محمد الشاذلى: محفوظ كان يرى أن لويــس عوض لم يفهم أعمـــاله جيداً

كثيرون هم الصحفيون الذين التقوا بنجيب محفوظ، وتحدثوا إليه وسمعوا منه، وكتبوا حوارات صحفية معه، لكن من اصطفاهم الأستاذ وقربهم منه وصاروا أصحاب حظوة ومكانة لديه هم

كثيرون هم الصحفيون الذين التقوا بنجيب محفوظ، وتحدثوا إليه وسمعوا منه، وكتبوا حوارات صحفية معه، لكن من اصطفاهم الأستاذ وقربهم منه وصاروا أصحاب حظوة ومكانة لديه هم قليلون بكل تأكيد، فنجيب محفوظ بحاسته التى لا تخطئ وبحدسه الذى لا يكذب كان يعرف ويستشعر أولئك الذين أحبوا أن يدخلوا دائرته الإنسانية بوصفهم محبين ومريدين لا صحفيين وكتابا يريدون حوارات صحفية، وفى مقدمتهم بالطبع زميلنا وابن مجلتنا إبراهيم عبد العزيز وصديقه ورفيقه فى محبة نجيب محفوظ محمد الشاذلى، الكاتب الصحفى الذى بدأ مسيرته الصحفية فى مجلة المصور وأكملها محرراً ثقافياً بمكتب جريدة الحياة اللندنية بالقاهرة، ثم مديرا للنشر بمؤسسة الأهرام.. وفـــى كـــل مسيـــــرته الصحفية الطويلة والمتواصلة كان محمد الشاذلى قريبا من الأستاذ وله معه حكايات وروايات ومواقف خصنا بها فى حوار مهم عن أديب نوبل الكبير.

عن الوفد وعبد الناصر والسادات

قلت لمحمد الشاذلى: أعرف أن لقاءك الأول بالأستاذ كان عام 81 عقب اغتيال السادات.. حدثنا عن أجواء هذا اللقاء، وماذا قال لك محفوظ عن السادات، ثم فى حوارات أخرى عن عبد الناصر وسعد زغلول والنحاس والوفد وثورتى 19 و52 وأجاب الشاذلى:

ـ اتصلت بالأستاذ نجيب محفوظ لآخذ رأيه فى تحقيق ثقافى شارك فيه عدد من الصحفيين الجدد بمجلة المصور.. وكان التحقيق يدور حول المقاطعة العربية للكتاب والمبدعين المصريين على خلفية معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية. وكان الأستاذ نجيب أحد المستهدفين الرئيسيين بالمقاطعة لأنه أيد عملية السلام مع إسرائيل. واعتبر هذا السلام بالإضافة الى نصر أكتوبر أحد أهم إنجازات الرئيس الراحل أنور السادات. وكان من رأى محفوظ أن السادات لا يستحق الاغتيال بهذا الشكل من قبل الجماعات المتطرفة. وكان يخشى من تطور هذا الفكر التكفيرى. وإن كان رأيه أن السادات أخطأ فى عملية الانفتاح الاقتصادى الذى جرى من دون تخطيط، كما أنه لم يحقق الديمقراطية وألقى بالعشرات فى السجون. ونعرف أنه فيما بعد وفى رواية "أمام العرش" أنصف السادات ورحب به بين الخالدين من أبناء مصر مع تزكية مشرفة. موقف نجيب محفوظ مع جمال عبد الناصر كان مختلفا، رغم أنه ذكر له الكثير من الإنجازات مثل ثورة يوليو وحركة التصنيع وإيمانه بالفقراء وتسامحه مع المبدعين، لكنه انتقده بشدة بسبب غياب الديمقراطية ونكسة يونية 67 وما اعتبره طمسا متعمدا لرجال ثورة 19. كانت ثورة 1919 هى ثورة طفولته التى لم تنمح من ذاكرته، وكان زعماؤها خصوصا سعد زعلول ثم مصطفى النحاس أبنى مصر العظيمين يذوب فيهما عشقا. وهو اعترف مرات أنه يحب الوفد بالوراثة ويعتبر نفسه من براعم ثورة 19. . وكل هذه الحقائق كان يذكرها مرارا وتكرارا أمامى.

وبحكم كونه صحفيا ودخل عالم نجيب محفوظ من خلال عمله الصحفى   وجدتنى أسأل الشاذلى عن شخصية الصحفى فى روايات محفوظ كيف قدمها فى رأيه، وكيف كان محفوظ يتعامل مع الصحفيين على أرض الواقع فقال:

ـ رغم صداقات الأستاذ المتعددة فى الوسط الصحفى، والكثير منها تأسس على تقدير حقيقى وود عميق ومن كل الأجيال الصحفية، فإن نجيب محفوظ عندما أبدع شخصيات صحفية فى رواياته، فإن أغلبها اتسم بالانتهازية. وصورة الصحفى فى أدب نجيب محفوظ غالبا سلبية إلا فيما ندر. وورد فى أدبه أكثر من ستين شخصية صحفية لم يضع فى سماتهم إلا النفعية المطلقة وتغيير المواقف والانتماءات حسب المصالح. ولم ينصف ربما سوى عامر وجدى فى ميرامار لأنه ظل وفيا لمبادئ الوفد. كما أنصف عدلى كرم فى السكرية.. وأرى أن موقف نجيب محفوظ من الصحفى هو امتداد لموقفه السياسي، خصوصا إيمانه بحزب الوفد ورفضه لتنظيم الاتحاد الاشتراكى. بينما خشى محفوظ من العمل بمهنة الصحافة حتى لا تضيعه الصحافة وتبعده عن الأدب. رفض العمل بالصحافة رغم كل المغريات، فلم يكن مطلوبا منه مثلا البحث عن أخبار أو كتابة تقارير وتحقيقات صحفية، أو مقالات، وكل العروض التى انهالت عليه تعلقت بقصصه. مثل عرض مصطفى أمين لكتابة قصتين فى الشهر فى "الأخبار" بمقابل مادى مغرٍ. وكذلك عرض محمد حسنين هيكل بترك الوظيفة الحكومية والعمل بـ"الأهرام" ككاتب قصة ورواية. ونعرف أن محفوظ كان ينشر قصصه ورواياته فى "الأهرام" منذ رواية "أولاد حارتنا" فى نهاية الخسمينات. كما رفض رئاسة مجلس إدارة مؤسسة روزاليوسف. هو كاتب يريد أن يعمل بحريته المطلقة، حتى عندما كتب مقالات فلسفية فى المجلة الجديدة لسلامة موسى، فإن ذلك كان قبل أن يحسم حيرته ويتفرغ للأدب. وقال للصديق إبراهيم عبد العزيز الأقرب إلى قلبه إنه رفض عرض الرئيس السادات لرئاسة روزاليوسف لأنه لم يحب أن يضيع وقته.

لكننى أشهد على أن محفوظ لم يرفض طلبا لأى صحفى على التليفون أو باللقاء والحوار المباشر ولم يتبرم أبدا بأى سؤال، وتعامله مع الصحفيين على أرض الواقع  زاد محبة وتقديرا لأنه اكتشف مدى الحب والفرح الكبير لكل أبناء مهنتنا بفوزه بجائزة نوبل فى الأدب.

  ومن الصحافة إلى النقد قلت للأستاذ محمد الشاذلى: قال لك الأستاذ إنه يعترف بتركيز النقد والنقاد على أعماله بشكل كبير وأنه رغم أنه نال ثناء من كثيرين لكنه تعرض أيضا لقدح كثير من البعض، أرجو أن تذكر لنا أمثلة ممن نقدوا أعمال محفوظ ورأوا فيها جوانب سلبية، وهل كان يضيق بمن ينقده نقدا يقدحه؟ فأجاب:

ـ دائما ما كان الأستاذ يذكر كتابات الدكتور لويس عوض وكان يرى أنه لم يفهم أعماله جيدا،  وكان يرى أنه كان من واجب عوض أن يكون أكثر الذين يضعون أيديهم على مفاتيحها الحقيقية. فذكر أن لويس عوض اعتبر "الثلاثية" كتابا فى التاريخ، ولم تذكر أدوار العمال والفلاحين فى ثورة 19. كما أنه رفض ما ذهب إليه الدكتور يحيى الرخاوى من أنه تأثر فى رواية "ألف ليلة وليلة" بحادث قتل السادات، بينما كان محفوظ قد سلمها للنشر مسلسلة قبل حادث المنصة. ونعرف أن الدكتور صبرى حافظ انتقد محفوظ وكتب فى مجلة عراقية إنه يخجل من أن يكتب عن أعمال محفوظ.. ولكن محفوظ لم يغضب مطلقا من أى نقد، باستثناء لويس عوض، وكما قال لى فى حوار منشور (بمجلة المصور) وقبل حصوله على جائزة نوبل بأنه مثلما "حصلت على قناطير الثناء تحملت قناطير الذم".

 محفوظ وإدريس

 وأنقل الحوار إلى جدلية العلاقة بين محفوظ ويوسف إدريس، وعن هذه الجدلية بين الكبيرين يقول الشاذلى:

ـ لم يكن الدكتور يوسف إدريس من أصدقاء الأستاذ نجيب محفوظ، ولم يكن أحد ينظر إليهما باعتبارهما متنافسين، مثل تلك النظرات والرؤى لعلاقات أدبية أخرى عند شوقى وحافظ، وطه حسين والعقاد. كان هناك تقدير متبادل بينهما على البعد، وإن لم يخل الأمر من لقاءات عابرة، ووصف محفوظ العلاقة بأنها علاقة زمالة وليست علاقة شخصية كالتى قامت بينه وبين كثيرين. وربما خضع هذا لمنطق الأجيال الأدبية، لأننا نعرف أن محفوظ نشر أعماله فى عقد الثلاثينيات من القرن الماضى، بينما بدأ يوسف إدريس النشر فى سنوات الخمسينات. لدرجة أن محفوظ قال لى فى حوار فى عدد خاص عن يوسف إدريس بمناسبة رحيله إنه يشعر بأن إدريس أحد أبنائه.

وهل كان الأستاذ يرى أن إدريس يستحق نوبل فعلا وماذا كان تعليقه حين بلغه غضب إدريس بعد فوزه بنوبل؟

ـ فى حوار الأسبوع فى مجلة المصور بعد أربعة أيام من إعلان جائزة نوبل قال محفوظ إن من يستحق نوبل من بعده من الأدباء المصريين يوسف إدريس. كان محفوظ على قناعة أن غضب إدريس كان منصبا على لجنة الجائزة وليس على محفوظ. وبعد أن هدأت ثورة إدريس التى اندلعت يوم إعلان الجائزة، وكان يوم خميس، فإن إدريس اتصل بمحفوظ  فى اليوم التالى الجمعة وهنأه. وشرح له أن غضبه بسبب أنهم أبلغوه أنه سيفوز بالجائزة فى نفس العام.

وبمناسبة الحديث عن العلاقة بين محفوظ وإدريس كان طبيعيا أن يذهب الحوار إلى علاقة محفوظ بتوفيق الحكيم وما كان يكنه له من تقدير خاص ويرى أنه أستاذه، ولماذا كان محفوظ مبتعدا عن العقاد، وماذا عن علاقته بيحيى حقى وطه حسين؟ ليقول الشاذلى:

ـ حمل الأستاذ نجيب محفوظ تقديرا كبيرا للأستاذ توفيق الحكيم شيخ الأدباء من دون حفل تنصيب كما كان أحمد شوقى أميرا الشعراء. وفى رأى محفوظ فإن الحكيم كان يحب هذا الدور وهو ما انعكس على إبداعه، وكان يشعر بأنه رائد، وعليه أن يقدم دروسه الأدبية.. وحكى محفوظ لرجاء النقاش بأن "عودة الروح" أقرب إلى السيرة الذاتية. وأن الحكيم تجاوب مع المذاهب الفنية لذاتها، فكتب "الصفقة" لما راج التيار الماركسى، ولما ازدهر تيار اللامعقول فى أوروبا ومصر كتب "يا طالع الشجرة"، وعندما ازدهرت الدعوة للفرعونية كتب "إيزيس"، ثم كتب "محمد" لما ظهرت الفكرة الإسلامية. لتوفيق الحكيم مكانة خاصة فى قلب نجيب محفوظ بسبب العلاقة الطويلة بينهما لمدة أربعين عاما بلا انقطاع، منذ العام 1947 وحتى وفاة الحكيم  العام 1987. أما العقاد فكان مربيا له على المستوى الثقافى لكنه لم يقترب منه، أما طه حسين فقد تأثر محفوظ به وبشخصيته لدرجة أنه أراد كتابة سيرته الذاتية وهو فى الابتدائية بعنوان "الأعوام" مثل "الأيام" لطه حسين. كما أن هناك المنفلوطى الذى أنار طريقه إلى الأدب باعترافه هو. أما يحيى حقى فكان رفيق درب وزميل وظيفة، وهو ما جعله يهدى إليه نوبل يوم فاز بها.

 حكايات نوبل 

وبمناسبة نوبل يصف الشاذلى ذلك اليوم العظيم فى تاريخ مصر قائلا: كان خبر فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل كالزلزال الذى ضرب الحياة الثقافية فى مصر والدول العربية وقد يكون طال العالم. وكان اهتمامنا كمحررين ثقافيين فى الصحف والمجلات أن نستعد ومعنا كثير من الأدباء لموعد نوبل السنوى بكتابات وتصريحات عن صعوبة فوز عربى بهذه الجائزة. ومعنا فى هذا نجيب محفوظ نفسه الذى قال لى قبل الجائزة بعامين إنهم يقدمون جائزة نوبل حتى الآن لمن يكتب لهم ما يريدونه لغة وفكرا.

فى ذلك اليوم ذهبت إلى منزل نجيب محفوظ على النيل فى العجوزة، ووجدت عددا هائلا من الصحفيين الزملاء، وعرفنا أن سفير السويد وحرمه كانا موجودين قبل قليل وتم التقاط بعض الصور. كان محفوظ سعيدا  بالجائزة وكانت ضحكته ترن فى المكان وهو يرد على أسئلة ودعابات. منها ما ذكرته له من أن نوبل ادخلتنا أخيرا إلى بيته فقال: وأنا كمان. وقبل أن يخرج محفوظ إلى "الأهرام" لتلقى التهانى والتقاط الصور حدثه الرئيس الأسبق مبارك هاتفيا، وحضرت إحدى كريمتيه من عملها لتفاجأ بالازدحام الرهيب، وبعد أن علمت بالخبر بدأت بالبكاء هى وشقيقتها. وسأله يوسف القعيد عما إذا كان سيغير عادته بالذهاب إلى الحرافيش الليلة فقال إنه لا يغير عاداته.

ثم خرج محفوظ إلى الأهرام لالتقاط بعض الصور والذهاب إلى شلة الحرافيش.. كان يوم خميس مقدس..استمرت الفرحة بفوز محفوظ بنوبل لأيام طويلة قادمة، والسر فى السعادة أن محفوظ كاتب شعبى قريب من القلب ومن الناس ولم يعرف يوما التعالى أو الأبراج العاجية. أما نحن الذين سافرنا إلى استكهولم لحضور وقائع تسليم الجائزة وتغطيتها صحفيا، فقد كنا الأكثر حظا، وكنا نتحرك هناك باعتبارنا الفائزين بها والذين سنحضرها معنا الى القاهرة. كانت ابنتا محفوظ معنا، فتاتان مهذبتان مشرفتان، نفذتا برنامج الجائزة بدقة وشجاعة، وإن كان خجلهما لاحظه ملك السويد فداعبهما على الهواء وهو يقدم لهما الوثيقة والميدالية. كان كل المصريين والعرب هناك فى سعادة كبيرة وقال لى سفير عربى هناك إن نجيب محفوظ شرفنا.


  ويواصل الشاذلى: بعد أربعة أيام من نوبل شرفنا محفوظ فى دار الهلال على مائدة حوار الأسبوع فى مجلة المصور. وكان لى شرف الانضمام إلى وفد مكون من رئيس تحرير الهلال مصطفى نبيل ورئيس القسم الثقافى بالمصور يوسف القعيد ومعنا زميل مصور لاصطحاب محفوظ من منزله إلى دار الهلال. ودخلنا القاعة الكبرى بالدار وحدد رئيس التحرير مكرم محمد أحمد مكانه فى مواجهة محفوظ على الطرف الآخر من المائدة المستطيلة، وكان على يمينه رجاء النقاش وكنت أنا على يساره، وبجوار محفوظ جلس القعيد ليساعد الأستاذ فى سماع أى سؤال لضعف فى أذنه اليسرى. وحول المائدة تحلق زملاؤنا فى دار الهلال لمتابعة هذا الحوار التاريخى. وكان الحوار صريحا.. وأتذكر أن أبرز ما جاء فيه أن محفوظ تحدث عن حظوظه وقيمته فى الوقت نفسه، وأكد أن الجائزة الوحيدة التى لم يفكر فيها هى جائزة نوبل، وتحدث عن خجله لو أنه فاز بالجائزة وتوفيق الحكيم على قيد الحياة. كما أبرز مبررات إهدائه الجائزة ليحيى حقى، وعن استحقاق إدريس لها من مصر والطيب صالح من السودان وحنا مينا من سوريا. وفند محفوظ أقاويل حول علاقة اسرائيل بالجائزة وبموقفه من عملية السلام.

  وفى رحاب الحديث عن نوبل يحكى الشاذلى موقفا آخر يؤكد نبل محفوظ وعظمته فيقول:

ـ كان نجيب محفوظ شديد التقدير للعلم والعلماء، وأذكر ليلة سفره إلى لندن لإجراء جراحة فى القلب، هو الذى استمع لطبيبه المعالج بضرورة السفر، ولم يسمح لأحد بدفعه للسفر إلى السويد لاستلام الجائزة. هو الذى قال لى إن سعادته بفوز الدكتور أحمد زويل بجائزة نوبل فى الكيمياء، كانت أكثر من سعادته عندما فاز هو بجائزة نوبل فى الأدب. وكنت أسجل معه شهادة موجهة إلى القرن المقبل.. كنا بعد فوز زويل بنوبل وفى نهاية آخر شهر فى القرن، نسجل هذه الشهادة لنشرها فى مجلة الوسط اللندنية.. قال: "إن أحلامنا نحن العرب ليست كئيبة، مع أننا لم نحقق منها القدر الكافى، لقد تطور العرب خلال القرن العشرين، ما فى ذلك شك، ولكنه تطور منقوص بالقياس إلى القدرات البشرية والمالية التى كانت متاحة، وقد أثبت الفرد العربى - وهنا يحضرنى الدكتور أحمد زويل - أنه إذا توافرت له الإمكانات فإنه قادر على تحقيق المعجزات، ولكن الدكتور زويل نجح فى الولايات المتحدة ولولا بقاؤه هناك لما حقق إنجازه العلمى الباهر، إننى أتوجه برسالتى إليك ـ عزيزى القرن المقبل ـ  ليقرأها العالم العربي، وأؤكد أننا لن يكون لنا -كأمة- أى مستقبل من دون الديمقراطية والعلم".

قال رجاء النقاش فى مقدمة كتابه مع محفوظ إنه كان لك فضل كبير فى إنجاز الكتاب.. ماذا عن هذا الدور الكبير؟

ـ الأستاذ رجاء النقاش كان أكثر من يعطى الناس حقهم، بل ويبالغ فى بعض الأحيان تقديرا للتلاميذ والأبناء. لم أفعل شيئا كبيرا، كل ما فعلته هو دفع الأستاذ النقاش إلى الإسراع بالانتهاء من الكتاب، وكنت كلما مررت بجلسة لنجيب محفوظ فى مناسبات عدة يسألنى عن الكتاب. وكما كتب النقاش فى مقدمة المذكرات فإنه كان يريد عمل دراسة وافية عن محفوظ من واقع المذكرات وما كشفته من أسرار حول أفكاره وآرائه وشخوص أعماله. وكانت الدراسة فى تصورى ستأخذ أعواما أخري، فاقترحت على الأستاذ رجاء إصدار المذكرات كما هى ثم يأتى يوم يعد فيه دراسته النقدية. ولما استجاب طلب منى مراجعة الكتاب وإعداد فهرس الإعلام والأماكن.

  وينتقل الحوار إلى ندوات محفوظ، وأسأل الشاذلى: حدثنا عن ندوات محفوظ الكثيرة، وهل كان محفوظ يستمع فقط أم كان يعلق أحيانا؟

ـ كان يوم الخميس هو يوم الحرافيش فى بيت أحدهم، ويوم الجمعة يوم المحبين والأصدقاء والصحفيين فى كازينو قصر النيل. لكن مؤسسة الصداقة لدى محفوظ أقدم من ذلك بكثير. فقد كانت ندوة محفوظ فى مقاهى عرابى وقشتمر فى العباسية ثم انتقلت إلى الفيشاوى فكازينو أوبرا فى الخمسينات الأشهر فى الوسط الثقافى، ثم جاء الدور على مقهى ريش. أما مقهى على بابا فى ميدان التحرير فكان للتأمل ولقاء الأصدقاء بشكل فردى. وبعد نوبل انفجرت الندوة إلى ندوات يومية باسثتناء السبت. ويبدأ أسبوع الندوات بيوم الأحد فى فندق شبرد، ويوم الاثنين فى فندق نوفيتيل المطار، والثلاثاء فى مركب فرح بوت، والأربعاء فى فندق سوفيتيل بالمعادى، والخميس للحرافيش وكان اللقاء فى منزل المخرج توفيق صالح، وبعد وفاته استقرت فى كازينو فلافيلو بأول كورنيش المنيل. والجمعة كما هو فى كازينو قصر النيل، والتى انتقلت بعد محاولة الاغتيال إلى منزل د. يحيى الرخاوى فى المقطم.

حدثنا عن يوم حادث الطعنة الغادر، وهل شعر محفوظ بجرح نفسى بعد الحادث وهو الذى كان يحب الناس ويعتبر نفسه من آحادهم؟

ـ كان محفوظ يرفض الحراسة الأمنية، وكان يمد يده إلى الجميع مرحبا، كان يحب الناس ويكثر من شكرهم ويقول لى: إن الذى يقدم لى كوب ماء كتر خيره. وكتبت مرة أن علينا أن نصدق أى شخص يقول إنه صديق لمحفوظ لأنه كان صديقا للجميع. وأنت تعرف أنه مد يده بالسلام على من حاول قتله يوم الطعنة الغادرة. لكنى أجزم بأن محفوظ تحمل الطعنة أكثر من تحمله محاولات تكفيره، وكثيرا ما قال إن القدر سيأتى فى أى يوم من دون تدخل، ولكن يحزنه منهج التكفير، وإن رواياته ليست كافرة ولا هو بكافر. ولم يتغير أبدا تجاه الناس الذين يعرفهم أو الذين لا يعرفهم حتى رحيله عن دنيانا.

التواضع والزهد صفتان لازمتا محفوظ حتى عده البعض متصوفا.. حدثنا عن هذا الجانب الإنسانى فى شخصه.

ـ هو رجل شعبى يحب أهل الله، ويرى فيهم تعبيرا عن إيمان المصريين وهو لم يقتنع بالتصوف وبأساليب رفض الحياة وإن جذبته الصوفية.

ألم يضق الأستاذ يوما بتأخرك الدائم عن مواعيدك معه؟

ـ لا، كان يضحك إذا ما تأخرت عن موعد، كان يشرب قهوته أو يقرأ فى صحيفة.. وعموما أنا لم أتأخر سوى فى موعدين فقط بسبب زحمة السير، وهو عذر لا يقبله نجيب محفوظ الرجل الساعة كما سماه صديقه الكاتب الساخر محمد عفيفى.

أى رواياته كان محفوظ يفضل، ولماذا كان يغضب فى أواخر حياته كلما سئل عن "أولاد حارتنا"؟

ـ لم يفضل رواية على أخرى، هناك من كان يحدثه من الأصدقاء عن إعجابهم برواية معينة. أنا نفسى حدثته عن رواية "الطريق" و"خان الخليلى" وإعجابى بهما أكثر من أعماله الأخري.. وكان يلاقى كل هذا بابتسامة.. أما ضيقه من الحديث عن "أولاد حارتنا" فى أواخر حياته، فأظن أنه بسبب أن الرواية قتلت بحثا وكثر فيها الرأى المتحمس والرأى السلبى المعارض لها. وهى تسببت فى أكبر أزمة حياتية يواجهها على الرغم من استعداده للمحاكمة بسببها فى نهاية الخمسينات، ثم ترحيبه بلقاء لجنة من شيوخ الأزهر تحت طلب الممثل الشخصى لعبد الناصر. ثم رفضه طباعة الرواية فى مصر حتى لا تستمر الأزمة. نجيب محفوظ لا يبحث عن الأزمات، وإن كان أثار الكثير منها، بسبب إصراره على كتابة معرفية ناقدة، ورفضه التغييب مهما كانت دوافعه.

هل دخلت بيت الأستاذ؟ إن كان قد حدث فصف لنا مكتبه وأوراقه وأقلامه.

ـ دخلت بيت الأستاذ ما بين مرتين إلى ثلاث، كانت المرة الأولى يوم فاز بنوبل. وشاهدت المكتب وأكوام الكتب خلفه، وراعنى أن الأستاذ نجيب لم يكن لديه مكتبة كبيرة، ركن مكدس بأمهات الكتب، ومكتب عليه صفان من الكتب. سألته يوما فقال لى إنه كان يترك الكتاب فى المكان حيث انتهى منه، وأن كثرة تنقلاته المعيشية من بيت أمه إلى بيت شقيقه إلى عوامة على النيل إلى شقة العجوزة لم تتح له تكوين مكتبة كبيرة.

هل كان محفوظ ينفعل أحيانا فى ندواته أم كان هذا الأمر نادرا؟

ـ كان ينفعل ويؤيد ويرفض طبعا، وكان يتأثر ويغضب ويفرح.. لكن فى الغالب الأعم كانت البهجة هى السائدة، وضحكته الرنانة لا مثيل لها.

رسالة من المريد إلى شيخه.. ماذا تقول للأستاذ فى عالمه الآخر؟

ـ الأستاذ نجيب محفوظ.. لم نتعلم منك شيئا.. نظامك فى العمل كان مثاليا وكان يومنا مبعثراً ما بين الصحافة والأصدقاء والمقاهي. كنت تحرص على وقتك حتى منعت نفسك من السفر وكنا نبعثره فى سبيل رؤية أوروبا أو غيرها.. كنت شديد الإخلاص للكتابة وقليل منا من سار على الدرب.. كنت متسامحا حتى مع قاتلك، ونغضب ونخاصم لأقل من ذلك.. غردت لنا من أعلى شجرة الحياة، لكننا كنا فقدنا السيطرة على السمع.. كنت منفتحا على الأمل ويسود التشاؤم صدور كثير من المبدعين.. واعتبرت الحياة منحة جميلة ونعدها تهديدا وأزمة نسعى إلى تجاوزها. انتهى الحوار ولازال للحديث عن ابن مصر النجيب بقية فانتظرونا الأسبوع القادم.


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

 مصر والمغرب يطلقان استراتيجية مشتركة لجذب الأسواق العالمية

في إطار تعزيز العلاقات التاريخية والحضارية بين مصر والمملكة المغربية، نظم "هشام عبد الفتاح"، الخبير السياحي مؤتمراً سياحياً رفيع المستوى...

قصة مصورة - ماشية السنيورة

الحر اشتد، والشمس القوية في سماء الصيف صبت لهيبها بلا رحمة على رأس المرأة التي تمشي وحيدة في هذا الخلاء..

وليد مكى: الكتابة محاولة لفهم النفس وتهذيبها

الجوائز مهمة للفت الأنتباه للتجارب الأدبية القاضى والأديب يشتركان فى محاولة فهم «لماذا يفعل الإنسان ما يفعله؟»

نادر ناشد: قصيدة النثر الأقرب لنفسى.. وهى مستقبل الشعر العربى

الشعر الحديث فى تألق مستمر ويستحق اهتمامًا أكبر من النقاد لم أهجر القصيدة.. لكنى توقفت سنوات لأعيد النظر فيما أكتب