«ع. م» الملهمة الحقيقية لقصيدة «الأطلال»/ اسمها «علية محمود».. جارته وقريبته وأهدى لها ديوانه الأول «من وراء الغمام»/ حفيدته تكشف: تعلم من أجلها اللغة الفرنسية ووصفها بأنها «وحى العبقرية» عاشت بعده ربع قرن واعترفت بأنها ملهمة الأطلال
تهل ذكرى ميلاده كل مرة مع الأنفاس الأخيرة للعام وفى يومه الأخير، حيث يكون العالم كله مشغولا باستقبال السنة الجديدة واحتفالاتها الصاخبة، وكأن القدر اختار له هذا التاريخ بالذات ليضيف سببا إلى قائمة سوء الحظ الطويلة فى حياته، والتى يقف على رأسها أن أمنية حياته الكبرى بأن تغنى أم كلثوم إحدى قصائده تحققت بعد رحيله بـ 13 عاما!
وحين أصبحت "الأطلال" أشهر قصيدة غنتها سيدة الغناء (1966)، وحين أصبح اسمه فى قائمة الخالدين من الشعراء، وحين أصبحت كلماته على كل الألسنة ويرددها الناس من الخليج إلى المحيط، كان هو الوحيد الذى لم يستمتع بنجاحه الساحق..
(1)
ارتبط اسم إبراهيم ناجى بـ "الأطلال"، وكأنه جاء إلى الدنيا ليكتبها ويرحل.. ومن فرط نجاحها نُسجت حولها عشرات المرويات والشائعات والحكايات، خاصة فيما يتعلق بـ "الملهمة" التى كتب فيها القصيدة، والحق أنها لم تكن ملهمة واحدة، فقد تعددت الملهمات وتسابقت كل واحدة فى نسبة الشرف لنفسها، والطريف أنهن جميعا حملن اسم "زوزو"، وفى قائمة "الزوزوات" الملهمات نجد أسماء: زوزو حمدى الحكيم، زوزو ماضى، وزوزو نبيل..
وامتلكت أولهن الجرأة لأن تحكى تفاصيل غرام إبراهيم ناجى بها ووقوعه فى فتنتها وإلهامها له لكتابته القصيدة، وخرجت لتكشف أنه كان غراما من طرف واحد، وأنها لم تكن تبادله الحب ولا الإعجاب، فقط تبادله الشعر!
وخرجت عائلة إبراهيم ناجى لترد عليها وتُكذبها..
فمن هى إذن الملهمة الحقيقية لشاعر الأطلال؟..
ظل السؤال مطروحا ويحمل إجابات متعددة وتفسيرات مختلفة، إلى أن حسمت حفيدته د. سامية محرز الجدل وكشفت بالأدلة والبراهين والوثائق عن حبيبة جدها المجهولة وملهمته الأولى، والتى كثيرا ما كان يرمز لها فى كتاباته وإهداءاته بالحرفين الأولين من اسمها (ع. م).. وذلك فى كتابها المهم والقيم الصادر مؤخرا عن دار "الشروق" ويحمل عنوان "إبراهيم ناجى.. زيارة حميمة تأخرت كثيرا"، والتى تجيء ذكرى ميلاد جدها لنستعيد سيرته وحكاياته وملهماته..
وسامية محرز هى أستاذ الأدب العربى ومدير دراسات الترجمة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهى حفيدة إبراهيم ناجى من ابنته / والدتها "أميرة" وهى كبرى بنات شاعر الأطلال الثلاث مع "ضوحية" و"محاسن".. وتحمل سامية اسم جدتها لأمها "سامية هانم سامى" زوجة إبراهيم ناجى وأم بناته وشريكة عمره على امتداد 25 عاما..
وسامية هانم كانت تصغره بعشر سنوات حين تزوجها فى ديسمبر 1927، كانت فى نحو العشرين وتنتمى لأسرة مرموقة فوالدها سامى باشا أمين كان محافظا للعاصمة، وتزوجها إبراهيم ناجى بعد تخرجه فى كلية الطب وعاش معها فى بيت والده أحمد ناجى القصبجى السكرتير العام لمصلحة التلغراف، وبعد إنجابهما لابنتهما الثانية "ضوحية" انتقلا إلى بيت مستقل بشارع حسونة النواوى بمصر الجديدة، لكنه لم يقطع علاقته بشبرا، فافتتح بها عيادته.. وفيها مات!
والثابت أنه عاش معها قصة حب فى مقتبل حياتهما الزوجية، وهو ما يمكن أن نستدل عليه من الخطابات الرومانسية التى كان يداوم على إرسالها لها كل يوم عندما اضطرته ظروف عمله كطبيب للإقامة فى المنصورة، فى حين فضلت هى لظروف مرضها أن تبقى مع أسرتها بالقاهرة، وقد نشرت د. سامية محرز نماذج من تلك الخطابات العاطفية، كتبها إبراهيم ناجى بقلب عاشق وبأسلوب شاعرى فياض بالرقة والرومانسية.. وإليها كتب:
"هل تذكرين وعدك لى بالكتابة يوميا.. مضى اليوم الأول بدون أن أتلقى كلمة واحدة منك.. كيف عساى أن أقضى يوم غد بدون كلماتك الرقيقة، بدون الحديث اليومى الساحر، كيف يسعنى أن أملأ فراغ الوقت الممل والطويل والساعات الأشبه بالخطى الثقيلة.. أنا أموت بدونك ويكفيك مشاهدتى كى تنتابك الشفقة وتتعاطفى مع زوجك الوفى"..
لكن الثابت كذلك – وباعتراف الحفيدة – أن جفوة أصابت تلك العلاقة بالبرود، تراجع الحب والشغف، خاصة بعد أن أنجبت الزوجة بناتها الثلاثة وانشغلت بتربيتهن، وبخاصة – وهذا هو الأهم – أنه لم يجد فيها النموذج المثالى للحبيبة التى تشبع خيال شاعر رومانسى مثله، فلم يكن لديها الاهتمام الكافى به، ولم تكن على درجة من الشغف بالثقافة والأدب والفن مثله، ولذلك راح يبحث عن ملهمة.. وتعددت الملهمات والنزوات أو ما كان يسميه: الجرائم الصغيرة..
وتعترف سامية محرز بتلك الحقيقة بصراحة كاملة وينتهى اعترافها بمفارقة مدهشة.. تكتب:
"كنت أرمق جدتى وهى ترتشف قهوتها، كم كانت جميلة، شعرها ناعم كثيف أسود كالليل، ماعدا خصلة شعر واحدة بيضاء فى مقدمة جبهتها، اشتعل الشيب فى تلك الخصلة وهى مازالت شابة، سيقال لاحقا بعد موت جدى إن من بين ملهماته ثلاث زوزوات: زوزو حمدى الحكيم، زوزو ماضى، زوزو نبيل، ثلاث فنانات مثقفات ومحبات للشعر والأدب والتمثيل، وكلها مجالات عشقها جدى، كان لثلاثتهن نفس خصلة الشيب التى تعتلى جبهة "تتو" (اسم التدليل التى كانوا ينادونها به).. هل كان جدى يلاحق صورة تمناها لجدتى فيهن؟!.. ربما، فجدتى سامية هانم بنت الأكابر لم تكن تشاطره حياته الثقافية الصاخبة، ظلت الزوجة التقليدية والأم المسئولة، برغم محاولاته فى مقتبل حياتهما معا تغيير الأحوال".
(2)
فلمن إذن كتب إبراهيم ناجى قصيدته الأشهر، ومن كانت ملهمتها؟
تكشف حفيدته عن ملهمات كثيرات، ففوق الـ "زوزوات" الثلاث، كانت هناك أخريات عاش معهن جرائمه الصغيرة، نزوات عاطفية عابرة ومبتورة مع بطلات يحملن أسماء: فلك، جيرمين، فريدة وبهيجة.. وكتب عنهن فى مذكراته الشخصية غير المنشورة..
لكن ظلت هناك قصة حب مجهولة وطاغية ومؤثرة، عاشها فى مطلع شبابه، كانت حبيبته وملهمته الأولى وحب الصبا الذى لازمه العمر كله، وكتب أجمل شعره فى عذاباته ومباهجه معها.. إليها أهدى ديوانه الأول "وراء الغمام" وتصدرت قصيدته عنها مطلع:
أنتِ وحى العبقرية / وجلال الأبدية
أنتِ لحن الخلد والرحمة/ فى أرض شقية
ثم أهداها ديوانه الثانى "ليالى القاهرة" الصادر عام 1950، وكتب فيها:
يا شطر نفسى وغرامى الوحيد
ما شئتِ يا ليلاى، لا ما أريد
يا من رأت حزنى العميق البعيد
داويت لى جرحى بجرح جديد.
كانت جارته فى شبرا، وترتبط معه بصلة قرابة، فكلاهما يتصل نسبا بالشيخ عبدالله الشرقاوى شيخ الأزهر فى زمن الحملة الفرنسية على مصر، كانت تصغره بعامين، تلميذة بمدرسة الليسيه الفرنسية، لها ولع بالثقافة والأدب، ومن أجلها تعلم إبراهيم ناجى اللغة الفرنسية حتى يشاركها قراءاتها فى الأدب الفرنسى.. وهى الواقعة التى يشير إليها فى مقال له بعنوان "كتب أثرت فى حياتى":
"تعلمت الفرنسية عمدا لكى أقرأ قصة "التلميذ" لبورجيه الكاتب الفرنسى الأشهر.. ملخص الموضوع أننى كنت أعرف الإنجليزية فقط.. لكن ما حيلتى وأنا مضطر للتفاهم بالفرنسية مع أعز مخلوق فى الوجود وهى لا تعرف غير الفرنسية، وهى لا تحب غير بورجيه وتعتقد أن قصة "التلميذ" قصة خالدة وتتمنى لو قرأناها معا بالفرنسية.. لست أعرف فى تاريخ الضرورات أغرب من هذه الحكاية، قلت لنفسى أتعلم كما يتعلم الطفل أحفظ الكلمات ثم أتعلم ربطها ثم أتكلم كلمات قليلة أولا ثم جملا، وهذا هو الذى حدث"..
هى إذن التى حفزته على تعلم الفرنسية، اللغة التى ترجم منها أعمالا أدبية عديدة إلى العربية، كما حفزته على الاتجاه للشعر الرومانسى، فهى ليست فقط ملهمته الأولى بل هى قد تكون – كما تؤكد سامية حراز – مسئولة عن توجهات مهمة فى تاريخه الأدبى..
هام فيها حبا، وتقدم لخطبتها حين كان طالبا فى كلية الطب خشية أن يسارع والدها بتزويجها، وكان زواج البنات وقتها يتم فى سن مبكرة، لكن والدها رفضه وفضّل عليه عريسا رأى أنه الأنسب لابنته الجميلة كاملة الأوصاف، وبالفعل تزوجت الحبيبة من محمود سبع قنصل مصر فى ليفربول..
تركت قصة حبه الضائع أثرا غائرا فى نفسه، وكتب عنها كثيرا، شعرا ونثرا، وكان يرمز لها بحروف اسمها (ع. م)، حتى أن بعض من أرخوا لحياة إبراهيم ناجى – مثل الكاتب وديع فلسطين - شككوا فى أنها شخصية حقيقية ومالوا إلى أنها شخصية من وحى الخيال..
وظلت هذه الملهمة الغامضة لغـــزا حتى كشفت عنها د. سامية محرز فى كتابها القيم عن جدها، وبعد بحث وتحرٍ لعبت الصدفة الحسنة دورا فى الوصول إلى اسمها وحكايتها..
إنها "علية محمود" ابنة عائلة الطوير تونسية الأصل، جارة عائلة ناجى فى شبرا، ملهمة إبراهيم ناجى لقصيدته الأشهر "الأطلال"..
بذلت سامية محرز جهدا بحثيا جبارا فى تحرى القصة، ونجحت فى الوصول إلى "أميرة" ابنة علية الطوير فى كندا، وسمعت منها القصة كاملة نقلا عن والدتها التى كانت قد رحلت عن الدنيا وعن شقيقها "حسونة"، ووثقت حكاية الحب التى ربطت بين الصبى الخجول وجارته الصغيرة الفاتنة، عاش معها أحلى سنين عمره، وأقسى صدمات عمره كذلك عندما تزوجت وتركت له جرحا مفتوحا فى قلبه..
لكن المفاجأة أن العلاقة لم تنقطع، بل كانت علية تسمح لإبراهيم بزيارتها فى منزل أسرتها بحضور أولادها، تستقبله باعتباره جارا وقريبا.. وكانت قصة حبهما القديمة معروفة لأولادها، وبحسب ما تذكره سامية محرز:
"تزوجت علية فى 1923 وتزوج جدى عام 1928 ولكنه ظل يزورها حتى بعد أن أصبحت أما، لها ولد يجالسهما ويتذكر، ولكن لماذا يتذكر "حسونة" زيارات جدى، بل يحكى لأخته عن تلك الذكرى؟ هل لأن إبراهيم ناجى كان قد أصبح شاعرا وطبيبا معروفا؟، هل لأنهما كانا يتداولان قصة أمهما مع جدى، خاصة بعد أن ذاع صيته بعد وفاته كشاعر "الأطلال" أجمل ما تغنت به أم كلثوم على الإطلاق، فأصبحت ذكرى زيارات ناجى مُلحة، أو لنقل أنها قفزت إلى الأمام فى صندوق الذكريات.. المهم أن العلاقة بين ناجى وعليه لم تنته عند الطفولة، وأنها لم تكن سرابا كما قال وديع فلسطين، ولم تكن عطفا على ناجى كما ادعى الشاعر صالح جودت، بل كانت علاقة حقيقية استمرت على مدى سنوات، ولنسلم بأنها كانت علاقة رومانسية كما وصفتها السيدة أميرة"..
وفى الأوراق الشخصية التى أفرجت عنها الحفيدة يذكر إبراهيم ناجى ومضات عن علاقته بالسيدة (ع)، بل يذكرها باسمه الحقيقى فى مرة نادرة من تلك المذكرات الشخصية، دونها فى يناير 1947 وفيها كتب:
"كاظمة الطوير (أخت علية) مرضت فى العوامة التى يسكنها أخى محمد، فزرتها هناك، ثم نقلناها إلى مستشفى صدناوى حيث توفيت بعد بضعة أيام.. فى هاته الأيام لقيت علية من جديد.. ما أعجب الزمن، وكانت هى تبدى شيئا من اللطف مع التحفظ، لعنة الله على هذا التحفظ، لقد كنت أنظر إليها كما كنت أنظر إليها شابة لم يتغير من معناها شىء.. وكان يخيل إليّ أن أقبل يديها وقدميها وكل جزء منها.. عاودتنى لهفتى إليها لا يعرف إلا الله مداها.. كنت أغطيها بعينى فى موجة غامرة"
ويكتب عنها:
مرت سنة تقريبا لم أخط فيها حرفا بها، وهى سنة بعشر، عرفت فيها سعادة غامرة.. وعرفت شقاء.. واستعدت صحتى وعدت شابا.. عرفت "ع.م".. عاشت علية الطوير حتى أواخر السبعينيات، أى أنها توفيت بعد إبراهيم ناجى بنحو ربع قرن.. وحسب ما رواه القريبون منها أنها كانت تشعر فى أواخر حياتها بحالة من الندم لأنها تركت حبيب الصبا وتزوجت غيره.. و"أصيبت فى أعوامها الأخيرة بحالة من الاكتئاب، كانت مثل الشبح، تجول طرقات المنزل، قليلة الحديث.. تطل عليهم فى صمت، تؤكد لنساء العائلة أن قصيدة ناجى "الأطلال" كتبت لها وعنها، فكن يسخرن منها ومن هذا الادعاء"..
(3)
لا بد أن الذين قرأوا كتاب حفيدة إبراهيم ناجى توقفوا كثيرا أمام صورة علية الطوير، ملهمة الأطلال التى لم تعد مجهولة.. ولابد أنهم مثلى راحوا يتأملون فى ملامح تلك الجميلة التى كتب عنها ناجى أجمل ما قيل فى الغناء العربى: هل رأى الحب سكارى مثلنا؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة