شوقى حجاب: اعتقلوا سيد حجاب فأصبح صلاح جاهين ولى أمرى

فصلونى من معهد السينما فأعادنى ثروت عكاشة بخطاب من جاهين/ بعد النكسة بكى على كتفى وقال: أنا نفسى مكسورة!

10 شارع نجيب الريحانى لم يكن مجرد عنوان يسكنه شوقى حجاب، بل كان "الحضن" الذى يسع ويتسع لكل أصحابه وأحبابه، وقائمة الأصحاب والأحباب تضم خليطا عجيبا من المبدعين: نجوم تمثيل ومطربين وشعراء وملحنين وكتابا ورسامين ومخرجين.. لا تسأل عن أسماء ولا قائمة، لأن السؤال الدقيق: ومن الذى لم يدخل جنة شوقى حجاب؟

إنه بيت عم شوقى الذى لم يكن مبالغا حين وصفه شعرا: كان باب كرم مفتوح للأهل والأحباب..

وكنت من المحظوظين بدخول جنة عم شوقى، حضرت سهراته وحواراته وحكاياته ولياليه التى تفيض بالمسرة والبهجة ودفء المحبة وعطر الأحباب، وكنت شغوفا لأن أسمع من صاحبه عن أعز أصحابه الذين عاشوا فى حياته وأضاءوا ليالى "10 نجيب الريحانى" العامرة، وبلا تردد اختار أن يبدأ بصديق عمره.. صلاح جاهين.

(1)

كان وجه العم شوقى تضيئه ابتسامة ناصعة وهو يحكى عن صلاح جاهين، شقيق روحه فى الطفولة والعفرتة والجنون وحب الحياة، ولا تملك حين يبدأ فى الحكى سوى أن تسمع بحماس وتنصت باستمتاع:

تربطنى بصلاح جاهين صداقة امتدت عشرين سنة، بدأت فى سبتمبر 1966 وحتى رحيله فى أبريل 1986، عشرون سنة لم نفترق فيها، أما كيف بدأت تلك الصداقة، فتلك حكاية طويلة وغريبة..

كنت قد جئت إلى القاهرة عام 1966 لأحصل على الثانوية العامة، والتحقت بمدرسة التوفيقية الثانوية، عشت مع شقيقى سيد حجاب الذى أصبح ولى أمرى والمسئول عنى بحكم أنه يكبرنى بست سنوات، وكان وقتها متزوجا من الست الخواجاية إيفيلين بوغيه، ويعيشان هنا فى نفس الشقة، وكان سريرى الحديد على السطح منه للسماء.

وفى ليلة من سبتمبر 1966 دخل علينا "كبسة" من ضباط وعساكر المباحث، 11 فردا من زوار الفجر، وقبضوا على سيد حجاب بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعى اسمه "الحزب الماوي"، أى من المؤمنين بأفكار الزعيم الصينى ماو تسى يونج، وفى نفس الليلة اعتقلوا 42 من أعضاء التنظيم، منهم عبد الرحمن الأبنودى وصلاح عيسى وسيد خميس.. والوحيد الذى هرب من الاعتقال هو يحيى الطاهر عبدالله، وقعد هربان لغاية مارس 1967، ولما اعتقلوه قعد ليلة واحدة وكل التنظيم أفرج عنه.. المهم، بعد تفتيش دقيق للبيت ولمكتبة سيد حجاب وأوراقه أخذه زوار الفجر ومعهم كمية من المضبوطات والأحراز، كتب وأسطوانات وأوراق، كان سيد هو الذى يحملها بنفسه، ومن بينها نظر لى وهو ينزل معهم على السلم وقال لى بثبات: اتصل بصلاح!

ولم تكن هناك فرصة لأستفسر منه عن أى صلاح يقصد، هل هو شقيقنا الكبير المهندس المعمارى د.صلاح حجاب، ولكنى سرعان ما استبعدته من الاختيار، لأنه كان يعيش فى أمريكا، وليس من المنطقى أن أتصل به فى آخر الدنيا، إذًا هو يقصد صديقه صلاح جاهين، الشاعر والرسام والفنان ورئيس تحرير "صباح الخير"..

لكن كان السؤال: كيف سأتصل بصلاح جاهين، فلم يترك لى سيد رقم تليفون ولا عنوانا، وفى قلب تلك الحيرة دخل عليّ الشاعر سمير عبد الباقى، بدا أنه عرف بخبر القبض على سيد فجاء من شبرا حيث يسكن ولا يزال، وسمع منى بالتفصيل وقائع اعتقال سيد، فأخذنى ورحنا على بيت الأبنودى، وأمام البيت وجدنا والده الشيخ عبدالوهاب، المأذون الشرعى بزيه الأزهرى وعمامته المميزة، وكان بجواره ابنه كمال، وعطيات زوجة الأبنودى وقتها، وفى حين كان الأب ذاهلا ومنفعلا قالت عطيات بثبات: خدوا عبد الرحمن!

فى طريق العودة قلت لسمير: سيد وهو نازل طلب منى أتصل بصلاح وغالبا يقصد صلاح جاهين، بس أنا مش عارف أتصل به إزاى!.. وأخذنى سمير وذهبنا إلى صلاح فى المجلة، وكانت المرة الأولى التى أراه فيها، سمع منى ما حدث لسيد، وبان عليه التأثر الشديد وقعد يقول حاجات عامة من نوعية:

- ده حرام.. ليه كده.. يا ستار!

ثم قال بشكل محدد:

- طيب سيبوا لى الموضوع وأنا ح أتصرف!

واتجه نحوى وطبطب عليّ بحنو وسألنى:

- مش عايز منى أى خدمة؟

وشكرته وانصرفنا، ومر على هذا اللقاء أكثر من شهرين، وفى ليلة لقيت شارع عماد الدين مليان أمناء شرطة، وعساكر وعربيات تسد مدخل مسرح "الحكيم" المجاور لبيتى، قلت أدخل أشوف إيه الحكاية، وعرفت أن هناك اجتماعا للجنة المركزية العليا للاتحاد الاشتراكى، أقوى سلطة فى مصر يومها بعد عبد الناصر، وكانوا خارجين من الاجتماع، ولمحت صلاح جاهين يسير متأبطا ذراع توفيق الحكيم ويحمل عصاه الشهيرة، فأنا بدون تفكير اختبأت وراء عمود حتى لا يرانى صلاح وربما أتسبب له فى حرج، وأيامها كانت الناس تتحرج منك وتتهرب بمجرد أن تعرف أن لك قريبا بين المعتقلين السياسيين، ووقفت وراء العمود مترقبا انصرافهم، وفجأة وجدت صلاح جاهين أمامى وهو يحمل عصا الحكيم ويصوبها نحوى كبندقية فى حركة طفولية ويقول بطريقة مسرحية:

- طاخ.. طاخ.. قفشتك يا مجرم.. أنت بتستخبى منى؟

وقام واخدنى بالحضن وهو فطسان من الضحك، وضحكت أنا الآخر من تصرفه الصبيانى الذى لا يتفق مع هيبة الموقف ووجود أعضاء اللجنة المركزية العليا للاتحاد الاشتراكى بكل ما كان لها من سطوة ونفوذ وهيلمان.. ترك كل ده وجاء ليحتضننى أمام الجميع.. فى تلك اللحظة قررت أن يكون هذا الكائن الجميل الذى اسمه صلاح جاهين.. أعز أصدقائى!

  (2)

بعد حصولى على الثانوية العامة تقدمت بأوراقى إلى معهد الفنون المسرحية، ونجحت فى اختبارات القبول، ثم فوجئت بحذف اسمى بتهمة أننى شقيق معتقل سياسى!

ولم أجد أمامى إلا صلاح جاهين، وفى مكتبه تصادف وجود الشاعر العراقى العظيم عبد الوهاب البياتى، والذى أصبح من أعز أصدقائى فيما بعد.. وسمعا منى الموضوع باهتمام، وكتب لى كل واحد منهم خطاب توصية وتزكية لوزير الثقافة ثروت عكاشة، وطلب منى صلاح تسليم الخطابين إلى مدير مكتب الوزير، ونصحنى بأن أذهب باكرا فى حدود السابعة صباحا.. وفعلا كنت على باب الوزارة فى السابعة صباحا، وأول ما دخلت لقيت شخصا يتمشى فى الجنينة رايح جاى، ويرتدى بنطلونا أبيض وقميصا من نفس اللون، وسألنى بحدة:

- رايح فين يا ولد؟

- عايز أسلم الجوابين دول لمكتب الوزير

- ورينى الجوابات دى يا ولد!

- أوريهولك ليه؟

- أنا وزير الثقافة ثروت عكاشة يا ولد!

وقرأ الرسالتين وعرف فحوى الشكوى، وقال بغضب:

- يعنى إيه يمنعوا شاعر زيك من دخول قسم الأدب والنقد فى معهد الفنون المسرحية.. ثم إيه دخلك أنت بأن أخوك معتقل سياسى.. لا تزر وازرة وزر أخرى.. يالا تعالى معايا يا ولد!

وركب سيارة فولكس وأمرنى بنفس اللهجة:

- اركب يا ولد!

ورهبة منه ركبت فى الكرسى الخلفى فنهرنى:

- اركب جنبى هنا يا ولد.. أنا وزير الثقافة مش السواق بتاعك!

وفى الطريق طلب منى أن أسمعه نماذج من شعرى، وكلما انتهيت من قصيدة يطلب المزيد ثم علق:

- ما شاء الله.. عظيم.. أنت ذنبك إيه!

ولما وصلنا إلى المعهد كان يقف على الباب د. فوزى فهمى ومعه اثنان من زملائى ممن شهدوا بأن اسمى كان الثانى فى قائمة المقبولين بعد لينين الرملى، والزميلان هما: حمدى أحمد -الفنان فيما بعد- ومهدى الحسينى الناقد المسرحى فيما بعد..

وبطريقته سألهم ثروت عكاشة:

- فين نبيل؟

وكان يقصد عميد المعهد د.نبيل الألفى، وخرج العميد بسرعة ليستقبل الوزير وهو لا يعرف سبب مجيئه فجأة فى هذا الوقت وبلا موعد ولا ترتيب، وما هى إلا دقيقة واحدة حتى عرف السر وأنه جاء من أجل طالب جرى حرمانه من دخول المعهد بلا ذنب، وحاول العميد أن يبرر قراره ولكن الوزير حسم الأمر:

- الولد يرجع!

وفعلا عدت إلى معهد الفنون المسرحية بقرار من ثروت عكاشة، لكنى لم أستمر فى الدراسة وانتقلت إلى معهد السينما..

المهم ، ذهبت إلى صلاح جاهين وشكرته، وتوطدت علاقتى به، بل اعتبرته من تلك اللحظة أبى الروحى وولى أمرى، فكل قرار يخصنى كنت أستشيره أولا، وهو كذلك يأخذ رأيى فى كل حاجة يعملها، رغم فارق السن بيننا، فهو من مواليد ديسمبر 1930 وأنا مولود فى أغسطس 1946، أى يكبرنى بـ 16 سنة، ولكن فارق العمر لم يعد له قيمة، ذوبته الصداقة الخالصة.

 (3)

كان صلاح جاهين صاحب أفضال علىّ، وقف إلى جوارى بشهامة فى مواقف وأزمات، وحاولت أن أرد له بعض أفضاله وجمائله، خاصة فى أزمتين تعرض لهما..الأولى عندما تورط فى المشاركة بفيلم "موت أميرة"، عن قصة حقيقية لأميرة سعودية، وتسبب الفيلم فى غضب الحكومة السعودية، وجرى وضع صلاح جاهين فى قائمة المغضوب عليهم، وجرى حصاره والتضييق عليه ومنعه من العمل فى الدراما المصرية التى كانت تسيطر عليها شركات الإنتاج والقنوات السعودية، بل حكى لى أن التضييق وصل إلى الجريدة القومية التى كان يعمل بها، كانت النتيجة أن أموره المالية ساءت إلى حد بعيد.. ووقتها كنت المسئول عن استديوهات "زينى فيلم" بتونس، وبحكم المنصب قررت إنى أساعده فى أزمته، وأسندت له كتابة أغانى فى الأعمال الدرامية التى ننتجها، وحتى يمر الأمر بدون شوشرة اخترنا له اسما لا يلفت النظر: محمد حلمى، وهو مستمد من واقع اسمه فى شهادة ميلاده: محمد صلاح الدين محمد بهجت أحمد حلمى، فأخذنا الاسم الأول والأخير، وهو ما كنا نسجله فى جمعية المؤلفين لحفظ حقه، وما زلت أحتفظ بتلك الأغنيات وتتراتها التى تحمل اسمه المستعار.. وساعدنى المخرج إبراهيم الشقنقيرى فى مضاعفة أجر صلاح، والموضوع مشى فى هدوء.

إلى أن استطعت أن أحل له المشكلة من جذورها، فقد عرفت أن صاحب المؤسسة لطفى الزينى – وهو سعودى أصلا – يرتبط بصداقة مع نجم الإعلام السعودى الصاعد وقتها بقوة الشيخ صالح كامل، ولما كان الشيخ صالح على علاقة طيبة بالملك فهد، فقد توسط لدى العاهل السعودى وجرى حل المشكلة وعاد صلاح جاهين..

وكانت المشكلة الثانية تخص نجله العزيز الشاعر والكاتب الجميل بهاء جاهين، ووقتها كان بهاء يدرس فى أمريكا تخصصا جديدا اسمه "الكرييتف آرت"، وكان مطلوبا منه أن يدفع مصاريف الدراسة بالدولار، ولما كان الحصول على الدولار مسألة صعبة، فقد تمكنا من حلها بعدما عرفته على المهندس حسين صبور رجل الأعمال المعروف وكان وقتها شريكا لشقيقى المهندس صلاح حجاب، وساهم فى توفير المبلغ بالدولار وهو أمر أسعد صلاح جاهين كثيرا.

(4)

هناك موقف درامى لا أنساه لصلاح جاهين، وكان فى ليلة من العام 1969، أى بعد نكسة 1967 التى كسرت صلاح وانزوى بعدها لفترة مكتئبا ومصدوما ومكسورا.

فى يوم كنت راجعا لبيتى فى شارع نجيب الريحانى لقيت صلاح واقف قدام "البقالة الفلسطينية" المجاور لبيتى ومعه المخرج حسن رضا الذى يسكن فى تلك العمارة.. كانا الاثنان يشربان عبوات جديدة علينا اسمها "الكانز"، فلم نكن قبلها نعرف سوى العبوات الزجاجية، واستوقفنى أكثر منظر صلاح، كان وجهه مرهقا وذقنه طويلة على غير العادة وشكله مبهدل، ولما انتهى من حواره مع حسن رضا سألته فى فضول:

- فيه إيه يا صلاح.. مالك؟!

رد وهو يغالب دموعه:

- نفسى مكسورة!

ثم أجهش فى بكاء شديد، فأخذته فى حضنى، ولم يكن ممكنا أن أتركه وهو بتلك الحالة، وصحبته إلى بيتى، وهناك وجدنا الشلة قد حضرت، فاروق الفيشاوى ومحمد فريد وعهدى صادق وصبرى عبد المنعم ومحسن زايد وآمال الزهيرى وخالد رشدى، وطبعا رحبوا به جدا لكنهم فوجئوا مثلى بمنظره وذقنه وهيئته وحالته النفسية، وسألوه نفس أسئلتى فأجهش من جديد فى البكاء، ومن بين دموعه خرجت كلماته القليلة:

- أصلى كنت مصدقهم.. أنا نفسى مكسورة!

وتكاتفنا فى تلك الليلة لإخراج صلاح من تلك الحالة، وقام فاروق الفيشاوى بالدور الأكبر فى تلك المهمة، ولما عاد إليه بعض هدوء نفسه نزلت لأوصله إلى بيته بسيارتى، وطوال السكة وأنا أحاول ملاطفته، لكن صدمة النكسة كانت مروعة وتركت ندوبا فى روحه ظلت معه إلى آخر عمره..

  فى الحلقة القادمة

"ربنا" القصيدة التى كتبها صلاح جاهين ليلة رحيله وصمم أن يسلمها لسعاد حسنى!   

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

صلاح
صلاح
صلاح

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات