منيرة المهدية أعادت تقديم المسرحيات التى قدمها الشيخ سلامة حجازى وأسست فرقة خاصة بها/ عبد الناصر منحها وساماً وكرمها لدورها الفنى الرائد فى مجال التمثيل المسرحى والغناء/ عاشت منيرة بعيدة عن الأضواء والجماهير لسنوات وقررت العوده عام 48 وفوجئت بإنصراف الناس عنها
الفنانة الرائدة الراحلة "منيرة المهدية" كانت تمثل طفرة فنية فى عصر كان الفن فيه ذكوريا، خاصة "التشخيص" أو "التمثيل المسرحى" فلم يكن مقبولا ظهور "امرأة" على المسرح، إلا فى حالات الرقص الشرقى، وكانت "منيرة" أول أنثى تقف للتمثيل فى مسرحية والمدهش أنها قدمت شخصية رجل، اسمه فى المسرحية "حسن"، وهى أول مطربة تطبع "اسطوانات" ليسمع الجمهور أغنياتها بعد اختراع جهاز "الفونوغراف"، وهى تلميذة للرائدين الكبيرين "سـلامة حجازى" و"السيد درويش"، ولما تفجرت ثورة 1919 انخرطت فيها وأخلصت للقضية الوطنية ودعت لمشاركة المرأة فى الثورة، وغنت للزعيم "سعد زغلول" وعاشت فى عصر ثورة 23 يوليو 1952 ونالت التكريم من الرئيس جمال عبد الناصر..
قبل التوقف أمام مشوار وكفاح هذه الفنانة الكبيرة "منيرة المهدية" أعلن للقارئ عن ارتباكى بخصوص معلومة تتعلق بالموطن الأصلى لها، فالمعلومات المتاحة عنها تقول إنها من قرية "المهدية" بمحافظة الشرقية، وإن ظهورها الفنى كان فى "الزقازيق"، واسمها "المهدية" اشتق من القرية التى شهدت مولدها، ولكن فى حلقة من برنامج "سهرة مع فنان" الذى كانت تقدمه المذيعة الراحلة "أمانى ناشد" فى ستينات القرن الماضى، تكلمت "منيرة المهدية" عن طفولتها وموطنها فقالت "أنا اسكندرانية"، ومن الجائز أن تكون من مواليد "المهدية" وانتقلت عائلتها إلى الإسكندرية، ولكن ما يهمنا التوقف أمامه فى البداية، حكاياتها التى حكتها للراحلة أمانى ناشد"، والذى حدث فى تلك الفترة أن الرئيس جمال عبدالناصر، منحها وساما وكرمها لدورها الفنى الرائد فى مجال التمثيل المسرحى والغناء، وقرر التليفزيون أن يسجل معها لقاءً للتاريخ، وبالفعل انتقلت "أمانى ناشد" وفريق برنامجها إلى "العوامة" النهرية التى تعيش فيها "منيرة المهدية"، وهى كانت تحب الحياة فوق صفحة النيل، رغم أن لها بيتا فى مصر الجديدة، وهذا سلوك مرتبط بكل الأجيال المصرية التى عاشت مأساة الاحتلال البريطانى لبلادنا، وجاءت ثورة 1919 لتوقظ الروح الوطنية فأعلن المصريون انتماءهم للحضارة المصرية القديمة ورموزها، وجاء اكتشاف مقبرة "توت عنخ آمون" فى عشرينات القرن الماضى ليمنح المصريين الزهو والفخار، بما أبدعه أسلافهم القدامى، خاصة فى ظل الإشادة الأوروبية بهذه الحضارة، وكأن المصريين وجدوا الدليل على أصالة حضارتهم باعتراف الغازى أو المحتل الذى سيطر على البلاد منذ عهد "الخديو سعيد" و"إسماعيل" واستولى عليها صراحة بعد هزيمة ثورة العرابيين وانكسار الجيش المصرى فى "التل الكبير"، ومضمون الحديث الذى دار بين "أمانى ناشد" و"منيرة المهدية" يدلنا على قوة شخصية الفنانة الرائدة، وحسب قولها إنها ظهرت للناس فى صورة مطربة منذ طفولتها، وكانت تغنى أغنيات شائعة فى عصرها، والشائع المشهور فى تلك الحقبة كان "الشيخ سلامة حجازى"، وقيل فى "الشيخ سلامة" الكثير، قيل إنه كان يؤذن للصلوات فى مسجد الإمام الحسين بالقاهرة وكان لكل أذان مقام موسيقى مختلف عن سابقه، وهو الأمر الذى قيل عن الشيخ "على محمود" أحد تلاميذ "مدرسة شيوخ الموسيقى"، وهى مدرسة رموزها "الشيوخ" حملة كتاب الله، كلهم حفظوا القرآن الكريم ودرسوا فى الأزهر الشريف، واحترفوا الموسيقى والغناء، وكان الشيخ "المسلوب" أول هذه الطائفة، وجاء من بعده الشيخ سلامه حجازى، وإسماعيل سكر وعلى محمود والسيد درويش ومحمد عبد الوهاب وأبو العلا محمد وسيد مكاوى، ولكن "سلامة حجازى" كان علامة على عصر "النهضة" التى أحدثها "الخديو إسماعيل"، وهى نهضة منبعها انبهاره بما عاشه فى باريس أثناء "بعثة الأنجال" التى خصصها "محمد على" لأولاده وأحفاده فعاشوا فى باريس وروما وارتبطوا بالمركز الرأسمالى المهيمن على الكوكب فى تلك الحقبة، وتطورت فكرة النهضة فى عقل الخديو إسماعيل حتى أصبح حلمه الوحيد هو الحصول على دور فى هذه المرحلة التى شهدت الانتقال من عصر "قوة الثيران" إلى "عصر البخار"، وخطط الخديو للحاق بالمركز الأوربى والتنسيق معه فغرق فى الديون وأغرق الشعب المصرى ورهن البلاد وباع الأصول ففقدت مصر استقلالها السياسى والعسكرى، لكن بعد أن أصبحت فى مصر مدارس للبنات والبنين وسكة حديد وتلغراف ومسرح ودار أوبرا، وانتهى حكم إسماعيل، وبقى "الشيخ سلامة" وهو الذى قدم لنا الشيخ السكندرى "السيد درويش"، وهو نفسه من رأى فى "منيرة المهدية" امتدادا فنيا له، وشجعها وقال عن صوتها الجميل "الصوت الأبيض"، ومما حكته ـ منيرة المهدية ـ فى لقائها مع التليفزيون المصرى إنها كانت أول "أنثى" تقف لتغنى وتمثل على خشبة المسرح ضمن مسرحية لفرقة المخرج الرائد "عزيز عيد"، وأنها أعادت تقديم المسرحيات التى قدمها الشيخ سلامة حجازى فى شبابه وزمن ازدهاره الفنى، واستطاعت أن تؤسس فرقة مسرحية خاصة بها، وقدمت مسرحيات عديدة إلى جانب الغناء، وانتشرت انتشارا واسعا من خلال "الأسطوانات" التى حملت أغانيها للمصريين والعرب فى كل الأقطار الشقيقة، ومعروف عنها أنها قضت ثلاث سنوات فى رحلة فنية طافت خلالها عدة بلدان عربية وآسيوية من بينها إيران وتركيا، ومما يروى عنها أنها غنت فى حفل حضره "كمال أتاتورك" الزعيم الذى أخرج تركيا من الدائرة الإسلامية، وألغى "الخلافة" وجعل اللغة التركية مكتوبة بحروف لاتينية بدلا عن العربية، وجعل تركيا جمهورية ديمقراطية علمانية، بعد أن كانت "امبراطورية إسلامية"، وقيل إنه سمع غناء "منيرة المهدية" فطرب وأعجبه صوتها وجعلها تغنى حتى الصباح من فرط نشوته وإعجابه، وقالت "منيرة" لبرنامج "سهرة مع فنان" كلاما كثيرا عن موهبتها والزمن الذى ظهرت فيه، منه أن ثمن التذكرة "تذكرة دخول المسرح" كانت قيمتها "واحد جنيه ذهبى"، وكانت عوائد الليلة الواحدة تبلغ ألفين من الجنيهات الذهبية، وكانت تنفق هذه الأموال فى وجوه الخير، ولم تكن من هواة جمع المال، ولم تفارق "منيرة" الثقة بالنفس والاعتزاز بما قدمت، وهى تروى قصة كفاحها ونجاحها الفنى وحصولها على لقب "سلطانة الطرب"، وهى التى قال فيها الشاعر العراقى "معروف الرصافى" قصيدة تكريم لها أثناء زيارتها العراق "هلم إلى ذا الغناء الذى "منيرة" منه أتت بالعجب، أليست "منيرة" فى عصرنا مليكة فن غناء العرب"، والقياس لكى يكون محاطا بالعدل وراحة الضمير يجب أن يكون مراعيا الزمن ودرجة الوعى والتطور الذى كان عليه المجتمع، ووفق هذه القاعدة نقيس "منيرة المهدية" على ظروف زمانها ودرجة تطور المجتمع وموقع الفن من اهتمامات الناس فنقول إنها كانت "سلطانة الطرب" فى عصرها، وكان لها مهمة كبرى فى خدمة الفن والوعى وقضية الوطن والمرأة وهى فى القلب من قضية الوطن، فوقوفها على المسرح للغناء والتمثيل كان فتحا لباب كان موصدا فى وجوه السيدات، ولكنها تحملت "المغامرة"، وقدمت تراث "سلامة حجازى" ووربطت بينه وبين "السيد درويش" فتغنت بألحانه، واندمجت فى ثورة 1919 وحولت المسرحيات إلى أدوات تحريض للشعب ضد الاحتلال، وكان الأمر العسكرى البريطانى يحرم ذكر اسم "سعد زغلول" ويجعل عقوبة المخالفين الحبس والغرامة، وتصدت "منيرة" للأمر العسكرى بأغنية تقول "شال الحمام، حط الحمام من مصر لما السودان، "زغلول" وقلبى مال إليه، أنده لما احتاج إليه"، وسجلت الأغنية على اسطوانة وانتشرت فى ظل الغضب الشعبى والزخم الثورى، وكانت هى والفنانون المعاصرون للحظة الثورة يقومون بالدور الوطنى الذى تفرضه "الوطنية المصرية"، وشهد قادة "الوفد المصرى" بهذا الدور الذى قام به الفنانون، ولم يتوقف عمل "منيرة المهدية" عند هذا الحد، بل كانت تكتشف الموهوبين وتمنحهم الفرص للتعبير عن مواهبهم ورؤاهم الإبداعية من خلال أعمالها المسرحية والغنائية، فهى التى قدمت لنا "محمد عبد الوهاب"، وكان بيتها ملتقى كبار الساسة والمثقفين فى عصرها، فهى "سيدة مجتمع" و"سلطانة طرب" و"ممثلة أولى" وجسر التواصل بين عصر "سلامة حجازى" وعصر "السيد درويش" أو بصيغة أخرى، هى التى تغنت وفق قواعد "التطريب التركى"، وكانت فى صوتها "بحة الغجر" لأن الزمان كان زمان الترك، وكانت مصر واقعة فى قبضة الأتراك منذ القرن السادس عشر، و"منيرة" هى نفسها التى كانت شاهدة على زوال هذا النوع من الطرب والعودة للمنجزات الموسيقية الشعبية المصرية وهو المشروع الذى فرضته "ثورة 1919" وأنجزه "السيد درويش" باقتدار، وقضت الظروف على "منيرة المهدية" أن تتزوج فى سن صغيرة وتنجب ابنة وحيدة "نعمات" ورغم زواجها وطلاقها من رجال آخرين لم تنجب غير هذه الابنة، وعاشت سنوات بعيدة عن الأضواء والجماهير، وفى العام 1948 قررت العودة للفن، ولكنها فوجئت بانصراف الناس عنها واجتماعهم حول "أم كلثوم"، وكأنها لم تدرك أن المفصل التاريخى الذى ظهرت فيه وعاشت شبابها وازدهارها الفنى، ليس هو المفصل الذى كانت تعيشه مصر والدول العربية فى العام "1948"، عام "نكبة فلسطين" ونشوء "الكيان الصهيونى" فى قلب العروبة، وكانت "أم كلثوم" قد تربعت على عرش الغناء وأصبحت "كوكب الشرق" و"ثومة" و"صاحبة العصمة" بعد أن أنعم عليها "الملك فاروق" بوسام الكمال فى العام 1946، ولم تخل حياة "منيرة المهدية" من الأوسمة والتكريم الرسمى، فحازت الجائزة الممتازة فى مسابقة الغناء المسرحى التى نظمتها وزارة الأشغال المصرية فى العام 1926، وحازت أوسمة من ملك المغرب و"باى" تونس، وملك إيطاليا، ومنحها الرئيس "عبد الناصر" وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى ووسام العلوم والفنون، وخاضت ـ منيرة ـ تجربة السينما فقدمت فيلم "الغندورة" وهو من تأليف "بديع خيرى"، وشاركها فيه عباس فارس وأحمدعلام وبشارة واكيم، وقالت ـ منيرة ـ للمذيعة "أمانى ناشد" إن فيلم "الغندورة" أحرق بفعل فاعل، وما يهمنا هنا التأكيد على إخلاص "منيرة المهدية" وحبها للفن والوطن والناس وحبها للحيوانات الأليفة، فكانت تهوى تربية الكلاب والنسانيس والثعابين والقطط، وكان بيتها حسب ما قالت للمذيعة ـ أمانى ناشد ـ "كان بيتى زى جنينة حوانات" هكذا نطقتها، وهو النطق الشعبى لكلمة "حيوانات"، وكانت "منيرة" حزينة جدا فى الفترة التى جرى فيها تسجيل اللقاء التليفزيونى، لأن زوجها كان قد مات، وذكرته كثيرا بالخير، وكانت حجت بيت الله الحرام ست مرات، وكانت راضية بما قدر الله لها وقالت فى ختام اللقاء "أنا بقيت أرملة، وبنتى الوحيدة برضه أرملة، والحمد لله مستورة، لا غنية ولا فقيرة"، وفى "11 مارس 1965" انتقلت منيرة المهدية إلى جوار ربها عن عمر ناهز الثمانين عاما.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة