هناك أسماء تكتب في سجلات التاريخ، وهناك أسماء تحفر في وجدان الأوطان. والمرأة المصرية كانت دائما من هؤلاء الذين لا يطلبون المجد لأنفسهم، بل يمنحونه لوطنهم. حملت على عاتقها مسؤولية الأسرة، وصانت الهوية، ووقفت في الشدائد سندا للدولة، تؤمن أن قوة الوطن تبدأ من تماسك أبنائه، وأن الحفاظ عليه واجب لا يقبل التراجع.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
وعندما جاءت لحظة الثلاثين من يونيو، لم تتردد المرأة المصرية في الانحياز إلى وطنها. خرجت تحمل إيمانا راسخا بأن مصر تستحق أن تُحمى، وأن مستقبل أبنائها لا يمكن أن يُترك رهينة للفوضى أو محاولات اختطاف الدولة. لم تكن تبحث عن دور أو مكسب، بل أدت واجبا وطنيا سيظل شاهدا على أن المرأة المصرية كانت، وستبقى، أحد أعمدة هذا الوطن في أصعب لحظاته.
وفي ذكرى الثلاثين من يونيو، لا نستعيد فقط ذكرى ثورة استعادت الدولة المصرية، بل نستحضر أيضا حكاية امرأة آمنت بوطنها، وضحّت من أجله، ثم واصلت بعد ذلك رحلة البناء والعمل والإنجاز، لتؤكد أن حب الوطن ليس شعارا يُرفع، بل مسؤولية تُترجم إلى مواقف، وأن المرأة المصرية كانت وما زالت شريكا أصيلا في حماية الدولة وصناعة مستقبلها.
الثلاثون من يونيو.. نقطة التحول
لم يكن نزول المرأة المصرية إلى الشوارع والميادين في الثلاثين من يونيو 2013 حدثا عابرا، بل كان امتدادا لدورها الوطني عبر مختلف مراحل التاريخ. فقد أدركت أن ما تواجهه مصر لم يكن خلافا سياسيا عابرا، وإنما معركة للحفاظ على هوية الدولة الوطنية ومؤسساتها، وعلى مستقبل أجيال كاملة.
خرجت المرأة المصرية من المدن والقرى، ومن مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، لتقف جنبا إلى جنب مع الرجل، رافعة صوتها دفاعا عن الوطن، ورافضة كل محاولات تهميش دورها أو اختطاف هوية الدولة المصرية. كانت تؤمن أن الحفاظ على الدولة هو الضمان الحقيقي لحماية الأسرة والمجتمع، لذلك لم تتردد في تحمل مسؤوليتها الوطنية، لتصبح أحد أبرز مشاهد الثورة وأكثرها حضورا وتأثيرا.
ولم يكن دورها مقتصرا على المشاركة في الميادين، بل امتد إلى ترسيخ روح الانتماء داخل الأسرة، وغرس قيم الوطنية في نفوس أبنائها، لتؤكد أن المرأة المصرية كانت دائما خط الدفاع الأول عن المجتمع، وأن وعيها الوطني كان أحد أهم عوامل نجاح ثورة الثلاثين من يونيو.
لقد أثبتت تلك اللحظة التاريخية أن المرأة المصرية لم تكن يوما على هامش الأحداث، بل كانت دائما في قلبها، تشارك في صناعة القرار الوطني، وتدافع عن استقرار الدولة، وتقدم مصلحة الوطن على أي اعتبارات أخرى.
التمكين.. من الحلم إلى الواقع
بعد نجاح ثورة الثلاثين من يونيو وتولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة البلاد عام 2014، بدأت مرحلة جديدة من تمكين المرأة، اتسمت بالانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ، لتصبح المرأة شريكا رئيسيا في بناء الجمهورية الجديدة.
وجاء إعلان عام 2017 عاما للمرأة المصرية ليؤكد هذا التوجه، كما مثلت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030 إطارا شاملا لتعزيز دورها في مختلف المجالات، باعتبارها عنصرا أساسيا في تحقيق التنمية المستدامة.
وشهدت السنوات الماضية توسعا غير مسبوق في مشاركة المرأة في الحياة السياسية، حيث ارتفعت نسبة تمثيلها في مجلس النواب، وتزايد حضورها في مجلس الوزراء، كما تولت مناصب قيادية رفيعة داخل مؤسسات الدولة، وشغلت مواقع مؤثرة في السلطة التنفيذية والقضائية، في تأكيد واضح على أن الكفاءة وحدها هي معيار تحمل المسؤولية.
كما أصبحت المرأة حاضرة في مواقع صنع القرار، ليس باعتبارها رقما في معادلة التمثيل، وإنما شريكا حقيقيا في صياغة السياسات العامة، والمشاركة في إدارة الملفات الوطنية، وهو ما يعكس إيمان الدولة بقدرات المرأة وثقتها في دورها الوطني.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أولت الدولة اهتماما خاصا بتمكين المرأة، خاصة المرأة المعيلة، من خلال التوسع في برامج التمويل للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتوفير التدريب في مجالات ريادة الأعمال، والتكنولوجيا، والتسويق الرقمي، والحرف الإنتاجية، بما أتاح آلاف الفرص للنساء لتحقيق الاستقلال الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة أسرهن.
كما كان لمبادرة "حياة كريمة" دور بارز في تحسين جودة الحياة داخل الريف المصري، حيث استفادت المرأة من مشروعات التنمية، والخدمات الأساسية، وبرامج التدريب والتأهيل، لتصبح عنصرا فاعلا في تنمية مجتمعها المحلي.
وفي الجانب الصحي، شهدت المرأة اهتماما كبيرا من خلال المبادرات الرئاسية للكشف المبكر عن سرطان الثدي والأمراض غير السارية، إلى جانب برامج دعم صحة الأم والطفل، بما يعكس رؤية متكاملة تعتبر صحة المرأة أساسا لصحة الأسرة والمجتمع.
أما على المستوى التشريعي، فقد شهدت السنوات الأخيرة تعديلات مهمة لحماية حقوق المرأة، من بينها تغليظ عقوبات التحرش، وتشديد العقوبات على جرائم ختان الإناث، وضمان حصولها على حقوقها القانونية، إلى جانب مواجهة مختلف صور العنف، في إطار بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافا.
ولعب المجلس القومي للمرأة دورا محوريا في هذه المسيرة، من خلال حملات التوعية، وبرامج الدعم القانوني والاجتماعي، وتأهيل السيدات لسوق العمل، وتعزيز ثقافة المشاركة، بما أسهم في ترسيخ مكانة المرأة داخل المجتمع.
شريك الوطن والمستقبل
بعد أكثر من ثلاثة عشر عاما على ثورة الثلاثين من يونيو، تؤكد المرأة المصرية أن دورها لم ينتهِ بانتهاء الثورة، بل بدأ معها فصل جديد من العمل والعطاء. فقد أصبحت شريكا أساسيا في مسيرة التنمية، وحاضرة في مواقع القيادة، وفي المشروعات القومية، والجامعات، والمستشفيات، والمصانع، ووسائل الإعلام، وفي كل موقع يسهم في بناء الجمهورية الجديدة.
ورغم ما تحقق من إنجازات حتى عام 2026، فإن مسيرة تمكين المرأة لا تزال مستمرة، فالتحديات تتجدد، والطموحات تكبر، وهو ما يتطلب مواصلة العمل لتعزيز مشاركة المرأة في الاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال، والصناعات المتقدمة، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، واستكمال الجهود الرامية إلى القضاء على جميع أشكال التمييز والعنف.
لقد أثبتت التجربة المصرية أن الاستثمار في المرأة هو استثمار في مستقبل الوطن، وأن المجتمعات التي تمنح المرأة فرصتها الكاملة هي الأكثر قدرة على تحقيق التنمية والاستقرار ومواجهة التحديات.
وفي ذكرى الثلاثين من يونيو، لا نحتفي فقط بذكرى ثورة أعادت للدولة المصرية قوتها واستقرارها، بل نُحيي أيضا ذكرى المرأة المصرية التي وقفت في لحظة فارقة من تاريخ الوطن، واختارت الانحياز إلى مصر، ثم واصلت بعد ذلك دورها في البناء والإنتاج وصناعة الأمل.
فالمرأة المصرية لم تكن يوما مجرد نصف المجتمع، بل كانت دائما قلبه النابض، وحارسة هويته، وسند دولته في أوقات الشدة. وما بين تضحيات الأمس وإنجازات اليوم، تواصل المصرية كتابة فصول جديدة من العطاء، لتبقى بحق حكاية وطن لا تغيب، ورمزا خالدا للإرادة والانتماء، وشريكا لا غنى عنه في بناء حاضر مصر وصناعة مستقبلها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هناك أسماء تكتب في سجلات التاريخ، وهناك أسماء تحفر في وجدان الأوطان. والمرأة المصرية كانت دائما من هؤلاء الذين لا...
هناك جملة تتكرر في حياة كثير من الناس أكثر مما يلاحظون: "سأرتاح عندما..." سأرتاح عندما أتخرج. سأرتاح عندما أجد وظيفة...
في رقعة المونديال، تتدحرج الكرة فوق البساط الأخضر، ومعها خرائط النفوذ، وذاكرة الأمم، وأحلام المدن التي قطعت دروب التصفيات، حتى...
ليست كل الأزمات الاقتصادية تولد من داخل الأسواق، كما أن الانهيارات الكبرى لا تبدأ دائمًا بانهيار بنك أو إفلاس مؤسسة...