صاحب السعادة .. والقميص الأحمر

من الكانجرو إلى التانجو

ليس للسعادة عنوان ثابت، ولا تعرف طريقا واحدا إلى القلوب. فهي تعشق الترحال؛ تطرق أبواب المدن حينا، وتجلس فوق شرفات البيوت حينا آخر، ثم تمضي بعدما تترك عبيرها إلى وجهة أخرى. غير أنها، في بعض الليالي النادرة، لا تزور بيتا ولا مدينة، بل تختار وطنا بأكمله، فتوزع على وجوه أبنائه ابتسامة واحدة، تتقاسمها ملايين القلوب في اللحظة ذاتها.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

 

هكذا كانت مصر في ليلتها الثالثة من يوليو؛ ليلة تحمل في الوجدان المصري ذكرى خالدة، كتب لها قبل ثلاثة عشر عاما أن تنتشل وطنا من حافة المجهول، وتعيد بوصلته إلى الطريق الصحيح. وفي الليلة ذاتها، دخل صاحب السعادة الميدان. لم يكن في الملعب من يحمل هذا الاسم، لكن كل من تابع الفراعنة أدرك أن هذا اللقب مرتديا القميص الأحمر، يركض فوق العشب بثقة الجادين، ويكتب بأقدامه رسالة جديدة إلى العالم، عنوانها أن الأحلام الكبيرة لا تقاس بالأرقام، ولا تختزل في التوقعات، وإنما تولد كلما قرر رجال أن يصنعوا ما يظنه الآخرون بعيد المنال.

وهنا، همس منتخبنا في أذن التاريخ بأن العبور قرار لا يعرف التردد، وأن هيبة القميص الأحمر لا تذوب في صقيع التوقعات، ولا تنحني أمام صخب الترجيحات.

قبل اللقاء، علت أصوات كثيرة تردد أن أستراليا أقرب، وأن الكفة تميل إليها بما تملكه من قوة بدنية وخبرة، وزادت تصريحات المنافس منسوب الشك في نفوس الكثيرين، حتى خيل للبعض أن المغامرة المصرية قد بلغت محطتها الأخيرة، وأن مجرد الوصول إلى هذا الدور يكفي ليدون في سجلات التاريخ. امتلأت الطاولات بالحسابات، واستندت التوقعات إلى أرقام جامدة، حتى بدا كأن المباراة كتبت قبل أن تبدأ.

لكن كرة القدم، تلك الساحرة التي لا تحفظ دروس الأمس، ولا تعترف بالأحكام المسبقة، ابتسمت لأولي العزم، وبعثرت تلك الأوراق في مهب الريح، لتؤكد أن العشب لا يقرأ ما كتب، بل يحفظ آثار الخطى الصادقة التي جالت فوق بساطه.

لقد قرر أبناء النيل، الذين جمعوا بين صلابة الصخور ورقة الماء، أن يجعلوا من التشكيك وقودا يشعل جذوة التحدي ، ومن الضغوط طريقا إلى المجد، فكتبوا فصلا استثنائيا في ديوان الكرة المصرية، ومحوا بإصرارهم كلمة "المستحيل". فإذا بالمونديال يفتح بابا جديدا للحلم، ويمنح مصر جواز المرور إلى دور الستة عشر، لتقف على موعد مع صفحة أخرى من صفحات التاريخ.

لم تكن أستراليا خصما عابرا، ولا كان الطريق لتجاوزها سهلا. إذ جاءت إلى الموعد محملة بثقة صنعتها التوقعات، أما مصر، فلم تحمل معها إلا ما يكفي لخوض معركة لا تعرف أنصاف الحلول؛ رجال يحملون ذاكرة أمة وحلمها، وأحد عشر لاعبا آمنوا بأن الملعب وحده يملك حق إعلان الحقيقة.

رأسية عانقت التاريخ

لم يحتج الفراعنة إلى كثير من الوقت حتى أعلنوا أن لهم رأيا آخر؛ ففي الدقيقة الثالثة عشرة، بدأت الحكاية من الجهة اليسرى، حين تقدم كريم حافظ بثقة العارف أن بعض الكرات لا بد لها أن ترسل إلى منطقة الجزاء، ليطلق عرضية متقنة قطعت الهواء، وكأنها تعرف وجهتها منذ اللحظة الأولى. وهناك، باغت إمام عاشور الجميع، كأنما أراد أن يسبق الكرة إلى المجد، فاستقبلها برأسية بديعة استقرت في الشباك الأسترالية.

لم يكن ذلك الهدف هدفا عاديا، كان إعلانا بأن مصر جاءت لتكتب فصلا جديدا في التاريخ، لا لتقرأ ما سطره الآخرون. لقد اهتزت مع الشباك سجلات كاملة من الانتظار؛ إذ دون عاشور اسمه بوصفه صاحب أول هدف مصري في الأدوار الإقصائية للمونديال، واضعا بصمته على صفحة لم تفتح من قبل، ليصبح في جعبته هدفين، لا يفصله عن رصيد محمد صلاح التاريخي سوى هدف وحيد. وبجانبه، حفر كريم حافظ اسمه شريكا في ميلاد تلك اللحظة، بتمريرة استحقت أن تحفظ في الذاكرة، تماما كما حفظت الرأسية التي أكملتها.

اهتزت المدرجات، ومعها ضجت الساحات في كل شبر من أرض العرب؛ لم تهتز الشباك وحدها، بل اهتز معها جدار كامل من الشكوك بدأ يتصدع مع كل دقيقة تمضي. ازدادت المباراة اشتعالا، وبينما حاولت أستراليا استعادة توازنها، ظل المنتخب المصري محافظا على تقدمه بثقة وانضباط؛ فبين صلابة الدفاع بقيادة رامي ربيعة، وياسر إبراهيم، وإلى جوارهما محمد هاني، وكريم حافظ الذين يغلقون المساحات بإحكام.

وفي الوسط، نسج حمدي فتحي ومروان عطية وإمام عاشور ومصطفى "زيكو" خيوط الاتزان وهدوء الاستحواذ، فبدا المنتخب قادرا على الجمع بين شجاعة التقدم وحكمة التراجع متى استدعت المباراة ذلك. بينما في المقدمة، ظل محمد صلاح وعمر مرموش يتربصان بالمرتدات، يترقبان لحظة الحسم كلما لاحت في الأفق فرصة.

كرة تبتسم للكانجرو

غير أن المباريات الكبرى لا تمنح أبطالها نهايات سهلة؛ فقد كان الهدف المبكر كافيا ليمنح مصر أفضلية النتيجة، لكنه لم يكن ليمنحها رفاهية الاطمئنان. فقد أدرك الأستراليون أن الوقت لا يعمل لصالحهم، فاندفعوا إلى الأمام، باحثين عن ثغرة في جدار مصري بدا أكثر تماسكا مع كل دقيقة تمضي.

هنا، بدأت المباراة تخلع ثوبها الهادئ، وترتدي ملامح المعارك الكبرى. توالت المحاولات، وتعاقبت الكرات، واشتدت الالتحامات، بينما كان مصطفى شوبير حاضرا كلما نادته اللحظة، يلتقط كرة هنا، ويبعد أخرى هناك، فيطمئن القلوب بأن خلف هذا الدفاع حارسا يعرف أن بعض المباريات لا تحرس بالقفازات وحدها، وإنما بثبات القلب قبل يقظة العين، يتعامل مع الكرات بثقة تجعل الأماني مصانة.

إلا أن كرة القدم، التي تمنح بيد، كثيرا ما تختبر بيدها الأخرى. فمع الدقيقة الخامسة والخمسين، أرسلت أستراليا كرة عرضية داخل منطقة الجزاء، عاندت صاحبها قبل أن تعاند مصر، فتحولت بلمسة غير مقصودة من محمد هاني إلى الشباك المصرية، معلنة هدف التعادل، ومعيدة المباراة إلى نقطة البداية.

كانت لحظة قاسية، كفيلة بأن تهز القلوب وتلوح بسرقة الحلم، لا لأنها أعادت اللقاء إلى نقطة الصفر فحسب، بل لأنها جاءت من لاعب يقدم واحدة من أكثر مبارياته التزاما وانضباطا. غير أن رجال المنتخب كانوا يدركون أن الكبرياء الحقيقي لا يقاس بما يحدث للمرء، وإنما بالطريقة التي ينهض بها بعد أن يتعثر.

ولم يسمح هاني لتلك الكرة أن تصبح عنوانا للمباراة، بل واصل أداءه بثبات يحسد عليه، متماهيا مع زملائه الذين اتفقوا على أن الخطأ الفردي لا يكسر شوكة جماعة عقدت العزم على القتال.

بدا وكأن ذلك الهدف العكسي لم يطفئ جذوة الحلم، وإنما زادها اشتعالا، فتحولت الدقائق التالية إلى ملحمة كتبت سطورها بالعرق قبل الأقدام. تبادل الفريقان المحاولات في صراع مفتوح، إلا أن رجال مصر ازدادوا تماسكا كلما اشتدت العاصفة، وأصروا على أن يكتبوا النهاية بأيديهم، لا أن يتركوها لكرة ضلت طريقها. فغدت المباراة اختبارا للأعصاب، وإلى منافسة بين إرادتين؛ إحداهما أرادت أن تفرض منطق التوقعات، والأخرى أصرت على أن التاريخ لا يكتب إلا بمن يملكون الشجاعة لتغييره.

كان الزمن يقاس بعدد النبضات التي خفقت بقلوب المصريين والعرب مع كل كرة اقتربت من إحدى المنطقتين، وكأن التاريخ وقف على أطراف أصابعه، ينتظر من يجرؤ على كتابة سطره التالي.

شطرنج العشب .. قراءات تعيد رسم الملامح

مع دخول اللقاء منعطفه الأصعب، أدرك المدير الفني، العميد حسام حسن، أن المباراة بدأت تستنزف قوى رجاله، وتختبر قدرتهم على مواصلة الركض خلف الحلم. وحين شعر أن رقعة العشب تحتاج إلى رؤية مغايرة، قرر ــ بهدوء الواثق، لا بعجلة القلق ــ أن يضخ في جسد الفريق دماء جديدة تبعث فيه الحياة، تباغت المنافس وتربك حساباته.

ففي الدقيقة السابعة والستين، غادر حمدي فتحي ومصطفى "زيكو"، ودخل حسام عبد المجيد وهيثم حسن. ولم يكن ذلك تبديلا في الأسماء بقدر ما كان قراءة واعية للمباراة، وإعادة رسم لخريطتها؛ فسرعان ما فرض هيثم حسن حضوره على الرواق الأيمن، وراح ينسج القلق في الدفاعات الأسترالية بانطلاقاته ومراوغاته، بينما أضفى حسام عبد المجيد صلابة إضافية على المنظومة الدفاعية، فعادت المسافات بين الخطوط أقصر، واستعاد المنتخب اتزانه في أكثر لحظات المباراة احتياجا إلى الهدوء، فمنح القادمون الجدد زملاءهم طاقة إضافية لتحمل أعباء مباراة أخذت تلتهم الأنفاس قبل الأقدام.

ولم يتوقف القائد عند تلك النقلة. فمع اقتراب الوقت الأصلي من نهايته، منح الجبهة اليسرى روحا جديدة بدخول محمود حسن "تريزيجيه" بدلا من كريم حافظ، بعد أن كان الأخير قد أدى دوره على أكمل وجه، بصناعة هدف التقدم. وجاء تريزيجيه ليواصل الضغط، ويحافظ على الحيوية في طرف الملعب، وكأن الرسالة كانت واضحة: لا مكان للإرهاق في مباراة يكتب فيها التاريخ.

ومع امتداد اللقاء إلى شوطيه الإضافيين، واصل المدرب قراءة رقعة الشطرنج بعين لا تغفل عن التفاصيل. ففي الدقيقة الخامسة بعد المئة، دفع بالفتى حمزة عبد الكريم بدلا من عمر مرموش، ليبقي الدفاعات الأسترالية في حالة استنفار حتى اللحظات الأخيرة.

وقبل أن يغلق الحكم دفتر المبارة بثوان معدودة، خرج مروان عطية، ودخل محمود صابر في الدقيقة الأولى من الوقت المحتسب بدل الضائع للشوط الإضافي الثاني. لم يكن تبديلا عابرا، بل كان قرارا يحمل في طياته كثيرا من الثقة والبصيرة، فقد احتاجت مصر إلى أقدام شابة وقلوب ثابتة قبل الامتحان الأخير، ولم يخذل محمود صابر ثقة مدربه، ليكون لاحقا أول الرجال الذين كتبوا بأقدامهم سطور التأهل في ركلات الترجيح.

وهكذا، لم تكن تبديلات حسام حسن مجرد تغيير للأسماء، بل كانت نقلات محسوبة على رقعة الشطرنج الخضراء؛ كل قطعة تحركت في توقيتها، لتمنح مصر أفضلية لم تظهر على لوحة النتيجة، لكنها بدت جلية في ميزان الثبات والصمود.

انقضت الدقائق التسعون، تلتها الثلاثون الإضافية؛ ومع كل دقيقة كان التعب يختبر الأعصاب كما يثقل الأجساد، بينما كانت عزائم الرجال تزداد صلابة، إيمانا بأن الطريق إلى التاريخ لا يعبَد بالسهولة، وإنما يرصف بالصبر.

وحين أطلق الحكم صافرته بعد مئة وعشرين دقيقة من الصراع، دون أن تنجح الكرة في ترجيح كفة أحد، لم يبق أمام الفراعنة سوى الاختبار الذي لا يعترف إلا بالشجعان، ولا يرحم المترددين، بل ينحني فقط أمام أصحاب القلوب الهادئة .. ركلات الترجيح .. الأمتار الأخيرة نحو التاريخ.

أقدام لا ترتجف .. تحطم جدار الشك ولا تخون أصحابها

لم تعد الكرة تبحث عن أقدام أكثر مهارة، ولا عن خطط أكثر إتقانا؛ فقد انتهى زمن التكتيك، وبدأ زمن القلوب. وقف اللاعبون في دائرة الوسط، يلتقط كل منهم أنفاسه الأخيرة، بينما كانت المدرجات ــ ومن قبعوا أمام الشاشات ــ يلتقطونها معهم في ترقب مشوب بالرجاء. وفي تلك اللحظات، ارتفعت الأكف بالدعوات في بيوت المصريين، وساحات المدن العربية.

بعد ترتيب الأدوار وقراءة فاتحة الكتاب، كانت المسافة إلى علامة الجزاء ــ على بعد أحد عشر مترا ــ تبدو قصيرة على الورق، لكنها في الحقيقة كانت أطول الطرق إلى التاريخ. تقدم محمود صابر أولا، وكأنه يحمل في خطواته هدوء من لم يعرف للخوف طريقا، فأودع الكرة الشباك بثقة أراحت القلوب، وفتحت الباب أمام زملائه.

ثم تلاه رامي ربيعة، فأثبت أن الرجال هم من يتركون بصماتهم حين تضيق المساحات. وعكس كل المؤشرات التي تنبئ بأن صاحب الركلة الأخيرة معروف، جاء الملك محمد صلاح ثالثا، ليمنح الطمأنينة ويربك الخصم؛ هو لم يحتج إلى تقديم نفسه، فالكبار يعرفون كيف يصادقون اللحظات التي يخشاها الآخرون. تقدم بخطوات هادئة، ووضع الكرة حيث أراد لها، وكأن الشباك كانت تحفظ موعدها معه.

ثم جاء حسام عبد المجيد؛ ورغم ما انتاب البعض من شكوك لسابقة إهداره لضربات حاسمة مع فريق ناديه، إلا أن قميص المنتخب كان شأنا آخر. ذاك الذي دخل المباراة في منتصفها، إذا به يشارك في كتابة خاتمتها السعيدة، تقدم بثبات لافت، وكأنه يمحو بتلك الركلة كل ريب، وأرسل كرته إلى الشباك، لتكتمل الرباعية المصرية التي لم تعرف طريقا إلى الإخفاق.

وعلى الجانب الآخر، تلاشت ثقة أستراليا مع إهدار ركلتين، لتدرك أن ركلات الترجيح ليست تسديد، بل اختبار للأعصاب قبل الأقدام. بهذا، سقطت كل الحسابات التي سبقت المباراة، وارتفعت أكف الحمد التي أمضت دقائق الانتظار بالدعاء، وتعانقت القلوب قبل الأجساد؛ فمصر قد ربحت موعدا كانت تنتظره منذ أمد بعيد.

لم يكن ذلك انتصارا بأربعة أهداف مقابل اثنين في ركلات الترجيح فحسب، بل كان انتصارا للإيمان على الشك، وللرجال الذين صانوا الحلم المصري في قلوبهم. تأهل منتخب مصر إلى دور الستة عشر للمرة الأولى في تاريخه، وتأهلت معه ذاكرة شعب كامل إلى فصل جديد من فصول الفخر.

وطن يرتدي علمه .. وكرة تخاطب القلوب

لم يكن أول من انفجر فرحا لاعبا في الملعب، ولا مشجعا في المدرجات، بل كان وطنا بأكمله. فما إن عانقت ركلة عبد المجيد الشباك، حتى خرجت مصر من حدود المستطيل الأخضر إلى رحابة القلوب. تعانقت المدن قبل الناس، وارتفعت الأعلام فوق الشرفات، وتحولت البيوت والمقاهي والساحات إلى لوحة واحدة؛ لا تكاد تميز فيها بين طفل يقفز فرحا، وشباب يجوبون الميادين وهم يلوحون بالرايات، وسيدة تطلق الزغاريد، وشيخ اغرورقت عيناه بدموع حلم انتظره عمرا كاملا فصار حقيقة.

غير أن الحكاية لم تتوقف عند ضفتي النيل؛ فما إن انطلقت صافرة النهاية، حتى تلاحمت منصات التواصل بفيض من مشاعر العرب من الخليج إلى المحيط؛ تشاركوا الدعاء قبل الركلات، وتقاسموا الفرح بعدها. بدت الهتافات متشابهة، والقلوب تخفق بالإيقاع نفسه، حتى خيل للناظر أن الحدود الجغرافية قد تراجعت خطوة إلى الخلف، لتتقدم هوية واحدة اسمها "فرحة العرب". لم يعد القميص الأحمر في تلك الليلة لونا لمنتخب يمثل دولة بعينها، بل غدا راية لفرحة عابرة للخرائط، أثبتت أن كرة القدم ــ حين تلامس وجدان الشعوب ــ تصبح لغة لا تحتاج إلى من يعيها، وأن الانتصارات الكبرى تقاس بعدد القلوب التي تنبض لها في اللحظة ذاتها.

إلا أن المشهد الأبلغ يأتينا من داخل أرض الملعب؛ فبينما كانت الكاميرات تلاحق أفراح اللاعبين، اختار العميد أن يترك صورة ستبقى عالقة في الذاكرة، حين نزل إلى الميدان متوشحا بعلم فلسطين بجوار العلم المصري. مشهد لا يحتاج إلى خطاب يفسره، ولا إلى كلمات تشرح مقاصده؛ فبعض الصور تطوي من البلاغة ما تعجز عنه الخطب، وبعض الرموز تعرف طريقها إلى القلوب دون استئذان. فاجتمع في تلك الليلة فرح التأهل، وصدق الانتماء، ورسالة إنسانية نبيلة، لتؤكد أن الرياضة حين تسمو، تستطيع أن تجمع بين بهجة الانتصار ووفاء الوجدان.

ويبقى للسعادة موعد آخر

لم ينته الحلم، بل انطوت صفحة منه، لتفتح أخرى أكثر اتساعا. فلم تعد مصر ذلك المنتخب الذي جاء باحثا عن مشاركة تضاف إلى سجلاته، أو ذكرى جميلة يعود بها، بل أصبحت بطلا من أبطال الحكاية؛ واحدا من ستة عشر منتخبا واصلوا الرحلة، بعد أن كتب الفراعنة فصلا لم يعرفه تاريخ الكرة المصرية من قبل، فصلا توقف العالم طويلا لقراءته قبل أن يطوي صفحاته.

والآن.. تتوق الملايين إلى موعد جديد مع التاريخ. ففي السابع من يوليو، عند الساعة السابعة مساء، وعلى أرض ملعب مدينة "أتلانتا" في ولاية "جورجيا"، سيكون اللقاء مع راقصي التانجو. إنها مفارقة آسرة، وكأن الأقدار أرادت أن تزين الحكاية بلغة الأرقام؛ السابع من الشهر السابع .. عند الساعة السابعة. ومن يدري..؟ لعل القدر لا يكتفي بـ "السبعات الثلاث"، بل يمنح مصر بطاقة العبور، وشرف أن تكون الحلقة السابعة في كوكبة المتأهلين الثمانية إلى ربع النهائي.

وحينها، لن يكون الرقم "سبعة" مجرد مصادفة، بل رمزا لحكاية كتبها الإيمان قبل أن تكتبها الأرقام، ولا ينسج خيوطها إلا القدر حين يبتسم للشجعان.

إن "ليونيل ميسي" ورفاقه، الذين ظنوا أمام الرأس الأخضر أنهم في نزهة كروية، وجدوا أنفسهم يخوضون معركة استنزفت قواهم، وكادت مساعيهم للحفاظ على اللقب أن تهوي تحت أقدام لم تعهد البطولة من قبل. حينها فقط، أيقنت الأرجنتين أن المونديال لا يعترف بالأسماء ولا بتاريخ الأبطال، وإنما بمن يصمد حتى النفس الأخير. ولعلها، قبل مواجهة مصر، ستعيد ترتيب أوراقها جيدا، خشية أن تتجرع من الكأس ذاتها التي لا تزال مرارتها عالقة في حلقها.

أما الفراعنة، فقد أثبتوا أنهم لا يهابون الأسماء الكبيرة، وأنهم كلما ضاقت الدروب، اتسعت في صدورهم مساحات الإيمان. فمن أحرج بلجيكا، وقهر نيوزلاندا، وأرهق إيران، وتجاوز أستراليا، فأسقط كل التوقعات، يملك كل الحق في أن يحلم بمواصلة الرحلة، وأن يقف أمام بطل العالم بعين لا تعرف الانكسار، وقلب لا يعترف إلا بمحاولة كاملة حتى اللحظة الأخيرة. لقد علمنا هذا المنتخب أن الأمم ــ كما المنتخبات ــ تبلغ غاياتها حين تؤمن أولا بأنها قادرة على بلوغها.

فامضوا كما عهدناكم؛ متواضعين عند الانتصار، شجعانا عند الشدائد، مؤمنين بأن أسماء المنافسين لا تحسم المباريات، وأن التاريخ لا يفتح أبوابه إلا لمن يجرؤون على طرقه. قلوب الملايين ستكون معكم، ودعوات المصريين والعرب، ستعبر البحار إلى أتلانتا، لا تحمل إلا رجاء واحدا: أن تواصلوا كتابة هذه الحكاية الرائعة.

فإذا كانت السعادة قد اختارت مصر وطنا لها في الثالث من يوليو، فإننا ندعو الله أن تجد في مساء السابع منه سببا جديدا لتؤجل رحيلها؛ فالحكايات العظيمة لا تنتهي عند أول معجزة .. بل تبدأ منها. أما صاحب السعادة، فقد تجاوز مرحلة البحث عن التصفيق؛ وتركه خلفه يتردد في كل شارع عربي، ومضى في طريقه، يحمل رايته، ليطرق بابا أكبر.

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام

المزيد من مقالات

صاحب السعادة .. والقميص الأحمر

ليس للسعادة عنوان ثابت، ولا تعرف طريقا واحدا إلى القلوب. فهي تعشق الترحال؛ تطرق أبواب المدن حينا، وتجلس فوق شرفات...

دروس في الاعلام في ذكرى ثورة 30 يونيه !

أدعو أبنائي من شباب الإعلاميين إلى أن يقرأوا ويدرسوا جيدا كيفية كان التعامل الإعلامي المهني مع الأحداث التي وقعت في...

المبانى التراثية وتجارب عالمية وإقليمية ومحلية ناجحة

المباني التراثية بمصر هي المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز أو المرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو التي تمثل...

كيف اخترع الإنسان القديم.. الآلهة؟

حين نظر الإنسان إلى السماء لأول مرة.. قبل أن تُبنى المعابد، وقبل أن تُكتب الأساطير على ألواح الطين، وقف الإنسان...