ليست كل الكلمات سواء؛ فبعضها يمر على الأسماع عابرا، ومنها ما يستقر في النفوس، وطائفة تتجاوز أثرها المباشر لتغير حياة قائلها وسامعها، وأخرى تتخطى ذلك كله لتغير وجه زمن بأكمله. والكلمات الكبرى لا تقاس بعظم حروفها، وإنما بما تفتحه من أبواب؛ فقد تفتح كلمة في العقل أفقا مجهولا، أو توقظ في الروح سؤالا وجوديا، أو تعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وعالمه.
محمود علامرئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسيبالهيئة الوطنية للإعلام
وربما كانت أعظم الكلمات تلك التي لا تنتهي عند معناها الأول، بل يتسع صداها لما هو أبعد من لحظة ميلادها؛ فتخبرنا القرون أنها كانت أكبر من عصرها، ولم تكن مجرد مفردة قيلت، وإنما كانت اللبنة الأولى في بناء عالم جديد.
لكن أعجب الكلمات على الإطلاق، تلك التي أوحي بها إلى نبينا الأكرم، الذي لم يكن يقرأ حرفا، فكانت أول ما أمر به في مستهل رسالته: "اقرأ".
فأي معجزة إلهية هذه التي تجعل "اقرأ" أول كلمة، ويكون من خوطب بها أميا..؟
وفي ذكرى مولده الشريف، نستحضر "اقرأ" لا بوصفها كلمة عابرة في تاريخ الرسالات، وإنما بوصفها أول نداء إلهي في صدر الحكاية؛ كلمة حملها الوحي الأمين إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فما كانت كلمة تتلى، بل فاتحة الرسالة التي ستخرج الإنسان من ظلمات الجهل إلى آفاق المعرفة.
ولعل أبلغ ما في هذه المفارقة أن النبي الأمي، الذي لم يقرأ حرفا ولم يخط سطرا، تلتقي في ذاته الشريفة طرفاها: أمي تبدأ رسالته بكلمة "اقرأ"، فإذا به يفتح للبشرية أبواب العلم، ويوقظ أمة كاملة على ثقل الكلمة وقدسية الحرف.
فحين تهيأت آمنة بنت وهب رضوان الله عليها لشهيق الكون الأكبر، كانت مكة غافية في ليلها العتيق، وكانت الجزيرة بأسرها تمضي في غفلة الجاهلية، دون أن تدري أنها على مشارف تحول استثنائي سيغير وجه التاريخ؛ تكسر فيه أقلام التكلف، وتغسل الحروف من درن الصنعة.
وفي لجة رمالها، كانت الكلمة تحفظ في الصدور قبل أن تودع السطور. وهناك، كان يتشكل بهدوء سر طفل سيولد "أميا"، لا يملك مفاتيح الصحائف، ولا يتقن تهجئة الحروف، لكن يحمل في حناياه بيانا سيعجز فصحاء العرب وخطباءهم.
كان العالم يومها مثقلا بكلمة فقدت وجهتها؛ بلاغة فائضة، فصاحة مشهودة، وألسنة لا تعجز عن نظم القصيد وإلقاء الخطب، لكن الكلمة كثيرا ما كانت تسخر للهوى والتفاخر والاستعلاء؛ ترفع بها قبيلة وتحط بها أخرى، وتشعل بها الخصومات وتؤجج العصبيات؛ كلمة تلقى وتشعل نارا لا تنطفئ أعواما، فتراق الدماء ولو من أجل ناقة، حتى غدت أحيانا سلاحا في يد الأقوى، ووسيلة للهجاء، وإغداق الوثن بما ليس له؛ قصيدة تقال، تتناقلها ألسنة العرب فتخلد، وأخرى تعلق على أستار الكعبة؛ يملكون سلطان البيان، لكنهم لم يملكوا هداية الكلمة. فامتلأت الأسماع بالشعر، بينما ظل الإنسان نفسه بحاجة إلى من يقرأه، ارتفع صوت الفصاحة، فيما خفت صوت الفطرة تحت وطأة العصبية والوثنية والتفاخر.
وفي عالم بلغت فيه الكلمة ذروتها، والبيان فيضه، جاءت المفارقة: أن يكون مخلص الكلمات أميا؛ كأنما أرادت الحكمة الإلهية أن تقول للبشرية إن البيان الحق لا تصنعه الأقلام وحدها، ولا تمنحه كثرة القراءة والكتابة، وإنما يبدأ من طهارة قلب، ونقاء فطرة، وروح قادرة على أن تجعل من الكلمة هداية، ومن المعرفة نورا يهدي به الله من يشاء من عباده.
غير أن المفارقة الأعمق لم تكن في أن يكون رسولنا الكريم أميا فحسب، وإنما في أن تكون هذه الأمية نفسها بابا إلى أعظم بيان عرفته العربية؛ فلم تكن أميته في حقه الشريف نقصا يستدرك، وإنما كانت انقطاعا عن روافد التلقي البشري لما سيحمله إلى الناس. فلم يجلس إلى معلم بشري، ولم يتلق علمه في مدرسة، ولم يتخذ من كتب السابقين معينا يستمد منه علمه أو يقتبس من صحف الأولين بيانه؛ لم يقرأ شعرا ليحاكيه، ولا طالع فلسفة ليعيد صياغتها؛ فإذا به يأتي بما عجزت عنه فصاحة الفصحاء، وتخشع أمام بيانه ألسنة طالما تفاخر أصحابها بالكلمة والقول.
فإذا نطق الأمي، تهاوت دعاوى التلفيق والاقتباس؛ وإذا جاء بالبيان الذي أعجز البلغاء، لم يجد أهل الفصاحة فيه صنعة متعلم يستمد بيانه من معلم، ولا صدى لقول تلقاه عن إنسان. فأغلقت دونه أبواب التلقي عن بشر، ليكون قلبه الشريف مهيأ لتلقي الوحي، وروحه صافية لما يوحى إليه. فجاء بيانه مبرأ من أثر الصنعة البشرية، حتى يتجلى بوضوح أنه وحي عذب من سماء الحقيقة؛ فصدق القرآن العظيم إذ قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾.
وهنا تتبدى المفارقة التي تستوقف العقل: نبي لم يقرأ كتابا، فإذا بالكتاب يتلى على لسانه؛ ولم يخط حرفا، فإذا بالحرف يصبح مفتاح أمته؛ وإذا بهذه الأمة التي عرفت سلطان البيان، تتعلم على يديه كيف تفكر وتتدبر، وكيف تجعل من المعرفة طريقا إلى الله. فلم تكن "الأمية" غيابا عن عالم المعرفة، بقدر ما كانت مدخلا إلى عالم جديد منها، وإيذانا بعصر أصبحت فيه الكلمة رسالة، والقراءة طريقا، والعلم سبيلا، والقلم شاهدا على أعظم تحول عرفه الإنسان العربي؛ حتى أقسم به المولى جل قدره، وسمى سورة باسمه: ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾؛ فجاءت الكلمة الأولى .. "اقرأ".
غير أن "اقرأ" لم تكن أمرا للعين أن تتتبع السطور، ولا دعوة إلى ملء الذاكرة بالمعلومات؛ كانت فاتحة عهد جديد مع الكلمة والمعرفة، وعلاقة جديدة بين العقل والإنسان. فمنذ تلك اللحظة، لم تعد القراءة غاية في ذاتها، وإنما صارت طريقا إلى البصيرة؛ ولم يعد العلم ترفا يزين صاحبه، وإنما أصبح وسيلة لتحرير العقل، وتهذيب النفس. من هنا، لم تكن "اقرأ" ميلادا للقراءة وحدها، بل استردادا لرسالة الكلمة؛ تلك التي فقدت وجهتها بين الهوى والخصومة والتفاخر، بدأت تستعيد وزنها، وتخرج من ضيق القول إلى رحابة المعنى؛ كلمة تحيي ولا تقتل، تبني لا تهدم، تصل لا تقطع، وتنتشل الإنسان من ظلمة الجاهلية إلى أفق الروح.
أصبحت أمانة ومسؤولية؛ بها يذكر الله، يقال الحق، يصلح بين الناس، ويجادل بالتي هي أحسن؛ فانتقلت من سوق المباهاة إلى رحاب الهداية.
إلا أن ل "اقرأ" معنى أبعد، يتجاوز ما خط في الكتب، إلى قراءة ما حولنا؛ أن نقرأ الكون آية، والحياة رسالة، والنفس سؤالا، والإنسان الذي يقف أمامنا كتابا مفتوحا لا يجوز غلقه بحكم سريع. وهنا تجاوزت المعرفة حدود الحرف، لتصبح طريقة جديدة في النظر إلى الوجود.
فالقراءة الحقيقية هي أن ندرك ما وراء الظاهر: ماذا يقول الإنسان حين يصمت، ويقول المتألم حين يعجز عن الشكوى، والضعيف حين لا يجد من ينصره. أن نقرأ تعني أن نرى الإنسان قبل حاله؛ فلا نراه جسدا تقاس قيمته بالقوة، ولا مالا تقاس به المكانة، ولا نسبا يقاس به الفضل، وإنما روحا لها حرمتها، وكرامة لها حقها، ونفسا لها مكانتها. ومن هنا لم يعد الإنسان موضوعا للقراءة، بل أصبح هو نفسه كتابا ينبغي أن يقرأ.
هذا هو ما فعله رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ قرأ الإنسان قبل بناء المجتمع، فرأى اليتيم وراء يتمه، الفقير وراء فقره، الضعيف وراء عجزه، العبد وراء أغلاله، الموءودة تحت ثراها، والمرأة خلف أعراف انتقصت من قدرها. فعلمنا بهديه كيف نقرأ الإنسان قراءة لا تسقط كرامته، ولا تختزله في حاله، ولا تجعل قوته أو ضعفه مقياسا لقيمته.
لذلك كان مولده الشريف ميلاد معنى؛ يعيد تعريف الإنسان؛ فجاء إلى عالم القوة فيه هي التي تمنح صاحبها الحق، فجعل للضعيف حقا لا يسقط بضعفه، ولليتيم كرامة لا تنتظر شفاعة الأقوياء، وللفقير مكانة لا تقاس بما يملكه، وللعبد إنسانية لا تنتقص منها أغلال رقه؛ ففتح للعفو بابا، وجعل الرحمة فضيلة لا ضعفا، والقوة أخلاقا قبل أن تكون قدرة. وبهذا خرجت "اقرأ" من الحرف إلى الحياة؛ فلم يكن المراد من أمة "اقرأ" أن تخرج أجيالا تحفظ الكتب، وإنما أن تخرج إنسانا جديدا؛ يقرأ،يعرف،يفهم، فيتفكر ثم يعمل، ويرى في الإنسان إنسانه قبل أن يرى فيه ضعفه أو فقره أو اختلافه.
لم يكن أعظم ما تركه المصطفى صلوات الله عليه عرشا يخلد، ولا أثرا يزار، ولا مجدا دنيويا يطلب؛ وإنما ترك إنسانا جديدا، وأمة تقرأ.
غير أن الحكاية لا ينبغي أن تتوقف عند الماضي؛ فالإنسان الذي سعى إليه الهادي ليس صفحة تطوى، وإنما سؤال مفتوح في وجه كل جيل. نحن نعيش في زمن لم تعد فيه مشكلة الإنسان أن يجد ما يقرأ؛ فالمعلومة تحاصره من كل جانب، والكلمة تصل إليه قبل أن يطلبها، والشاشات تفتح أمامه في لحظة ما كان يحتاج إلى أعوام للوصول إليه. ولذلك لم يعد السؤال: هل نقرأ؟ وإنما: ماذا نحن فاعلون بما قرأنا؟
فليس كل من قرأ عرف، ولا من عرف فهم، ولا من فهم تغير. قد يمتلئ العقل بالمعارف، ويبقى القلب فقيرا إلى الحكمة؛ وقد تتسع أرفف الكتب، ولا تتسع معها مساحة الرحمة في النفوس. ولهذا تبدو "اقرأ" اليوم أشد إلحاحا؛ فالإنسان، وسط هذا الطوفان، لا يحتاج إلى ما يملأ ذاكرته، بقدر ما يحتاج إلى معرفة تهذب عقله، وتزده تواضعا ورحمة وعدلا.
لقد استهلت الرسالة ب "اقرأ"؛ ولم يكن أحد يومها يدري أن هذه الحروف الأربعة ستخرج من عتمة الغار، لتعبر قرونا، وتغدو نداء مفتوحا. ولعل أعمق ما فيها أن ذاك النداء الأول لم ينته، فما زال موجها إلى أمة "اقرأ".
وهنا يعود المولد النبوي المطهر إلى معناه الأعمق؛ تذكيرا بالإنسان الذي جاءت الرسالة لتعلي قدره؛ فالإنسان لا ينبغي أن تقف معرفته عند حدود عقله، ولا عبادته عند ظاهر الشعائر، ولا قوته عند نطاق القدرة؛ وإنما يعلو حين يصبح علمه نورا، ونوره خلقا، وخلقه رحمة، ورحمته فعلا. وفي مولده الكريم، نحن لا نستعيد ذكراه الشريفة فحسب، وإنما نقف بخشوع أمام ذلك النور الذي جاء به داعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، ورحمة للعالمين؛ نور لا يحيط به وصف، ولا يحده دهر، ولا تطفئه مسافات.
فصلاة وسلام على النبي الأمي، الذي لم يقرأ كتابا، ففتح للبشرية أبواب القراءة؛ ولم يخط حرفا، فكان الحرف برسالته بداية حضارة، ولم يأت ليملأ الدنيا بالكلمات، وإنما ليمنح الكلمة معناها، وللمعرفة غايتها، وللإنسان كرامته، فعلم الدنيا كيف تقرأ كتاب الوجود، فأبصر الإنسان بهديه نفسه، وأبصر الكون من حوله، ومحا بالبصيرة عمى البصائر.
فصلاة وسلام على الهادي المجتبى، يوم ولد، ويوم تلقى الرسالة، ويوم حمل الأمانة، ويوم مضى إلى جوار ربه؛ وصلاة وسلام عليه ما بقي اسمه حيا فينا بالذكر الجميل، تخفق له القلوب، وتلهج بمدحه الألسنة، ويصلى عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
بدأت الحكاية ب "اقرأ" ... وانتهت بالإنسان.
وبين الكلمة والإنسان، كان هدي محمد صلى الله عليه وسلم هو الطريق.
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليست كل الكلمات سواء؛ فبعضها يمر على الأسماع عابرا، ومنها ما يستقر في النفوس، وطائفة تتجاوز أثرها المباشر لتغير حياة...
في ذكرى المولد النبوي تعود بنا الذاكرة لآلاف السنين حيث استمد المصري موروثاته الشعبية من تاريخه العريق الذي استمر حيا...
عندما وقع حادث غرق العبارة السلام 98 عام 2006، كان الخبر أكبر من مجرد حادث بحري مأساوي بل كان اختبارًا...
قانون الإجراءات الجنائية هو الطريق القانوني الذي تسير فيه الدعوى الجنائية من لحظة وقوع الجريمة أو الإبلاغ عنها، مرورًا بجمع...