مات بعد السبعين وهو آخر صحابى من المهاجرين يموت ويدفن بالمدينة
هو الصحابىّ الجليل الذى قال له النبى صل الله عليه وسلم "إرم فداك أبى وأمي"، وهو من "بنى زهرة" قوم "آمنة بنت وهب" أم المبعوث رحمة للعالمين، وكان ـ سعد ـ من السابقين فى الإسلام، هناك روايات تعده رابع المسلمين وهناك روايات تعده السابع، لكنه شهد كل الغزوات مع الرسول، وكان يوم"أُحُد" من الذين ثبتوا فى الميدان، ودافع عن النبي، وكان محل ثقة "عمر بن الخطاب" فجعله من الستة أهل الشورى، الذين أوكل إليهم مهمة اختيار الخليفة من بعده، وكان" أبو لؤلؤة المجوسي" طعن الفاروق طعنةً لم يبرأ منها وهو قائم يصلى فى المسجد، وكان "ابن أبى وقاص" آخر صحابى من المهاجرين موتاً فى المدينة المنورة، فى زمن معاوية بن أبى سفيان فى العام الخامس والخمسين للهجرة النبوية، وكانت موته بقصره فى "العقيق"وكان من الذين اعتزلوا الفتنة وقنعوا بما بذلوه فى سبيل الله من إيمان وجهاد..
هو أبو إسحق سعد بن أبى وقاص مالك الزهرىّ القرشىّ، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو من الأولين فى الإسلام وأول من رمى بسهم فى سبيل الله، وهاجر من مكة إلى المدينة المنورة وشهد غزوة بدر وغزوة أحُد، وثبت فيها حين هرب الناس، وشهد غزوة الخندق، وبايع النبى الأكرم فى "الحديبية"، وشهد "خيبر" و"فتح مكة"وكان يحمل راية من رايات المسلمين الثلاث، وجعله ـ عمر بن الخطاب ـ قائداً للجيوش التى أرسلها لقتال الفرس، وانتصر فى موقعة "القادسية" وهو الذى فتح "مدائن كسرى" فى العراق وأول والٍ على الكوفة فى العام السابع عشر للهجرة.
زهرى قرشى
كان الرسول ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ يخاطب "سعد بن أبى وقّاص" بصيغة تكريم، ويعده من أخواله، وهذا مثبت فى عمود النسب الخاص به، فهو: سعد بن أبى وقّاص القرشى الزهري، واسم أبى وقّاص هو"مالك بن وهيب" وقيل: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن معد بن عدنان، وأمه "حمنة بنت سفيان" أو "بنت عم" أبى سفيان بن حرب بن أمية، ويلتقى مع ـ الرسول الكريم ـ فى "كلاب بن مرة" وقومه "بنو زهرة" آل "آمنة بنت وهب" أم المبعوث رحمة للعالمين.
وإخوته هم: عامر بن أبى وقّاص، وهو من السابقين فى الإسلام ومن مهاجرة "الحبشة" وشهد غزوة "أحُد" وكانت مهمته حمل الرسائل بين قادة جيوش المسلمين فى الشام إلى الخليفة فى المدينة المنورة، وكان نائباً لأبى عبيدة بن الجرّاح فى إمارة الشام، و"عمير بن أبى وقّاص" وأسلم مبكراً ولقى ربه شهيداً فى غزوة بدر و كان دون العشرين.
وكان مولد "سعد بن أبى وقّاص" فى مكة وكانت صناعته هى "السهام والأقواس"، كان يصنعها وكان من أمهر الرماة فى قريش، وكان إسلامه هدايةً من الله، وقالت ابنته "عائشة" إنه حكى لها قصة إسلامه فقال:
"ـ رأيت فى المنام قبل أن أسلم، كأنّى فى ظلمة لا أبصر شيئاً، إذ أضاء لى قمر، فاتبعته، فكأنى أنظر إلى من سبقنى إلى ذلك القمر، فأنظر إلى "زيد بن حارثة" وعلى بن أبى طالب وأبى بكر الصديق، وكأنى أسألهم: متى انتهيتم إلى هنا؟ قالوا: الساعة، وبلغنى أن رسول الله يدعو إلى الإسلام مستخفياً، فلقيته فى "شعب أجياد" وقد صلى العصر، فأسلمت، فما تقدمنى أحد غيرهم.
وكانت أم سعد رافضةً دخوله دين الإسلام، ولما علمت بإسلامه هددته بأنها سوف تنقطع عن الطعام والشراب حتى تموت أو يترك الإسلام، فتمسك ـ رضى الله عنه ـ بدينه وفيه نزلت الآية الكريمة "وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفاً واتّبع سبيل من أناب إلى ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون"ـ لقمان ـ الآية 15ـ وكانت هجرته ـ رضى الله عنه ـ إلى المدينة المنورة مع الأوائل، قبل أن يهاجر النبى إليها، وكان معه أخوه "عمير بن أبى وقاص" ونزلا فى منزل لأخيهما "عتبة بن أبى وقاص" كان بناه فى بنى عمرو بن عوف وحديقة له، حيث كان عتبة أصاب دماً بمكة، فهرب إلى بنى عمرو بن عوف، وكان ذلك قبل البعثة المحمدية.
مجاهد مع الرسول
كان "سعد بن أبى وقاص" من أمهر الرماة، وهو أول من رمى بسهم فى سبيل الله، وكان من الفرسان الذين يحرسون النبى فى "سرية عبيدة بن الحارث" ومعه المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان، وفى"غزوة بدر" أبلى بلاءً حسناً، وقال عنه الصحابى "عبدالله بن مسعود" رضى الله عنه:
"ـ رأيت سعداً يقاتل يوم بدر، قتال الفارس فى الرجال..
وقتل أخوه "عمير" فى "غزوة بدر"، وقتل "سعد" سعيد بن العاص وأخذ سيفه وكان يسمى "ذا الكتيفة"، فذهب إلى النبى يستأذنه فى أخذ السيف، فطلب منه ـ صل الله عليه وسلم ـ أن يتركه، ثم نزلت "سورة الأنفال" فقال له النبى:"إذهب فخذ سيفك"..
وروى أن "سعد بن أبى وقّاص" أسر أسيرين يوم "بدر"، وفى "غزوة أحد" ثبت ـ رضى الله عنه ـ حين ولّى الناس هاربين، وروى عنه أنه رمى بألف سهم فى يوم "أحد" وفيها قال له النبى قولته "إرم فداك أبى وأمي"، وظل على جهاده فى زمن الخلفاء الراشدين فكان ضمن حراس المدينة المنورة، بعد خروج جيش أسامة بن زيد إلى الشام، وكان الحراس الذين مع "سعد" هم: على بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وكان ضمن جيش المسلمين الذى خرج لقتال المرتدين ومانعى الزكاة، ولما مات "أبو بكر الصديق" استخلف ـ عمر بن الخطاب ـ الصحابى "أبا عبيدة الثقفي" على جيش العراق، ولكنه قتل فى معركة الجسر، واقترح "عبد الرحمن بن عوف" اسم "سعد بن أبى وقّاص" ليقود الجيش، واستدعاه "الفاروق" وخاطبه بقوله:
ـ ياسعد بن وهيب، لا يغرّنك من الله إن قيل "خال رسول الله" وصاحبه، فإن الله لا يمحو السىء بالسىء، ولكن يمحو السىء بالحسن..
وخرج "سعد" إلى العراق فى ستة آلاف مقاتل، أميراً على من بها من جند، وكتب عمر بن الخطّاب إلى "جرير بن عبد الله البجلى" و"المثنّى بن حارثة" أن يكونا تبعاً لسعد بن أبى وقّاص، وأن يسمعا ويطيعا له، وكانا قد تنازعا الإمارة، فالمثنّى يقول لجرير "إنما بعثك أمير المؤمنين مدداً لى و"جرير يقول "إنما بعثت أميراً عليك"، فلما قدم ـ سعد ـ انقطع الخلاف بينهما، ومات "المثنّى بن حارثة" فترحم عليه "سعد" وتزوج أرملته "سلمى" وأمده "عمر بن الخطاب" بمدد آخر حتى اجتمع تحت قيادته فى "القادسية" ثلاثون ألف رجل من المسلمين.
معركة القادسيّة
سار "سعد بن أبى وقّاص" فى ثلاثين ألف مقاتل إلى "القادسية" وبث سراياه وأقام فيها شهراً، ولم يرَ أحداً من الفرس واجتمع رأى ـ الفرس ـ على إرسال "رستم فرخزاد" على الجيش، ثم أرسل "سعد" إلى "رستم" يدعوه إلى الإسلام، ولما التقى الجمعان، كان "سعد" قد أصابه "عرق النّسا" ولم يستطع ركوب حصانه، فكان يراقب الجيش من بعيد، وجعل أمر الحرب إلى "خالدبن عرفطة" وجعل على الميمنة "جرير بن عبدالله البجلي" وعلى الميسرة "قيس بن مكشوح"، وصلى ـ سعد ـ صلاة الظهر، وخطب فى المجاهدين وحثّهم على القتال فى سبيل الله، وانطلقت سهام الحرب، فدام القتال ثلاثة أيام، وكان الفرس يقاتلون ومعهم "الأفيال" الضخمة، وكانت خيول المسلمين تفر منها، وتمكن المسلمون من قتل هذه "الأفيال" ومن يركبون ظهورها، وظهر فى يوم "القادسية" أبطال منهم: طليحة الأسدى وعمرو بن معدى كرب والقعقاع بن عمرو، وضرار بن الخطاب، وجرير بن عبدالله البجلى، ثم هبّت ريح شديدة اقتلعت خيام ـ الفرس ـ من مواقعها وأسقطت سرير "رستم" فركب "بغلة" وهرب فأدركه المجاهدون، فقتلوه، وقتلوا "جالينوس" وهزم الفرس، وكان عدد قتلاهم عشرة آلاف قتيل، وارتقى من المجاهدين المسلمين ألفان وخمسمائة شهيد.
ثم كان يوم عظيم من أيام الصحابى المجاهد "سعد بن أبى وقّاص" وهو يوم فتح "مدائن كسرى" وكان ـ رضى الله عنه ـ أرسل "زهرة بن الحوية التميمى" فى كتيبة لحصار "بهرسير" وهى المدائن الغربية، فتلقاه "شيرزاد" فى منطقة "ساباط" بالصلح وأداء الجزية، ثم مضى ـ سعد ـ بالجيش إلى منطقة يقال لها "مظلم ساباط" فوجد جنداً من الفرس "جند بوران" ومعهم أسد، فتقدم "هاشم بن عتبة" فقتل الأسد، وهاجم المجاهدون المسلمون جيش الفرس وهزموهم، ثم بعث ـ سعدـ السرايا فى كل جهة لمطاردة جند الفرس فلم يجد المسلمون سوى "الفلاحين" فجمع منهم ـ رضى الله عنه ـ مائة ألف، وأرسل يسأل أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" بشأنهم، فطلب منه ـ عمر ـ أن يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فاختاروا الجزية، فأطلقهم، وحاصر مدينة "نهرشير" وهرب الفرس منها بعد أن طال حصار المجاهدين لها معتمدين على القوارب فى نهر دجلة، ودخل المسلمون المدينة فوجدوها فارغة من الناس، ولم يلق المجاهدون المسلمون مقاومةً إلا فى "القصر الأبيض" وبعد ثلاثة أيام دخل "سعد" إيوان كسرى، وجعله مصلى وقرر البقاء فى "المدائن" وأرسل المجاهدين لمطاردة "يزدجرد" وجنوده، واستولى المجاهدون على حلىّ "كسرى" وتاجه، والأموال والكنوز التى كانت بحوزة جنود الفرس، ومن الغنائم التى حصل عليها جيش المجاهدين فى ـ المدائن ـ أرسل "سعد" الخمس إلى "عمر بن الخطاب" وتولى "سلمان الفارسىّ" قسمة ما تبقى بين المجاهدين، وحين بلغ "الخمس" المدينة المنورة، ألقى ـ عمر بن الخطاب ـ بسوارى "كسرى" إلى سراقة بن مالك، تحقيقاً لوعد النبى صل الله عليه وسلم، وكان "سراقة" اعترض الرسول وهو مهاجر من "مكة " إلى المدينة، ووعده النبى بسوارى كسرى، لو أنه ضلل الكفار ولم يرشدهم عنه، والتزم سراقة ولم يرشد الكفار عن النبى وتحققت النبوءة ونال سوارى كسرى من خليفة رسول الله عمر بن الخطاب.
فى مدينة الكوفة
كان "سعد بن أبى وقّاص" أول من تولى ولاية الكوفة، وأقام فيها المجاهدون بيوتاً من الطوب الّلبِن، وأقيم جامع الكوفة، وسار ـ رضى الله عنه ـ فى الناس سيرا حسنا، ثم شكاه بعض أهلها إلى ـ عمر بن الخطاب ـ وقالوا إنه يقصر الصلاة ولا يصلى الصلاة المعتادة، بل إن واحداً من أهلها قال عنه "لا يسير بالسويّة ولا يقسّم بالسويّة ولا يعدل فى القضيّة "وتحقق ـ عمرـ من صدق الشكوى، فسأل سعد بن أبى وقاص عن قصر مدة الصلاة فدافع عن نفسه وقال إنه يصلى بالناس مثل صلاة النبى ولم يقصّر ولم يزد، أما الرجل الكوفى الذى طعن فى دين ـ سعد ـ وذمته فناله دعاء من "سعد" قال فيه "اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً فأطِل عمره وأطِل فقره وعّرضه بالفتن "واستجاب الله دعاءه، فطعن الرجل المدّعى فى السن، وكان يتحرش بالفتيات فى الكوفة وإذا عاتبه الناس قال "أنا شيخ كبير مفتون أصابتنى دعوة سعد"، وقبل موته برّأه ـ عمر بن الخطاب ـ وقال إنه لم ينزع "سعد" من "الكوفة" بسبب انحراف أو ضلال، واختاره ضمن أهل الشورى الستة الذين رسول الله وهو عنهم راضٍ، وبعد أن انتقل ـ الفاروق ـ إلى جوار ربه، اجتمع أهل الشورى واختاروا "عثمان بن عفان" ليكون خليفةً أو أميراً للمؤمنين، وقتل ـ عثمان ـ ووقعت الفتنة الكبرى بين "على بن أبى طالب" و"معاوية بن أبى سفيان" فاعتزل "سعد" فى بيته ولم ينخرط فى هذه الفتنة، ولما طلب منه ـ معاوية ـ أن يسبّ "على بن أبى طالب" ردّه برفق وقال له ما معناه، إنه لا يستطيع أن يسب من قال فيه الرسول ما معناه "أنت منى بمكانة هارون من موسى، لولا أنه لا نبوة بعدى" ومات رضى الله عنه وقد جاوزه عمره السبعين عاماً ودفن فى المدينة، وهو آخر صحابى من المهاجرين يموت ويدفن بها، وكان موته فى العام الخامس والخمسين للهجرة .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة