المبشرون بالجنة «1» أبو عبيدة بن الجراح.. فاتـح بلاد الشام وأمين الأمة

أبو عبيدة كان من الذين أحاطوا النبى ودافعوا عنه وهزم الروم فى معارك كثيرة

المبشرون بالجنة عشرة من الصحابة السابقين فى الإسلام، وهم: أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، والذين خلفوا الرسول أربعة هم الخلفاء الراشدون، والستة الباقون هم موضوعنا طوال الشهر الفضيل، نقترب منهم ونحدث القارئ عنهم، ونعرّف بجهادهم وتقواهم وزهدهم، وفى هذه الحلقة نبتدئ بالرجل الزاهد المجاهد "أبو عبيدة بن الجراح" الذى أسماه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "أمين الأمة"، وهو من قاد جيوش المسلمين التى فتحت بلاد الشام، وبعد أن أنجز مهمته، مات بالطاعون ودفن فى الأردن رضى الله عنه وأرضاه.

هو صحابى جليل وقائد من قادة الجهاد فى سبيل نشر دعوة الإسلام، منحه الرسول لقب "أمين الأمة" ضمن القول الوارد عنه "إن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الأمـة أبو عبيدة بن الجراح"، قال عنه "أبو بكر الصديق" فى يوم "سقيفة بنى ساعدة":

قد رضيت لكم هذين الرجليــن، عمــــر بن الخطـــاب وأبو عبيدة بن الجراح..

     وكانت رحلته مع "الإسلام" مبكرة، فهو من السابقين، وشهد مع النبى الكريم "غزوة بدر"، وكان من الصحابة الذين ثبتوا فى "يوم أحد" وظل يدافع عن النبى، بعد أن ترك الرماة المسلمون مواقعهم وانشغلوا بجمع الغنائم، وتغلب "خالد بن الوليد" قائد جيش "قريش" على جيش المسلمين، ولما تولى "عمر بن الخطاب" خلافة المسلمين، جعله على رأس جيش المسلمين.

 قرشى مجاهد

الصحابى الجليل "أبو عبيدة بن الجراح" يلتقى نسبه ونسب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو:

ـ عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنتنة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وقال بعض النسابين إن "فهرا" هو قريش، أول من تلقب بقريش، وقيل إن قريشا، من التقريش ولا علاقة لها بجده "فهر"، وهو يجتمع مع النبى فيه "فهر بن مالك"، فالنبى من نسل "غالب بن فهر" وأبو عبيدة بن الجراح من نسل "الحارث بن فهر"، وأمه هى "أميمة بنت غنم بن جابر" وفى كتاب "جمهرة الأنساب" لمؤلفه "ابن حزم الأندلسى" ورد نسبها هكذا:

ـ أميمة بنت عثمان بن جابر بن عبدالعزى بن عامرة بن عميرة ين وديعة بن الحارث بن فهر، وقيل إنها أدركت الإسلام وماتت مسلمة.

وتاريخ حياة "أبو عبيدة بن الجراح" فى الجاهلية، مجهول، لكن المعروف عنه أنه من السابقين فى الإسلام، أسلم قبل انتقال ـ النبى الأعظم والرسول الأكرم ـ إلى دار "الأرقم بن أبى الأرقم"، وقال  ـ ابن هشام ـ فى السيرة النبوية إن "أبو عبيدة بن الجراح" أسلم قبل أن يصبح عدد المسلمين أربعين رجلا، وكان ـ رضى الله عنه ـ من حفظة القرآن الكريم، وهاجر إلى "الحبشة" وبعدها هاجر إلى "يثرب" التى سماها النبى "المدينة"، وكان نزوله رضى الله عنه فى دار "كلثوم بن الهدم الأوسى".. وروى ـ مسلم ـ عن أنس بن مالك أن النبى آخى بينه وبين "زيد بن سهل بن الأسود الخزرجى" وقال "ابن سعد" فى الطبقات إن الرسول صلى الله عليه وسلم آخى بين "أبو عبيدة" وسعد بن معاذ، وقيل "سالم" مولى أبى حذيفة.

ومن المتفق عليه أن "أبو عبيدة بن الجراح" شارك فى "غزوة بدر" الكبرى، التى وقعت فى "17 رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية ـ" وأبلى فيها البلاء الحسن، وتناقلت كتب التاريخ والمغازى خبرا يقول إن "أبو عبيدة بن الجراح" قتل أباه الكافر فى يوم "بدر"، والخبر موجود فى "تاريخ دمشق" عن طريق "البيهقى" عن "عبد الله بن شوذب" وقال "ابن حجر":

وهو فى ما أخرجه ـ الطبرانى ـ عن "عبد الله بن شوذب"، وقال "السيوطى" فى "أسباب النزول": وأخرج ابن أبى حاتم عن "ابن شوذب" قال "نزلت هذه الآية فى أبى عبيدة حين قتل أباه يوم بدر "لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله"ـ سورة المجادلة ـ الآية 22ـ وأخرجه ـ الحاكم ـ عن طريق "ضمرة بن ربيعة" عن "عبد الله بن شوذب"..

وقال آخرون:

ـ إن أبا عبيدة لم يقتل أباه يوم بدر، وليس فى هذا خبر صحيح أو حسن أو ضعيف، ولايصح هذا الخبر، لاسندا ولا متنا، أما السند فهو ضعيف ومعتل ومعضل، لأن عبد الله بن شوذب، بعيد زمانيا عن موقع الخبر، فهو خراسانى، لم يرحل إلى المدينة المنورة، ولايصح متنا، لأن "ابن عساكر" نقل عن "المفضل بن غسان" أن "الواقدى" كان ينكر أن يكون والد "أبو عبيدة" قد أدرك الإسلام، وقال إنه ينكر قول أهل الشام إن أبا عبيدة لقى أباه فى زحف فقتله، وقال "سألت رجالا من "بنى فهر" عن والد أبى عبيدة فقالوا إنه توفى قبل ظهور دعوة الإسلام.

 غزوة أحد

من المعروف فى تاريخ الإسلام أن المسلمين هزموا فى "غزوة أحد"، والثابت أن "أبو عبيدة بن الجراح" ثبت فى الميدان، وكان من الذين أحاطوا ـ النبى الأعظم ـ ودافعوا عنه، ومن المعروف أن "أبو عبيدة" كان له موقف مشهود ومشهور، روت خبره السيدة عائشة فقالت:

سمعت أبا بكر يقول: لما كان يوم أحد ورمى رسول الله فى وجهه، حتى دخلت فى وجنتيه حلقتان من "المغفر"، فأقبلت أسعى إلى رسول الله، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا فقلت: اللهم اجعله "طلحة" حتى توافينا إلى رسول الله، فإذا "أبو عبيدة بن الجراح" قد بدرنى فقال: أسألك الله يا أبا بكر ألا تركتنى فأنزعه من وجنة رســول الله، قال أبو بكر: فتركتـــه، فأخــذ "أبو عبيدة" بثنيته إحدى حلقتى ـ المغفرـ فنزعها، وسقط على ظهره، وسقطت ثنيته، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى، وسقطت..

 سرية أبى عبيدة

بعث النبى صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح فى أربعين رجلا إلى "ذى القصة" فى شهر ربيع الآخر سنة "6 هجرية" وسبب هذه "السرية" أنه قد بلغه أن بعض القبائل يريد الإغارة على سرح المدينة، ومشى ـ أبو عبيدة ـ ومعه الرجال الأربعون فأغاروا عليهم، فأسروا رجلا واحدا منهم، وقدموا به إلى المدينة، فأسلم بين يدى النبى الأكرم، وهناك سرية أخرى تسمى "ذات السلاسل" وكانت ضد "قضاعة" وكان من المشاركين فيها "أبو عبيدة بن الجراح" قائدا لمائتى مسلم، دعما للقائد "عمرو بن العاص" وكان له دور مهم فى قيادة جيوش فتح الشام فى عهدى أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فالذى حدث أن تولى "أبو بكرالصديق" خليفة، وكان عليه أن يؤمن دولة الإسلام، من الفرس والروم، فاتخذ القرار بمحاربة الروم فى الشام وجمع أربعة من الصحابة "أبو عبيدة بن الجراح، معاذ بن جبل، شرحبيل بن حسنة، يزيدبن أبى سفيان" وقال لهم:

"إنى باعثكم إلى الشام ومؤمركم على الجنود، وأنا موجه مع كل رجل منكم من الرجال ما قدرت عليه، فإذا قدمتم البلد ولقيتم الجنود واجتمعتم على قتالهم "يعنى الروم" فأميركم "أبو عبيدة" وإذا لم يلقكــم "أبو عبيدة" وجمعتكم حرب، فأميركم "يزيد بن أبى سفيان"، وسار "شرحبيل" ومعه جنوده، وبقى معظم الجند مع أبى عبيدة، يؤمهم فى الصلاة، وفى السابع من شعبان "سنة 12 هجرية" ودع "أبو بكر الصــديق" أبا عبيدة وأوصاه:

"اسمع سماع من يريد أن يفهم ما قيل له، ثم يعمل ما أمر به، إنك تخرج فى أشراف الناس وبيوتات العرب وصلحاء المسلمين، وفرسان الجاهلية، كانوا يقاتلون على الحمية وهم اليوم يقاتلون على الحسبة والنية الحسنة، أحسن صحبة من صحبك وليكن الناس عندكم فى الحق سواء، واستعن بالله وكفى به معينا..

وفتح الله على المسلمين، وهزموا الروم فى معارك كثيرة، وكانت "القيادة العامة" تحت إمرة أبى عبيدة بن الجراح، وكان معه خالد بن الوليد، استدعى من العراق لينضم إلى جيوش الشام، بقرار من الخليفة عمر بن الخطاب، وطلب من أبى عبيدة أن يستفيد بمواهب ـ خالد ـ العسكرية، وكانت معركة "أجنادين" فى 27 جمادى الأولى ـ سنة 13 هجرية فاتحة خير على المسلمين، ثم جاءت معركة "اليرموك" فى شهر رجب ـ سنة 15 هجرية التى انتهت بهزيمة ساحقة للروم، وكانت كارثة كبرى على الإمبراطورية البيزنطية، وهى المعركة التى جعلت "هرقل" يغادر "أنطاكية" وهو يقول "وداعا ياسورية، وداع من لايعود إليك"، وفتح بيت المقدس صلحا، وأصبح الشام كله للمسلمين، وحضرـ عمر بن الخطاب ـ صلح بيت المقدس، وبعد هذه المعارك المظفرة، وقع "الطاعــون" فى هـــذه البلاد، وأصيــب "أبو عبيدة" بالطاعون ومات به، ودفن فى غور "البلاونة" على الطريق الذى يقطع "غور الأردن" من الشمال إلى الجنوب وعلى مبعدة أربعين كيلو مترا من مدينة "السلط"، وكان السلطان المملوكى "الظاهر بيبرس" أقام مشهدا لقبر الصحابى المجاهد وأوقف عليه وقفا، ريعه للمؤذن والإمام.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص