فاطمة النبوية.. بنت ســيد الشهداء وحفيدة الزهراء

عند أهل "الطريق" فإن "الرؤية" حق، ومصدر للحقيقة يعتد به ويعول عليه، ولا أجد مثلا أوضح ولا أصرح من ذلك الذى حكاه أحد أكابر المتصوفة المعاصرين، وهو الشيخ محمد زكى

عند أهل "الطريق" فإن "الرؤية" حق، ومصدر للحقيقة يعتد به ويعول عليه، ولا أجد مثلا أوضح ولا أصرح من ذلك الذى حكاه أحد أكابر المتصوفة المعاصرين، وهو الشيخ محمد زكى إبراهيم رائد العشيرة المحمدية و(شيخ مولانا د. على جمعة)، فعندما أصدر الطبعة الأولى من كتابه القيم "مراقد آل البيت فى القاهرة "، وفى معرض حديثه عن مقام "فاطمة النبوية بنت الحسين"، فإنه رجّح ولم يقطع بأن المشهد لها، فزارته السيدة فاطمة النبوية فى الرؤية مرتين لتؤكد له وتقطع بأن المقام لها.

يحكى الشيخ محمد زكى إبراهيم بيقين: وبعد أن طبعت هذا الرأى رأيت فى نومى بعد ظهر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من رجب الحرام سنة 1362 هجرية والرؤيا أمانة كأننى أزور ضريحها رضى الله عنها، فوجدت باب المقصورة النحاسى مفتوحا، فدخلت إلى ما بين المقصورة والتابوت، وفى الركن الشرقى الجنوبى رأيت كأن إحدى فتيات العشيرة المحمدية المعروفات بالجمال والتقى واسمها "فاطمة" تجلس فى هذا الركن وتلبس البياض كأنها فى صلاة، فدُهشت وسألتها: ماذا جاء بك إلى هنا؟.. قالت: وهل تعرفنى؟.. قلت: وهل أنسى فاطمة ابنتى؟.. قالت: لا.. أنا فاطمة بنت الحسين".

وعندما قرر الشيخ أن يُصدر طبعة جديدة من الكتاب وأرسل إليه ناشره "بروفة" لمراجعتها، جاءته صاحبة المقام فى رؤية جديدة، يحكى تفاصيلها: "وفى ليلة الجمعة آخر شهر المحرم سنة 1363 هجرية رأيت كأننى أزور مبانى الإدارة الجديدة الملحقة بالمشهد الحسينى ومعى بعض الأحبة، وقد أصعدونى لأشاهد القاعة الكبرى فى الطابق الثانى، وإذا بهذه القاعة كأنها قاعة الأمير بشتك بالجمالية وقد فُرشت بأروع وأبدع أنواع البُسط  والطنافس والمقاعد، وفى صدرها فتاة تجلس على ما يشبه العرش، وقد لبست البياض وكأنها فى صلاة ، وظننت أنها الدكتورة فاطمة ابنة شقيقى السيد وهبى ولكنها تبدو مشغولة، فذهبت إليها وهممت أن أربت على كتفها وأنا أقول: مالك يا فاطمة يا بنتى؟ ، فإذا بها تمسك يدى قبل أن تمسها وتقول: ألم أقل لك أنا فاطمة بنت الحسين".

وبعد هاتين الرؤيتين يقرر الرجل فى بقية طبعات الكتاب أن "مشهدها بالقاهرة هو لجدتنا فاطمة النبوية بنت الحسين ".

وهناك من أهل الطريق من لم يكن فى حاجة إلى "رؤية"، فقد كانت تكفيه فى المقام أنوار يعرفها ورائحة يميزها ومدد يلمس قلبه، ليدرك بلا عناء أنه فى حضرة بنت سيد الشهداء وحفيدة الزهراء.

(1)

وفاطمة النبوية واحدة من ريحانات آل البيت اللاتى تعطرت وتشرفت بهن أرض مصر، ومقامها مقصد للمحبين والعارفين، وفيه من الأنوار والأسرار ما تدركه القلوب بلا عناء ، فهى الحسيبة النسيبة بنت الإمام الحسين، وليس أدل على محبته الخاصة لها أكثر من اسمها، فقد أسماها "فاطمة" لتكون سمية أمه، الزهراء بنت النبى وريحانته وبضعته ودرة آل البيت، فكانت فاطمة الحفيدة أقرب الناس شبها بفاطمة الجدة، بل إن الصفة التى لصقت بها "النبوية" استمدت معناها من هذا الشبه بينها وبين جدتها.. بنت النبى.

وأما أمها فكانت هى الأخرى من ذوات الحسب والمكانة، فهى "أم إسحق" بنت طلحة بن عبيد الله، صاحب رسول الله وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وتزوجها الإمام الحسن بن على سبط النبى، وكانت من أحب نسائه إلى قلبه، فلما أشرف الحسن على الموت بعد أن سرى سُم الغدر فى جسده، فإنه أوصى شقيقة الحسن بالزواج بعده من "أم إسحق"، فتزوجها الإمام الحسين، ومنها أنجب أحب ابنتيه إلى قلبه: فاطمة وسُكينة.

وعن أبيها ورثت فاطمة حُسنه وعلمه وكرمه ونبله وأخلاقه، وعاشت فى كنفه وفى عزه حوالى 21 عاما، فالراجح أنها ولدت حوالى العام 40 هجرية، وكانت قد تخطت العشرين من عمرها يوم استشهد والدها فى كربلاء عام 61 هجرية.


والثابت أن فاطمة شهدت كربلاء، ورأت بعينيها تلك المأساة المروعة التى استشهد فيها سبعين من عترة آل البيت، منهم أبيها وإخوتها وأبناء عمومتها، ولا بد أن قلبها انفطر حزنا وهى تشاهد جثمان أبيها الإمام وهو على الرمل ولم يبق فيه موضع لضربة سيف أو طعنة رمح، بل لم يبق فيه رأس بعد أن تجرأ السفلة على قطعها والتمثيل بها.. وتستمر المأساة، وتجد فاطمة نفسها فى موكب سبايا آل البيت إلى دمشق تتقدمه عمتها زينب، شامخة أبية رغم الفاجعة التى تزلزل الجبال والرجال، وفى قصر يزيد وفى مجلسه الذى تجمع فيه السفلة وصل انحطاطهم إلى حد أن تجرأ أحدهم وقد بهره جمال فاطمة، فطلب من يزيد أن يهبها له كسبية، فهبت السيدة زينب تزأر فيهم وتلجمهم وتسأل يزيد بغضب وجسارة: أنساء النبى سبايا يا يزيد؟.. فإذا بالخليفة يرتعد من نظرة زينب ويتراجع سريعا بل حرائر..، وتعود فاطمة مع عمتها زينب ونساء آل البيت إلى المدينة المنورة، يوم لم يبق من ذرية أبيها الإمام إلا أخيها على زين العابدين.

ولا بد أن تتوقف أمام هذا الموقف المدهش، الذى يدل على أخلاق بيت النبوة ، وعلى كرمهم الذى لا يدانيه ولا يعلو عليه.. فقد أمر يزيد - فى محاولة للتودد إلى آل البيت وإلى غسيل سمعته أمام الناس من محبيهم بعد جريمته المنكرة فى كربلاء أن يرافق عددا من جنوده موكب نساء آل البيت حماية لهن من أخطار الطريق بين دمشق والمدينة المنورة، ورغم ما كانت فيه فاطمة من كرب عظيم وهم مقيم، فإن الظرف لم ينسيها أخلاق الكرام، فطلبت من أختها سكينة أن تخلع آخر ما تبقى لديها من حُليها لتهديه إلى حارسهن، وكان من نفس الجيش الذى أسالت سيوفه دماء أبيها وعترة آل البيت فى كربلاء.. لكنها أخلاق بنت بيت النبوة.

(2)

يُرجح المؤرخون أن تكون فاطمة النبوية قد جاءت إلى مصر عام 61 هجرية بصحبة عمتها السيدة زينب، لكن فاطمة عادت بعد فترة إلى المدينة المنورة لتتزوج من ابن عمها الحسن المثنى، وكان الحسن بن الإمام الحسن قد خطبها من أبيها فى حياته، وتقول الروايات المعتبرة أن الحسن المثنى ذهب إلى عمه الإمام الحسين يطلب الزواج من بناته، فسأله الإمام عن أيهما قصده ليطلبها، فسكت المثنى حياء، وتقول بعض الروايات إنه كان قد ذهب يطلب "سكينة"، لكن الرأى الراجح أن كل ما كان يشغله هو أن ينول الشرف فى ذاته، فلما سكت حياء نصحه الإمام بالزواج من فاطمة، فقد رآها الأنسب لابن عمها، فقد كانت تتميز بعقل راجح، وهى الأكبر عمرا والأكثر نضجا وخبرة بشئون الحياة، فضلا عن جمالها وخلقها ودينها.

وتزوج الحسن المثنى من فاطمة ابنة عمه الحسين، ورزقها الله منه بثلاثة من الأبناء، كان أكبرهم "عبدالله المحض"، والمحض يعنى الخالص، فى إشارة إلى أنه كان أول مولود خالص من آل البيت من نسل السبطين، فأبوه ابن الإمام الحسن وأمه ابنة الإمام الحسين..وبعد المحض كان "إبراهيم" الذى ينسب إليه أشراف العراق..ثم "الحسن المثلث"، وحمل هذا اللقب اختصارا لاسمه الكامل: الحسن بن الحسن بن الحسن.

ورغم أنها كانت نعم الزوجة والأم، فإن فاطمة النبوية وجدت وقتا للعلم والذكر، وكانت صوامة قوامة، عابدة زاهدة، فضلا عن حبها للخير والذى تجلى فى إطعام الطعام، وفى رعاية الأيتام، فبجانب أولادها الثلاثة كانت ترعى سبعة من اليتامى، تتكفل بنفقاتهم وتعليمهم وتعاملهم كأولادها، بل أصرت على أن تصحبهم معها عندما قررت المجىء إلى مصر فى أخريات حياتها المديدة.


(3)

بعد رحيل زوجها الحسن المثنى عام 96 هجرية، قررت السيدة فاطمة النبوية أن تتفرغ للعبادة والعلم ورعاية اليتامى، لكن أمها رأت أن ابنتها لم تغادر سن الشباب ومن حقها أن تتزوج، خاصة أن الذى تقدم لطلب يدها وبإلحاح رجل من وجهة نظرها لا ينبغى رفضه..وصمدت السيدة فاطمة النبوية لمدة عام أمام إلحاح والدتها من جهة، ومن جهة أخرى أمام إصرار الرجل الذى وسّط  كل أصحاب الخواطر عندها لتقبل به زوجا، وهو عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، حفيد ذو النورين والخليفة الثالث عثمان بن عفان، ولم تجد الأم أمام ممانعة ابنتها سوى حيلة طريفة، فقد أقسمت أن تجلس تحت حر الشمس وصهدها حتى تلقى حتفها أو تقبل ابنتها الزواج، ورضخت السيدة فاطمة النبوية وتزوجت من حفيد عثمان، الذى كتب لها مؤخر صداق ألف ألف دينار (مليون دينار) وهو مبلغ خرافى بأرقام تلك الأيام، تقديرا لها ولمكانتها.

ومن زوجها الثانى أنجبت السيدة فاطمة النبوية ثلاثة من الأبناء، ولدان هما: "محمد الديباج" (وحمل لقب الديباج لشدة حُسنه)، و"القاسم"  وابنة واحدة هى "رقية ".. ويمكننا أن نقول إن السيدة فاطمة النبوية من جيل الابتلاءات الكبرى فى بيت النبوة، فقد عاشت محنا لا يطيقها إلا أولو العزم من الصالحين، فقد عاشت جريمة اغتيال عمها الحسن بالسم، ثم المحنة الكبرى فى كربلاء التى فقدت فيها أبوها وإخوتها وأهل بيتها، ثم كان عليها أن تصبر على فراق زوجها وابن عمها الحسن المثنى، ثم كانت محنة فقدانها لأولادها تحت التعذيب فى سجون الدولة العباسية فى زمن أبى جعفر المنصور.. وصبرت هذه السيدة العظيمة واحتسبت، ثم كانت فجيعتها برحيل زوجها الثانى، فوجدت نفسها وحيدة ليس معها إلا ابنتها رقية، فكان قرارها بالمجيء إلى مصر، ولم يكن اختيارها عشوائيا، فقد جاءتها من قبل مع عمتها السيدة زينب، ورأت بعينيها عشق المصريين لآل بيت النبى وترحيبهم المخلص بهم، وهو ما تكرر مع كل الذين توافدوا على مصر بعدها من آل البيت والسلالة الطاهرة، وفى القلب منهم السيدة نفيسة.. وجاءت السيدة فاطمة النبوية إلى مصر مع رقية ابنتها ومع اليتامى السبعة الذين ترعاهم وتعتبرهم دينا فى عنقها، ليكونوا نواة أول مؤسسة خيرية لرعاية الأيتام فى مصر، بل يمكنك أن تقول باطمئنان إن تلك السيدة هى مؤسسة أول وزارة أهلية للتضامن الاجتماعى فى مصر..

فكيف عاشت السيدة فاطمة النبوية فى مصر؟

ولماذا عشقها المصريون.. وأسموها أم اليتامى.. وأم الحنان؟

ولماذا يفضلون فى مولدها وفى الحضرات بمقامها أن يوزعوا على المريدين أطباق العدس.. والعسل الأسود.. بالذات؟

ما زال عندنا الكثير الذى نقوله عن بنت الحسين وأقرب الناس شبها بفاطمة الزهراء.

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

eSIM في مصر 2026: كيف توفر تكلفة الاتصال أثناء السفر بدل الشرائح التقليدية

صار البحث عن « esim مصر » أو «eSIM Egypt» جزءًا معتادًا من التحضير للسفر، بعدما تحوّل الإنفاق على الاتصال...

اقوى عروض وتخفيضات في مصر من أشهر المتاجر

تتيح لك عروض وتخفيضات في مصر شراء كافة احتياجاتك بأقل تكلفة ممكنة، نوضّح لك هنا كيفية الاستفادة من خصومات ديفاكتو...

لماذا تواصل القاهرة الجديدة جذب الباحثين عن السكن والاستثمار؟

تواصل القاهرة الجديدة ترسيخ مكانتها ضمن أبرز وجهات التوسع العمراني في شرق القاهرة، مدفوعة بتنوع المناطق السكنية وقربها من شبكة...

قصة مصورة - ع السكين

منهمك، غائب فيما يفعل، يهز رأسه مع كل تحريك دقيق ومرهف لأنامله... كأنه يعزف