رجالاً وعتاداً قدأصبح بالفعل على الضفة الشرقية.

ويختتم دكتورجمال حمدان قراءته لمناطق التفوق والذكاء والوعى فى خطة العبور بقوله:

ـ أخيراً وليس آخرا، أنسب ساعة من النهارمن حيث حركة الشمس اليومية ومواقعها بالنسبة إلى جبهة العدو وإلى جبهتنا نحن، فقد اختيرت ساعة الصفر بحيث تكون عين العدو فى عين الشمس، وليس العكس، فيكتمل له بذلك عمى المعركة إذ لما كان الشرق موقعه، فإن الشمس انتقلت نحو الغرب بعد الظهر، تغمر عينيه بأشعتها المواجهة فتغشيها وتعاكس رؤيته، على العكس من الموقف قبل الظهر،وفى هذا الصدد كان لابد من التنسيق الدقيق بين الجبهتين المصرية والسورية فرغم أن محورالمواجهة الأساسى على الجبهتين واحد تقريباً يتمثل فى مجابهة بين شرق وغرب فالفارق أن الهجوم المصرى يأتى من الغرب والسورى من الشرق.

وتحقق النصروالعبور العظيم،  بفضل قادة عسكريين مخلصين لتراب الوطن،  وجنود عاهدوا الله على النصرأو الشهادة،  واسترد الشعب كرامته فى يوم الكرامة،  يوم السادس من أكتوبر من العام 1973.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص