حين تبدأ الأزمات من الممرات وتنتهي في الأسواق

الطريق الأطول قد يصبح هو الطريق الأرخص

قد يبدو البحث عن مسارات جديدة لنقل الطاقة، كما يجري في النقاشات السعودية الفرنسية الأخيرة، مسألة لوجستية هدفها تأمين طرق إضافية لوصول النفط والغاز إلى الأسواق. لكن قراءة المشهد من زاوية أوسع تكشف أن القضية تتجاوز النقل بكثير. فحين تبدأ دولة كبرى في سوق الطاقة في التفكير في طرق بحرية وخطوط أنابيب وشبكات ربط إقليمية قد تكون أطول أو أكثر كلفة، فهذا يعني أن شيئًا أساسيًا تغير في طريقة حساب تكلفة الطاقة نفسها.

نهال الشافعي
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

 

في الماضي، كان الطريق الأقصر غالبًا هو الطريق الأفضل، والأرخص هو الأكثر كفاءة. أما اليوم، فقد أصبح هذا الحساب ناقصًا؛ لأن الطريق لا يُقاس فقط بما ينفق عليه أثناء عمله، وإنما بما يمكن أن يخسره الاقتصاد إذا توقف.

وهنا يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري استراتيجي. إنه مثال مكثف على مشكلة أوسع يعيشها الاقتصاد العالمي: نظام شديد الكفاءة في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح شديد الحساسية عندما تتعرض إحدى نقاطه الأساسية للاضطراب.

لم تكن الأسواق، في سنوات الاستقرار الطويلة، مضطرة إلى إعطاء وزن كبير لاحتمال توقف الممرات أو تعطل الإمدادات. كانت الأولوية للسرعة والسعر وتقليل المخزون، وكانت سلاسل الإمداد تمتد عبر مسافات طويلة لأن كل حلقة فيها اختيرت على أساس الكفاءة الاقتصادية.

لكن عندما أصبحت الحروب والتوترات الجيوسياسية قادرة على الوصول إلى خطوط التجارة، تغيرت المعادلة.

حين يصبح الخطر جزءًا من الحساب

تكمن أهمية هرمز في أن أي اضطراب فيه لا يهدد شحنة أو ناقلة بعينها، وإنما يفتح سلسلة من التأثيرات المتتابعة. ارتفاع مخاطر الملاحة يعني تأمينًا وشحنًا أكثر تكلفة، وقد يعني مسارات أطول، ومنافسة أكبر على الإمدادات البديلة، وتقلبًا في أسعار الطاقة.

وهذه التكلفة لا تنتهي عند النفط والغاز.

فكل زيادة مستمرة في تكلفة الطاقة يمكن أن تنتقل إلى النقل والصناعة والكهرباء والسلع، ومنها إلى التضخم. ولذلك فإن حماية مسارات الطاقة لا تصبح فقط مسألة تخص منتجي النفط أو مستورديه، وإنما جزءًا من حماية الاستقرار الاقتصادي نفسه.

من هنا يمكن فهم أهمية البحث عن مسارات بديلة. فالطريق الجديد قد لا يكون أرخص في الظروف الطبيعية، وقد يبدو بناء خط أنابيب إضافي أو تطوير ميناء أو إنشاء شبكة نقل إقليمية استثمارًا مرتفع التكلفة. لكن الحساب يتغير تمامًا إذا أصبحت تكلفة توقف الطريق الرئيسي أكبر من تكلفة البديل.

وهنا تظهر نقطة جوهرية: الطريق البديل لا يُبنى فقط لنقل الطاقة، وإنما لتقليل قدرة الأزمة على تعطيلها.

وهذا تحول في مفهوم أمن الطاقة. فامتلاك الموارد لم يعد كافيًا، كما أن امتلاك القدرة الإنتاجية وحدها لا يضمن استمرار الإمدادات. القوة أصبحت مرتبطة أيضًا بالقدرة على الحركة، وبعدد المسارات التي يمكن استخدامها عندما تتغير الظروف.

ولهذا فإن الموانئ وخطوط الأنابيب وشبكات النقل البرية والممرات البحرية البديلة تتحول تدريجيًا من بنية تحتية اقتصادية إلى أدوات جيوسياسية. قيمتها لا تظهر فقط في الأيام التي تعمل فيها بكامل طاقتها، وإنما في قدرتها على منع نقطة واحدة من التحول إلى نقطة اختناق للنظام بأكمله.

لكن ما يجعل هذه المسألة أكثر خطورة أن صدمة الطاقة لا تبقى في سوق الطاقة.

فهي تنتقل إلى الاقتصاد عبر قناة أكثر حساسية: التضخم، ثم تكلفة المال.

الصدمة التي لا تتوقف عند حدود الطاقة

حين ترتفع أسعار الطاقة بسبب التوترات الجيوسياسية، لا تتعامل الأسواق معها باعتبارها زيادة مؤقتة في سعر سلعة واحدة فقط، خصوصًا إذا طال أمدها. فالطاقة تدخل في تكاليف عدد هائل من السلع والخدمات، ولذلك يمكن أن تصبح عاملًا يعيد تشكيل توقعات التضخم.

وهنا تبدأ الحلقة المالية.

إذا أصبح التضخم أكثر صعوبة في الانخفاض، تصبح توقعات خفض أسعار الفائدة أقل وضوحًا. ومع تغير توقعات السياسة النقدية، يعاد تسعير السندات، خصوصًا الآجال الطويلة التي تعكس بدرجة أكبر رؤية المستثمرين للمستقبل.

ولهذا فإن ارتفاع عوائد السندات الأميركية لا يمكن اختزاله في قرار نقدي منفرد. فالعائد الذي يطلبه المستثمر يحمل في داخله تقييمًا للديون والعجز والتضخم والنمو والمخاطر الجيوسياسية، إضافة إلى توقعات السياسة النقدية.

وهنا تكمن حساسية المسألة بالنسبة إلى واشنطن. فالسلطات تستطيع التأثير في ظروف السوق والسيولة، لكنها لا تستطيع ببساطة إلغاء المخاطر التي يراها المستثمرون.
العائد طويل الأجل هو في النهاية سعر يعبّر عن مقدار التعويض الذي يطلبه السوق مقابل الاحتفاظ بأمواله لفترة طويلة في بيئة تتعدد فيها مصادر عدم اليقين.

وهذا يعني أن تكلفة الأزمة لا تظهر فقط في سعر برميل النفط، وإنما يمكن أن تمتد إلى تكلفة التمويل والاقتراض.

وعندما ترتفع تكلفة التمويل، لا تتوقف الآثار عند الحكومة الأميركية. إذ ترتفع أعباء الاقتراض على الشركات، وتتغير تقييمات الأصول، وتصبح المشروعات التي تعتمد على رؤوس أموال ضخمة أكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة والعوائد طويلة الأجل.

وهنا يصبح الرابط بين الطاقة والأسواق المالية أكثر وضوحًا.
فالأزمة التي تبدأ في ممر بحري يمكن أن تعيد تشكيل توقعات التضخم، والتضخم يمكن أن يؤثر في مسار أسعار الفائدة، وتغير أسعار الفائدة يعيد تشكيل تكلفة الاقتراض وقرارات الاستثمار.

وبذلك لا تكون الجغرافيا السياسية مجرد عامل يؤثر في أسعار النفط، بل تصبح جزءًا من المعادلة التي تحدد سعر رأس المال نفسه.

وهذا يقود إلى قطاع يبدو في ظاهره بعيدًا تمامًا عن كل ما سبق، لكنه في الحقيقة يقع في قلب هذه المعادلة الجديدة.

إنه الذكاء الاصطناعي.

المستقبل الذي يحتاج إلى طاقة ورأس مال

الذكاء الاصطناعي يُقدَّم غالبًا باعتباره ثورة رقمية، لكن الجزء الأكبر من اقتصاده شديد المادية. خلف النماذج والخوارزميات توجد مراكز بيانات، وخلف مراكز البيانات توجد كهرباء، وخلف الكهرباء توجد شبكات وبنية تحتية، وخلف كل ذلك استثمارات ضخمة تحتاج إلى تمويل مستمر.

وهنا تأتي أهمية شركة إنفيديا في المشهد. فالشركة الأميركية المتخصصة في تصميم وتطوير الرقائق والمعالجات المتقدمة، أصبحت واحدة من أهم المستفيدين من الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي؛ إذ تعتمد عليها شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات في توفير الرقائق التي تحتاج إليها لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. ولذلك لم تعد نتائج إنفيديا تعكس أداء شركة تكنولوجية منفردة فقط، وإنما أصبحت مؤشرًا مهمًا على حجم الإنفاق العالمي على البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، وعلى قدرة هذا الاستثمار على مواصلة التوسع.

ومن هنا تأتي أهمية متابعتها في هذا المشهد. فالطلب على رقائقها يرتبط بالتوسع في مراكز البيانات، والتوسع يحتاج إلى استثمارات هائلة، والاستثمارات تحتاج إلى تمويل. وكلما ارتفعت تكلفة الطاقة أو التمويل، أصبحت حسابات هذا التوسع أكثر تعقيدًا.

لا يعني ذلك أن دورة الذكاء الاصطناعي ستتوقف لمجرد ارتفاع عوائد السندات أو اضطراب أسواق الطاقة. حجم الطلب على التكنولوجيا والتنافس الدولي عليها يجعلان استمرار الاستثمار فيها مسألة استراتيجية. لكن ما يتغير هو ثمن النمو وسرعته.

فالشركة تستطيع أن تمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدمًا، لكنها تحتاج إلى تمويل بناء البنية التحتية التي تجعل هذه التكنولوجيا قابلة للتوسع. والدولة تستطيع أن تمتلك الطموح لتصبح مركزًا للذكاء الاصطناعي، لكنها تحتاج إلى كهرباء وشبكات ومراكز بيانات ورأس مال.

وهكذا يكتشف المستقبل الرقمي أنه لا يستطيع الانفصال عن الاقتصاد التقليدي.

الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الطاقة، والطاقة تحتاج إلى مسارات آمنة، والمسارات تحتاج إلى بنية تحتية، والبنية التحتية تحتاج إلى تمويل، والتمويل يتأثر بسعر المال.

بهذا المعنى، لا تقف هرمز وإنفيديا على طرفي عالمين مختلفين كما قد يبدو في الأخبار اليومية. بينهما سلسلة اقتصادية متصلة، تبدأ من حركة الطاقة وتنتهي عند تكلفة الاستثمار في التكنولوجيا.

وهذه السلسلة تكشف شيئًا أكثر أهمية: كلما أصبح الاقتصاد أكثر اعتمادًا على شبكات عالمية معقدة، أصبحت نقطة الضعف في أي حلقة قادرة على التأثير في الحلقات الأخرى.

لم تعد الصدمة محلية بالضرورة، حتى عندما يكون مصدرها جغرافيًا محدودًا.

حين لا يعود الأرخص هو الأقل تكلفة

هذه التطورات تفرض إعادة النظر في مفهوم ظل يحكم الاقتصاد العالمي لعقود: الكفاءة.

كان تقليل التكلفة هدفًا منطقيًا في بيئة مستقرة. لماذا تحتفظ بمورد ثانٍ إذا كان المورد الأول أرخص وأكثر كفاءة؟ ولماذا تبني طريقًا إضافيًا إذا كان الطريق الحالي قادرًا على نقل الكميات المطلوبة؟ ولماذا تحتفظ بمخزون أكبر إذا كان السوق يستطيع توفير ما تحتاجه عند الطلب؟

لكن الأزمات المتتابعة كشفت أن لهذه الكفاءة ثمنًا خفيًا: الاعتماد.

فالمورد الأرخص قد يصبح عبئًا إذا توقف، والطريق الأقصر قد يصبح الأكثر تكلفة إذا أغلق، والمخزون المحدود قد يتحول من كفاءة مالية إلى أزمة تشغيلية، والتمويل الرخيص قد يبدو أقل جاذبية عندما يتغير سعر المال بسرعة.

ومن هنا بدأ مفهوم جديد يتسلل إلى قلب الحسابات الاقتصادية: تكلفة الانقطاع.

وهي تكلفة لم تكن تظهر بوضوح في الميزانيات عندما كانت الأسواق مستقرة، لكنها تصبح ضخمة عندما تتعرض سلسلة الإمداد لصدمة. عندها يمكن لمشروع بديل، كان يبدو غير ضروري، أن يتحول إلى أكثر الأصول قيمة.

لهذا فإن تنويع طرق نقل الطاقة ليس مجرد إجراء احترازي في مواجهة هرمز، كما أن ارتفاع عوائد السندات ليس مجرد مشكلة نقدية أميركية، كما أن مراقبة إنفيديا ليست مجرد رهانات على نتائج شركة تكنولوجية. هذه التطورات الثلاثة تعكس تحولا واحدًا في طريقة عمل الاقتصاد العالمي: المخاطر لم تعد هامشًا يضاف إلى الحساب في النهاية، بل أصبحت تدخل في الحساب منذ البداية.

وهنا يصبح الطريق الأطول أرخص بالفعل، لا لأن تكلفته انخفضت، وإنما لأن السوق بدأ يضع تكلفة الطريق الآخر في الحسبان.

فالطريق الذي يبدو الأرخص على الخريطة قد يحمل مخاطرة توقف لا تظهر في فاتورة النقل. ومشروع التكنولوجيا الذي يبدو الأكثر ربحية قد يحتاج إلى تمويل وطاقة بتكلفة أعلى مما كان متوقعًا. والدين الذي يبدو آمنًا قد يتطلب عائدًا أكبر إذا تغيرت نظرة المستثمرين إلى التضخم والمالية العامة.

بهذا المعنى، تعيد الجغرافيا السياسية كتابة جزء من المعادلة الاقتصادية من دون أن تغيّر قوانين الاقتصاد نفسها.

السوق ما زال يبحث عن الكفاءة، والشركات ما زالت تريد أقل تكلفة، والمستثمرون ما زالوا يبحثون عن أعلى عائد. لكن ما تغير هو أن المخاطر أصبحت جزءًا من تعريف الكفاءة والعائد والتكلفة.

ولهذا فإن التحولات الجارية حول مسارات الطاقة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها استجابة مؤقتة لتوترات إقليمية. إنها جزء من عملية أوسع لإعادة بناء الاقتصاد العالمي على افتراض أن الاستقرار لم يعد مضمونًا بالدرجة التي كان عليها.

وفي هذه المرحلة، لا تصبح قيمة الطريق في قصره فقط، ولا قيمة الاستثمار في عائده فقط، ولا قيمة التكنولوجيا في سرعتها فقط.

القيمة أصبحت مرتبطة بقدرة كل منها على الاستمرار عندما تتغير الظروف.

وربما هذه هي العلامة الأوضح على التحول الذي يمر به الاقتصاد العالمي: لم تعد الأسواق تسعّر ما يحدث فقط، بل بدأت تسعّر ما يمكن أن يحدث.

وعندما يدخل الاحتمال في السعر قبل وقوع الحدث، تصبح الجغرافيا السياسية جزءًا من الاقتصاد، حتى قبل أن تصل الأزمة إلى السوق.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

حين تبدأ الأزمات من الممرات وتنتهي في الأسواق

قد يبدو البحث عن مسارات جديدة لنقل الطاقة، كما يجري في النقاشات السعودية الفرنسية الأخيرة، مسألة لوجستية هدفها تأمين طرق...

من الحرف إلى الإنسان .. سراج في عتمة البيان

ليست كل الكلمات سواء؛ فبعضها يمر على الأسماع عابرا، ومنها ما يستقر في النفوس، وطائفة تتجاوز أثرها المباشر لتغير حياة...

المسيحيون صنعوا عروسة وحصان المولد هدية للمسلمين

في ذكرى المولد النبوي تعود بنا الذاكرة لآلاف السنين حيث استمد المصري موروثاته الشعبية من تاريخه العريق الذي استمر حيا...

" الإعلامي متعدد المهارات " الوظيفة الأغلى في سوق الإعلام الرقمي !

عندما وقع حادث غرق العبارة السلام 98 عام 2006، كان الخبر أكبر من مجرد حادث بحري مأساوي بل كان اختبارًا...