هالة البدرى: أنا كاتبة متمردة بطبعـي.. وكتبت ما أريده

إعلان جوائز الدولة عادة ما يكون عرسا ثقافيا، ويمثل لمسة تقدير لمنجزات المبدعين في كل المجالات، سواء من رموز الثقافة المصرية الذين تذهب لهم جوائز النيل والتقديرية، أو من المبدعين الذين فى منتصف مشوارهم

والذين تذهب لهم جوائز التفوق، أو الشباب الذين في مقتبل العمر وبدايات طريق العطاء والإبداع، لكنهم أظهروا نبوغا يستحقون عليه "التشجيعية" ليكملوا مشاريعهم بعزم ودأب.

وكالعادة، لم تغب "الإذاعة والتليفزيون"– المجلة الزاخرة بمبدعيها ومثقفيها - عن هذا العرس، الذى أعلنت نتائجه في 30 مايو الماضي، فقد كانت المجلة حاضرة باثنتين من صحفييها في هذه الجوائز، فقد فازت الروائية الكبيرة هالة البدري، رئيس التحرير الأسبق بجائزة الدولة التقديرية في الآداب عن مجمل مشروعها الأدبى الممتد منذ سبعينيات القرن الماضى، كما فازت الزميلة الشابة سها سعيد بجائزة الدولة التشجيعية عن كتابها "نجوم ماسبيرو يتحدثون" الذي سبق نشره في حلقات عبر صفحات "الإذاعة والتليفزيون".

فى هذا الملف نحتفى بعدد كبير من الفائزين في كل المجالات ومن مختلف الجوائز، وهو ليس فقط احتفاء بالفائزين وتقديرا لمنجزاتهم الرفيعة، لكنه أيضا احتفاء بقوانا الناعمة، التي تمثل كنزا حقيقيا، فسيظل الإنسان المبدع النابه والنابغ هو الكنز الحقيقى.

الروائية الكبيرة هالة البدرى، الفائزة بالجائزة التقديرية، اسم يحيلك لمشروع أدبى صادق ومهم، فهى التى  ‏تعيش مع أبطالها حياة كاملة، ‏تتعرف عليهم عن قرب: ‏دقائق حياتهم، ‏رغباتهم الخفية، ألوانهم، ‏أمزجتهم، ‏طعامهم، ‏فلسفاتهم، ‏تحايلهم حتى تصل إلى قلبهم، ‏تحادثهم ليلاً ونهاراً.. ‏يشاركونها الطعام ‏ويسهرون معها أمام التليفزيون، ‏وتستدعيهم للجلوس معها بعد نشر الرواية، ‏وأحيانا للدخول فى رواية أخرى، ‏كما حدث فى روايتها «نساء فى بيتى»، ‏حيث استضافت ناهد، بطلة «امرأة ما»؛ لتجلس مع أبطال روايات أخرى ‏لكتاب آخرين.. ‏هذا عالمها  الذى تحبه وتفضله عن كل العالم الواقعى، ‏فهى تغير ملامحهم أحياناً ‏وتعيد تشكيلهم عشرات المرات، ‏وحين تستقيم الشخصية أمامها تصاحبها إلى الأبد، ‏وتصبح جزءاً منها، لكنها تتحدث عن الكتابة عن الذات بقولها: الكتابة عن الذات صعبة جدا، أجلت نشر روايتى "طى الألم" 20سنة، لأننى كنت أرى أن الكتابة عن الذات لا تهم أحدا، لكن عندما كبرت أدركت أن الكتابة عن الذات هى كتابة عن الدنيا، لأنها صادقة ومعبرة، وسهل توصيلها للآخرين.

ولدت البدرى فى القاهرة عام 1954. حصلت على بكالوريوس تجارة، جامعة القاهرة، قسم إدارة الأعمال عام 1975، ثم على دبلوم صحافة، كلية الإعلام عام 1988. نشرت كتابها الأول «حكايات من الخالصة» عن مؤسسة روز اليوسف ووزارة الإعلام العراقية عام 1976، عن تجربة انتقال الفلاحين المصريين لتملك أراضى قرية عراقية، حيث كانت تعمل فى ذلك الوقت مراسلةً لمجلتَى "روز اليوسف" و"صباح الخير" فى العاصمة العراقية بغداد، وعلى امتداد مسيرتها الإبداعية أصدرت 25 كتابا ما بين القصة والرواية.

 تميزت كتابتها بالجرأة منذ البداية. الفن هو غايتها وحدها، ولا تشغلها حتى  أحداث حياتها، فقد عاشتها كما أرادت، ولم تندم أبدا على اختياراتها، ولم تكن مشغولة يوما بالكتابة عن نفسها، بل بمشروعات كبرى.. تعجبها فكرة اللعب فى الكتابة.. ‏سيرتها ليست أكثر من صوت داخل العمل، ‏حتى وإن اعتمدت على حقائق. ‏ ‏فى روايتها «نساء فى بيتى»، ذكرت صراحة هالة البدرى ‏وما كتبته عنها، ‏ووظفته فى إطار الرواية نفسها؛ ‏ليلعب دوراً تخيلياً كما فعلت مع بقية الأبطال وبالكيفية نفسها.

الحوار معها سيعود لوقت إن كانت طالبة فى الجامعة لتنخرط فى الحركة الطلابية، فتقول: عندما دخلت الجامعة كان سنى صغيرة جدا، كان عندى 17سنة، وكانت الحركة الطلابية بدأت سنة 68، ثم شهدت موجة ثانية لها سنة 1972بعدما دخلت الجامعة، فطبيعى أن شخصا مثلى متمرد بطبيعته وشجاع كان يشترك فى الحركة الطلابية، ووقتها لم أكن منتمية لأى حزب، وكنت رافضة الانتماء لأى حزب، على اعتبار أن الفنان لا بد أن يكون مستقلا، لكنى شاركت فى الحركة الطلابية، وظللت متمسكة بالمطالبة بالحرب لتحرير سيناء، وأيامها كان الرئيس السادات يسوف قائلا "السنة دى عام الحسم"، فبدأنا نخرج ونطالب بالحرب واسترداد سيناء، وهذا كان حقنا، وعرفنا بعد ذلك أن المجتمع نفسه كان يريد أن يعبر الطلبة عنه، لأن الطالب دوما صاف ونقى وأبيض، ويقول ما يشعر به، وظللت طول حياتى مؤمنة بضرورة أن يكون لى موقف.

وتضيف: عرفت عن نفسى أننى شخص شجاع، ودائما كتبت ما أريده، ولم يستطع أحد أبدا منعى من إبداء ما أريد، لأننى دوما أعتقد أن الصحفى الذكى لن يقع أبدا تحت طائلة أى رقيب، وهذا درس هام.

وعن كتابة يوسف إدريس مقدمة أول أعمالها، وتقديمها للجمهور، تقول: طبعا يوسف إدريس قدمنى فى أول عمل، وهذا شىء سأظل أتذكره طوال عمرى، لأننى أحب يوسف إدريس جدا جدا، وأعتبره مثل تشيخوف من كبار كتاب القصة القصيرة فى العالم، وهذا مذهل إلى هذه اللحظة، وتقديمه شرف كبير، وعلمنى هذا أن أتبنى العديد من الكتاب الشبان وأحاول مساعدتهم ودفعهم إلى الأمام.

‏وترى البدرى أن هناك آلاف الحقائق وآلاف المرايا ‏والزوايا، وقراءة الحقيقة تختلف من شخص ‏لآخر، وأن الفن يقدم حقيقة أخرى ‏فى إطار من وهم لذيذ وممتع، قد تكون المغامرة فى كل عمل روائى جديد مطلوبة.. وعندها إما أن تكون محسوبة النتائج، وإما مفتوحة على كل الاحتمالات، ‏و‏هناك عوامل داخلية وخارجية تتحكم فى الكتابة دون أن تشعر بها ‏منها.. المرجعيات الثقافية على سبيل المثال ‏والتابوهات ‏والرقيب الداخلى.

الكاتب يمارس ‏اللعب على كل الأصعدة، لكن ثمة تأثير أسرى عليها، فهى ابنه القاضى الذى علمها الشجاعة، وعنه تقول: الحياة مع قاضى أكسبتنى الشجاعة، أبويا مكنش قاضى عادى يعنى، كان عنده مواقف أفخر بها جدا، فقد أعطى حكم البراءة فى انتفاضة عام 1977 التى أطلق عليها الرئيس السادات "انتفاضة الحرامية"، وقال وقت النطق بالحكم إنها ثورة حقيقية، وكان دوما يرفض إغراء أن يكون محافظا أو يتولى منصبا عاما، طبعا هذه  القرارات كانت معلنة فى حينها، لكن أبى قابل عدة ظروف تاريخية، فهو من حقق مع الرئيس محمد نجيب، وكان له موقف من مذبحة القضاء، وقد تعلمت منه أن الإنسان يجب أن يقول الحقيقة وبعدها يحدث ما يحدث، وكان يقول "القاضى بيحكم، وإذا حكم فنصف الموجودين حكمة بالنسبة لهم حياة جديدة، والنصف الآخر مصير مأساوى، فلازم يكون عادل"، وكان دائما يطلب من ربنا أن يلهمه العدل.

تنتمى البدرى إلى جيل عايَشَ حروبا متلاحقة من 1967 إلى 1973، وكان لتلك الهزيمة وقع الصدمة القاسية على المجتمع العربى، وقد جاءت بعد جيل الستينات الذى تعامل مع التنبوء بوقوع النكسة بسبب أخطاء اجتماعية حول حرية التعبير.. بعد هذه التجربة انحازت هالة وجيلها لمواقف أكثر وضوحاً، و‏وضع جيلها كل همه فى المطالبة بالحرب، ‏وكان مطلوبا منهم اتخاذ نمط الاستهلاك كوسيلة حياة، ‏للتبشير بالعو‏لمة. ‏لكن كان ما حدث فى العالم العربى لم يغب عن كتابة البدرى أبداً، مشيرة إلى أنه جرى إبعادها من مكتبها فى بغداد إثر تغيرات سياسية حدثت فى المشهد السياسى، كانت السلطة وقتها ترغب فى إقصاء كل من ينتمى لليسار من رؤساء التحرير والمتدربين معهم، ومن هنا انتقلت إلى العمل فى مجلة "الإذاعة والتليفزيون"، وكان الكاتب أحمد بهجت كلمة السر، وعنه تقول: "احمد بهجت واحد من كبار الكتاب فى مصر، ذهبت إليه وكنت رأيته لأول مرة وأنا راجعة من بغداد، ولما ذهبت له بأعمالى وافق على الفور، مما يدل على نزاهته المطلقة رحمه الله".

وعن علاقتها بلحظة الكتابة وقرار نشر العمل بعد الانتهاء منه، تقول: ‏أستمتع بالكتابة ولا أريد لها أن تنتهى أبداً.. مع الكتابة ‏أبدأ القلق حين أفكر فى النشر، ‏ساعتها يتحول كل شىء إلى وهم، ‏وتنتابنى رغبة ‏فى تمزيق كل ما كتبت؛ ‏كى أبدأ من جديد.. ‏أصعب لحظات حياتى ‏هى قرار النشر، ‏والنقطة التى أضعها ‏لنهاية عمل. الكتابة عرفتنى بنفسى والدنيا من حولى، أصبحت أرى الأحداث بطريقة مختلفة، وأصبحت توقعاتى للأشياء مختلفة عن الآخرين، وأصبحت أرى أنه ليس هناك ثابت.

‏بعض روايات البدرى هى روايات مكان، ‏مثل «منتهى» و«مطر على بغداد» و«ليس الآن».. ‏فهى تحارب النسيان بالكتابة، ‏والمكان هو الوطن الملموس ‏حيث تراب الأجداد ‏والتاريخ ‏المطلوب محوه، ‏لكى لا نقع فى فخ تحويلنا إلى قوالب ‏لنتوافق مع متطلبات السوق. وفى روايتها «مدن السور» ‏تحرك الزمن بين الأماكن فى الماضى والحاضر والمستقبل، ‏وكان التنبوء ‏الذى لا يمكن إيجاده من دون مكان، ‏وفى روايتها «وادى الكون» ‏المكان هو التاريخ والأسطورة،.

كانت أول من نبهت إلى "قوت القلوب الدمرداشية" وجعلتها بطلة إحدى أعمالها، ووصفت مأساتها والتغير الدرامى الذى أصاب حياتها من كونها أميرة إلى مقتولة، وفقيرة لا تملك شيئا، وهى تتحدث عنها معى قائلة: لو قرأت الرواية عن قوت القلوب الدمرداشية ستكتشفين أنه جرى تجاهلها، رغم أنها الكاتبة المصرية التى أعطت نجيب محفوظ أول جائزة فى حياته، وكان فى هذا الوقت يتم الاحتفاء بالكاتبة مى زيادة، وهذا جميل جدا، لأن مى تستحق، لكن إنكار دور قوت القلوب، لأنها تكتب بالفرنسية، وهى التى كانت توقع أعمالها فى أكبر قاعة فى باريس، لكى تسع المفكرين القادمين من كافة أنحاء العالم، ولما حققت فى حياة قوت القلوب توصلت أن التجاهل تم عمدا بسبب مواقف سياسية، ولا أريد أن أحرق على القارئ روايتى.

Katen Doe

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

خيرى دومة: فرحتى لا توصف بـ«التقديرية» لأنها جائزة باسم بلدى
أحمد الشهاوى: أنا ابن القلق.. والكتابة بنت التوتر

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص