حذر زينة الدنيا الزائفة.. وقال إن حبها من الكبائر
هو إمام الزهاد فى علمه الغزير ومقامه الكبير، فقد كان عالماً فى الفقه والحديث والمنطق والقراءات، فضلاً عن كونه أحد رواد المتصوفين الحقيقيين دون ادعاء لـ "الدروشة"، فلم ينقطع للعبادة حبيساً فى صومعة فوق جبل ليأتيه الناس فى زيارة لنيل البركة.. إنه "الحسن البصرى".
ولد "الحسن البصرى" فى بيت السيدة أم سلمة زوجة النبى صل الله عليه وسلم، حيث كانت أمه من موالى السيدة أم سلمة، وقيل إنها كانت ترضعه أحيانا حينما يشتد عليه الجوع وتكون أمه غائبة فى قضاء بعض الأمور لمولاتها، وكانت تأخذه للفاروق عمر وتطلب منه أن يدعو له، فدعا له فى يوم قائلاً: "اللهم فقه فى الدين، وحببه على الناس".
عاش "البصرى" أيام صباه فى المدينة المنورة بين أصحاب النبى وزوجاته، ثم انتقل إلى البصرة موطنه الأصلى مع أسرته سنة 36 هجرية، وكانت وقتها مدينة عامرة بالفقهاء والعلماء وتضج بالجدل الفكرى والدينى، ويتصادم الجديد فيها بالقديم، والروحى بالعقلى، وكان لهذا الجدل واقع خلدته كل كتب الفقه والتاريخ بعبارة: "اعتزلنا واصل"، وهذه العبارة التى منحها البصرى لتلميذه: "واصل بن عطاء"، فأعطت الجماعة اسمها الذى لا يزال صلبا وحاضرا فى قلب الفكر الإسلامى حتى هذه اللحظة، هى جماعة أو فرقة "المعتزلة"، ومع ذلك لم يكفر "الحسن البصري" تلميذه عندما جادله، ولم يستكثر عليه المخالفة فى الرأى، واكتفى بابتسامة أعلن فيها فى حلقة الدرس لتلاميذه:"اعتزلنا واصل".
تجلى زهد "البصرى" وتصوفه فى إعراضه عن الدنيا وحثه على عدم الإغراق فى نعيمها الزائل وزينتها الزائفة، وكانت أقواله فى هذا المقام تشكل ملمحا من فكره وفقهه، فهو من يقول: الله يعطى العبد من الدنيا مكرا به، إلا كان عاجز الرأى، وما عجبت من شىء كعجبى من رجل لا يحسب حبه للدنيا من الكبائر، وأيم الله إن حبها لمن أكبر الكبائر، وهل تشعبت الكبائر إلا من أجلها؟".
عاش الفقيه الزاهد "الحسن البصرى" الشطر الأكبر من حياته فى دولة بنى أمية، وكان موقفه متحفظا فيما جرى فيها من سفك الدماء والفتن، حيث لم يخرج مع أية ثورة مسلحة، وكان يرى فى الخروج الفوضى.
تولى القضاء فى خلافة عمر بن عبد العزيز، وهو من لقبه بسيد التابعين، وقال عنه الإمام الغزالى: "كان أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة، وكان غاية فى الفصاحة، تتصبب الحكمة من فيه".
أما السيدة عائشة عندما سمعته يتكلم قالت: "من ذا الذى يتكلم بكلام الصديقين؟، بئس الرفيقان الدينار والدرهم، لا ينفعانك حتى يفارقاك".
هذا الزهد والاستغناء جعل الملوك والخلفاء يتسابقون فى التقرب إليه، حتى يجلسوا فى مجلسه للتزود من علمه، وكان يرد عطاياهم ولم يقبل منهم هدايا، فارتفعت منزلته فى عيونهم وهابوه.
سأله الخليفة عمر بن عبد العزيز قائلا: "بمن أستعين على الحكم يا بصري؟" فقال: "يا أمير المؤمنين أما أهل الدنيا فلا حاجة لك بهم، وأما أهل الدين فلا حاجة لك بهم"، فتعجب عمر بن عبد العزيز، وقال: "فبمن أستعين إذن؟" قال البصرى: "عليك بأهل الشرف، فإن شرفهم يمنعهم من الخيانة".
ومن أقوال "الحسن البصرى" المأثورة: "التغافل من شيم الكرام"، وكان يقصد بها غض الطرف عن الهنات والأخطاء مع الناس حتى تستقيم الحياة، وقيل له إن فلانا اغتابك، فبعث له بطبق حلوى، وقال: "بلغنى أنك أهديت إلى حسناتك، فكافئتك بهذا"، كما أن له مع "ابن سيرين" قصة، فقد كان بينهما جفوة، وإذا ذكر ابن سيرين عند الحسن يقول: "دعونا من ذكر ابن الحياكة"، وكان بعض أهالى ابن سيرين لهم عمل بالحياكة، فرأى الحسن فى منامه أنه عريان، وهو قائم على مزبلة يضرب العود، فأصبح مهموما برؤياه، فقال لبعض أصحابه امض إلى ابن سيرين، فقص عليه رؤياى كأنك أنت الذى رأيتها، فدخل على ابن سيرين وذكر الرؤيا، فقال ابن سيرين: "قل لمن رأى هذه الرؤيا لا تسأل بن الحاكة عن مثل هذا!".
ولما وصل الخبر إلى الحسن مضى إلى بن سيرين فى مجلسه، فلما رآه بن سيرين قام إليه فتعانقا، ثم جلسا فتعاتبا، ثم قال له الحسن: "حدثنى عن الرؤيا فقد شغلت قلبى" فقال له بن سيرين: "لا تشغل بالك فإن العرى عرى الدنيا فلست من طلابها، وأما المزبلة فهى الدنيا وأنت تراها على حقيقتها، وأما العود فإنها الحكمة تحدث بها الناس"، فقال "الحسن": "فكيف عرفت أنى صاحب الرؤيا؟"، فقال بن سيرين: "لا أعرف أصلح منك أن يكون رآها".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة