الصحابىُّ الجليل "الزُّبير بن العوام" اجتمعت فيه صفات الأصل العريق، والنسب الشريف، والفروسية، فهو قرشى من "بنى أسد" والسيدة
"خديجة بنت خويلد" عمته، والنبى الأعظم أسماه "الحوارىّ" وهى صفة فيها التمييز والحفاوة والترقية، وهو صهر"أبى بكر الصدِّيق"، تزوج من ذات النطاقين "أسماء"، وأمه هى "صفية بنت عبد المطلب" عمة النبى صلى الله عليه وسلم، وكان ـ الزبيرـ جديراً بأن يكون من العشرة المبشرين بالجنة، لأنه من السابقين فى الإسلام، وهو أول من استلَّ سيفاً فى مكة قبل الهجرة إلى المدينة دفاعاً عن النبى، وكان فى جسده ضربات السيوف، شاهدةً على جهاده فى سبيل الله، وكان من فرسان "بدر" الكبرى، وكان من الصحابة الذين أمد بهم ـ عمر بن الخطاب ـ جيش "عمرو بن العاص" الذى فتح مصر، وشارك فى قتال المرتدين، وشارك فى معركة اليرموك رضى الله عنه وأرضاه..
هو القرشىُّ "الزبير بن العوام بن أسد بن عبدالعُزّى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان" وأبوه "العوّام" شقيق السيدة "خديجة بنت خويلد" زوج النبى الأعظم، وأمه "صفية بنت عبد المطلب" وإخوته، السائب بن العوام ـ شقيقه ـ أسلم وحضــر غزوة أحد وغزوة الخندق وقُتـــل فى معـــركة "اليمـــامـــة" و"عبد الرحمن بن العوّام" أمه "أميمة" ـ أخوه من أبيه ـ حضر غزوة بدر، فى جيش كفار قريش، وأسلم يوم فتح مكة، وكان اسمه فى الجاهلية "عبدالكعبة" وأسماه الرسول الكريم "عبد الرحمن" بعد إسلامه، وقتل فى معركة "اليرموك" وقتل ولده "عبد الله بن عبد الرحمن" فى يوم مقتل "عثمان بن عفان"، وعبد الله بن العوام، وله أخوات هن: أم حبيب، وهى شقيقة له أمها "صفية بنت عبد المطلب" و"زينب"، وهند، زوجة الصحابى زيد بن حارثة.
وقيل فى وصف هيئته إنه كان طويل القامة إذا ركب الدابة بلغت قدماه الأرض، وكان يتيم الأب، قتل أبوه فى حرب الفجار، وقاتله هو "مرة بن معتب الثقفى"، وكانت أمه ـ صفية بن عبد المطلب تُكنِّيه "أبوالطاهر" كنية خاله "الزّبير بن عبد المطلب"، وأسلم ـ الزّبيرـ فى مستهل شبابه، واختلف المؤرخون فى تحديد سنه وقت دخوله الإسلام، والرأى الشائع أنه أسلم فى سن السادسة عشرة، واهتدى إلى طريق الإسلام عبر دعوة من أبى بكر الصديق وانطلق ومعه طلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف إلى النبى الأعظم، فشرح لهم جوهر الرسالة وقرأ عليهم القرآن الكريم، وكان يجتمع مع المسلمين فى دار "الأرقم بن أبى الأرقم" وكان عمه "نوفل" يعذبه ليرتد عن الإسلام، وكان يتحمل كل العذاب ويقول "والله لا أكفر أبداً" ومما يروى عنه أن سمع شائعةً فى مكة تقول إن أحد المشركين احتجز النبى الأعظم بأعلى مكة، فخرج ـ الزبير بن العوام ـ وبيده سيفه مدافعاً عن النبى، فكان رضى الله عنه أول من استلّ سيفاً فى سبيل الله.
هجرةٌ إلى الحبشة
كانت قريش تخشى دعوة الإسلام، وتمارس كل الأساليب للقضاء على هذه الدعوة التى رأت فيها التهديد المباشر لمكانتها السياسية والاقتصادية، وكل ما ورد عن هذه القبيلة القوية المهيمنة فى جزيرة العرب، أكد أنها كانت تخشى الدين الجديد الذى يساوى بين السيّد والعبْد ويدعو إلى العدل والرحمة، ويقضى على الرِّبا ويحرم اكتناز الذهب والفضة، ويأمر بالشورى ويرى فيها الوسيلة الوحيدة لتسيير الأمور الدنيوية، ولا يفرق بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، ومن الأساليب التى اتبعها سادة قريش، تعذيب المسلمين وإرغامهم على نطق كلمة الكفر، وهنا طلب النبى الأعظم صل الله عليه وسلم من أصحابه الصابرين الصامدين القابضين على جمرة الإيمان فى قلوبهم، الهجرة إلى الحبشة، وقال لهم إن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وخرج الصحابة وكان عددهم أحد عشر رجلاً وأربعَ نسوةٍ، وجعلوا "عثمان بن مظعون" أميراً عليهم، وبلغوا "بحر القلزم" ـ البحر الأحمرـ وركبوا فى سفينتين، ودفع كل واحد منهما نصف دينار، وطاردتهم ـ قريش ـ ولم تلحق بهم، وكانت هجرتهم فى "رجب" من العام الخامس بعد البعثة المحمدية "الموافق 615 ميلادى"، ولقى المسلمون فى الحبشة الترحاب والقبول، ولكن ـ الزّبير بن العوام ـ لم يطُلْ به المقام، وعاد إلى "مكة" وتزوج من أسماء بنت أبى بكر الصديق، وكان فقيراً لا يملك سوى الفرس والسيف، وسافر ـ الزبيرـ إلى الشام فى قافلة، ولما رجع فيها، لقى النبى الأعظم وأبى بكر الصديق فى طريقهما إلى "يثرب" وقيل إنه أعطاهما كسوتين من قماش، وهاجر بعدهما ومعه "أسماء"، وكانت حُبْلى بولدها "عبدالله" ووضعته فى "قِباء" وكان أول مولود للمهاجرين فى "يثرب" التى أسمها النبى "المدينة" بعد مضى فترة، لم يُولد للمهاجرين فيها مولود، وقيل إن اليهود سحروهم، فجاء مولد "عبد الله بن الزبير" بشرى للمؤمنين من عند المولى عز وجل، ولما حملت "أسماء" طفلها إلى النبى، حَنَّكه بتمرة وبارك عليه وأسماه "عبد الله" باسم جده أبى بكر الصديق، وآخى صل الله عليه وسلم بين "الزبير بن العوّام" و"عبد الله بن مسعود"، وكان قد آخىَ بينه وبين "طلحة بن عبيد الله" قبل الهجرة.
مجاهد مع النبى
شهد الزبير بن العوّام رضى الله عنه جميع الغزوات مع النبى الأكرم صل الله عليه وسلم، وكان من الفرسان، وأصيب جسده بطعنات الرماح والسيوف من أعداء الله، وقال ـ الحسن البصرى عن هذا الصحابى الجليل "كان بالزبير بضعة وثلاثون ضربة، كلها مع النبى"، وقال "ابن شهاب" عن سيف الزبير وجهاده "أتى على بن أبى طالب بسيف الزبير وجعل يقلبه ويقول: سيفٌ طالما جلا الغمّ عن وجه رسول الله"، وروى أحد التابعين قصة سمعها من رفيق للزبير فى سفر، فقال:"ـ صحبت الزبير بن العوام فى بعض أسفاره فأصابته جنابة بأرض قفر، فقال "أسترنى" فسترته، فحانت منى التفاتة، فرأيته مجدّعاً بالسيوف، وقلت له والله لقد رأيت بك آثاراً ما رأيتها بأحد"، فقال "والله ما منها جراحة إلا مع رسول الله صل الله عليه وسلم"، وكان النبى يقدر جهاده، فكان يخصص له أربعة أسهم من الغنائم، سهم له، وسهمان لفرسه، وسهم من سهام ذوى القربى.
ولما خرج الرسول الكريم ومعه المسلمون للقاء كفار قــــريش فـــى غــــزوة بــدر، كــان القــائــد هو "مصعب بن عمير"، وكانوا فى كتيبتين، كتيبة المهاجرين ورايتها مع "على بن أبى طالب" وكتيبة الأنصار، رايتها مع "سعد بن معاذ" وجعل "الزبير بن العوّام" قائدًا للميمنة، وجعل "المقداد بن عمرو" قائداً للميسرة، وكان "الزبير والمقداد" على فرسين، وبقية المسلمين مشاةً، ولما بلغ "أبوسفيان بن حرب" خبر مسير ـ النبى الأعظم ـ من المدينة إلى طريق قافلته، أفلت وجعل طريقه بمحاذاة ساحل بحر القلزم "البحر الأحمر" وكان جيش كفار قريش مكوناً من ألف وثلاثمائة مقاتل، ومعهم مائة فرس وستمائة درع، وأرسل النبى الأعظم، الصحابة "على بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقّاص إلى مكان قريب من "بئر بدر" ليستطلعوا خبر"قريش" وعرفوا أن فى جيش قريش عدداً من كبار القبيلة "عُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعمرو بن هشام وأمية بن خلف ونـــوفل بن خويلد وحكيــم بن حـــزام والحـــارث بن عامر بن نوفل وزمعة بن الأسود" فقال النبى لأصحابه:
«هذى قريش قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها»
يقصد ـ صل الله عليه وسلم ـ أن قريشاً أرسلت "خلاصة" رجالها كأنها تحارب معركة النهاية، إما أن تقضى على الإسلام وإما أن تذهب هيبتها وسطوتها إلى غير رجعة، وفى "غزوة بدر" قتل "الزبير" عبيدة بن سعيد بن العاص، وأصيب بضربتين، وفى "غزوة أحد" كان الزبير من الذين اختارهم النبى لمتابعة جيش قريش عقب نهاية المعركة، وأمره النبى بضرب عنق الكافر "أبى عزة الجمحى"، وفى "غزوة الخندق" قتل الزبير بن العوام "نوفل بن المغيرة المخزومى"، وانتدبه ـ النبى صل الله عليه وسلم ـ ليأتى بخبر "بنى قريظة" اليهود، وفيها قال عنه النبى "إن لكل نبى حواريّاً، وإن حواريىّ الزبير" وفى "غزوة خيبر" جاهد ـ الزبيرـ جهاد المخلص لدينه وعقيدته وخرج لمبارزة "ياسر بن مرحب"، وقالت "صفية بنت عبدالمطلب" للرسول الكريم "يقتل ولدى يارسول الله" فقال صل الله عليه وسلم "بل ولدك يقتله إن شاء الله"، والتقيا، وقتله الزبير.
فتح مكة
يوم الفتح، هو أعظم أيام الإسلام، وكان "الزبير بن العوام" من شهوده، وكان يحمل راية من رايات المهاجرين، ومعه خالدبن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح، ويوم فتح مكة كان يوماً عصيباً على الكفار، فيه رأوا ـ المسلمين ـ منتصرين بقوة المولى وتأييده لعباده، وكان اختيار أبى عبيدة والزبير وخالد، اختياراً من النبى راعى فيه أنهم قرشيون، حتى أنه أخذ راية الأنصار من "سعد بن معاذ" الأنصارى لما سمعه يقول "اليوم يوم الملحمة، اليوم تنتهك الحرمة" وقال صلوات الله وسلامه عليه "بل اليوم يوم المرحمة" ومنح الراية لقيس بن سعد، فكان القرشيون هم من يحملون رايات المهاجرين، وهذا أخفّ على نفوس من فى مكة، وكان ردهم عليه لمّا قال لهم "ما تظنون أنى فاعل بكم" أن قالوا "أخٌ كريم وابن أخٍ كريم"، ونصَب "الزبير" الراية عند منطقة تدعى "الحُجون" .
وبعد وفاة النبى تولّى الخلافة "أبو بكر الصديق" واختار الزبير ضمن رجال الحراسة، وعهد إليهم حراسة مداخل "المدينة المنورة" والتصدى لهجمات الأعراب، وشارك فى معركة "اليرموك" فى زمن "عمر بن الخطاب" والفاروق هو من اختاره ضمن الستَّة أهل الشورى الذين مات الرسول وهو راضٍ عنهم، وبعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسىّ،اختار الستة وجعل معهم عبد الله ولده ليشارك بالرأى ولا يكون له من الأمر شيئاً، ولما توجه ـ عمرو بن العاص ـ لفتح مصر، وطلب المدد من الفاروق، أرسل إليه ـ الزبيرـ ومعه عشرة آلاف مجاهد من المسلمين، والزبير بن العوام كان له الدور المهم فى فتح "حصن بابليون"، فهو من اعتلى السور ومعه جمع من المجاهدين، وأرغم الحراس على الهرب، وفتح باب الحصن ودخل جيش المسلمين وتم الصلح مع من فيه، وكان الزبير شاهداً على عقد الصلح الذى وقعه عمرو بن العاص لأهل مصر.
قتيلُ وادى السِّباع
كانت الفتنة الكبرى بين المسلمين قائمة، وكان "الزبير بن العوام" يظن أنه خرج ليثأر للخليفة "عثمان بن عفان" فأصبح فى معسكر أعداء "على بن أبى طالب" فى موقعة "الجمل" التى حضرتها "عائشة" زوج النبى، والتقى "على" والزبير وقال على:
يازبير أتذكر قول رسول الله إنك تقاتلنى وأنت ظالم؟
ـ نعم.. ولم أذكره إلا فى موقفى هذا ..
وانصرف "الزبير" من الميدان، فلقيه ولده "عبدالله" واستهجن خروجه من المعركة، وكان جواب ـ الزبيرـ ما معناه أنه لن يقاتل "الإمام على" بعد أن تذكر قول النبى "تقاتل عليّاً وأنت ظالم"، وفى طريق عودته إلى المدينة المنورة، لحق به "ابن جرموز" فقتله، فلما جىء به مقتولا ورآه الإمام على، بكى وقال "سمعت رسول الله يقول بشّر قاتل ابن صفية بالنار" وكان ابن جرموز قد قتل "حوارىّ رسول الله" وهو يصلى، وكان مقتله فى "وادى السّباع" القريب من البصرة فى العام السادس والثلاثين للهجرة النبوية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة