تستحق اللقب عن جدارة .. أم كلثوم صوت مصر

حنجرة أم كلثوم تحتوى على 3 أنواع من الصوت: النسائى الغليظ «ألترو» .. والمتوسط «ميتزو سبرانو » والرفيع «سبرانو» الكثير من المطربات والمطربين أعادوا أداء أغانيها وحققوا بها بعض النجاح لكن ظل التفوق الأكبر منسوبًا لسيدة الغناء العربى كل من سافر إلى الخارج وخاصة خارج المنطقة العربية يعلم جيدًا ماذا يعنى صوت «كوكب الشرق» لأى مغترب رغم القوة المفرطة لصوتها إلا أنه كان أيضًا مكتمل المرونة والليونة

اختلفت الآراء فى بعض الأحيان حول شخصية ومقومات من يستحق لقب صوت مصر، وعلى مدار سنوات طويلة دار هذا السجال والكل دافع باستماتة عن وجهة نظره، وضمت المنافسة أصواتا قديمة وأخرى حديثة، واختلفت حيثيات هذا اللقب ومن يستحقه لكن من وجهة نظرى سيظل لقب "صوت مصر" محجوزًا باسم كوكب الشرق وبلا منازع.

نحن فى مقام أم كلثوم، صاحبة الكرامات الفنية الخارقة للعادة التى امتلكت فراسة موسيقية واجتماعية لا قبل لنا بها من قبل، فحققت نجاحات لم نر مثلها حتى الآن، فعند الحديث عنها يجب أن نعى تمامًا أننا أمام ظاهرة مختلفة كليًا لا يمكن مقارنتها بأى فنان أو فنانة أخرى ليس فى مصر أو على مستوى العالم العربى فقط بل على مستوى العالم أيضًا فهذه السيدة قلما يجود الزمان بمثلها.

أسباب كثيرة لا تعد ولا تحصى تجعل أم كلثوم تجلس على عرش لقب «صوت مصر»، ورغم أنها حاصلة على عدة ألقاب أخرى مثل «كوكب الشرق»، «الهرم الرابع»، «عندليب القاهرة«، إلا أن لقب «صوت مصر» سيظل هو اللقب الأهم والأفضل والأعلى دائمًا وذلك بسبب اقترانه باسم «أم الدنيا» مصر.

الفنان أو الفنانة التى تحصل على لقب «صوت مصر» يجب أن تتوفر فيها مقومات شديدة الخصوصية وتفاصيل دقيقة لا يمكن التغاضى عن أى تفصيلة فيها، مع ضرورة الوضع فى الاعتبار أن كوكب الشرق أكبر من أن نقحمها فى أى مقارنة مع آخرين مهما كانت أسماءهم.

من يتصدى لتحليل وتفسير الحالة الغنائية الكلثومية سيكتشف أنها حصلت على الدرجة الكاملة فى كل التفاصيل الفنية والشخصية، مثل الصوت والكاريزما والقبول وقدرتها على اختيار أغانيها بالإضافة إلى دأبها وتفانيها فى عملها وقدرتها على إضافة لمساتها الخاصة على إنتاجها الفنى علاوة على تأثر الجمهور بها داخليًا وخارجيًا.

 الموهبة وجودة الصوت

حنجرة كوكب الشرق كانت فى حد ذاتها معجزة إلهية قد لا تتكرر مرة أخرى فقد كانت هذه الحنجرة هى إحدى الهبات التى منحها الله لمصر، فقد كان صوتها يفوق الأصوات الطبيعية، ويعلو عن الطبيعة البشرية لذلك كانت تضع جمهورها تحت سحرها وسيطرتها وسطوتها طوال مدة غنائها.

صوت «الست» كان بمثابة الإعجاز الفذ كأنه صوت مرسوم بطريقة هندسية يبهر من يسمعها وهذا يفسر قدرتها على أداء كل الجمل الغنائية الصعبة بشكل استطاعت معه أداء الزخرفات والتحليات الغنائية التى كانت تؤديها بشكل يصل إلى حد الإعجاز.

أقيمت فى القاهرة سنة 1975 تجربة علمية على آلات إلكترونية لقياس مدى النظافة والنشاز فى الأصوات الغنائية المصرية المعروفة وكانت النتيجة مذهلة، فبعد قياس الكثير من أغنياتها تبين أن نسبة نشاز صوت أم كلثوم لا يتعدى فى أقصى حالاته نسبة واحد فى الألف من البعد الطنينى الكامل.

رغم القوة المفرطة فى صوت أم كلثوم إلا أنه كان أيضًا مكتمل المرونة والليونة خاصة فى الانتقال بين المقامات الموسيقية بحرفية عالية، ومن أدلة هذا الإعجاز الإلهى أن مساحتها الصوتية كانت تبلغ 3 أوكتاف وهو 3 أضعاف الأصوات العادية.

فى تحليله لصوت كوكب الشرق يقول الدكتور طه محمد عبدالوهاب، خبير الأصوات والمقامات: «صوت أم كلثوم كان يحتوى على 3 أنواع من الصوت النسائى، الغليظ «ألترو«، والمتوسط  «ميتزو سبرانو«، والرفيع «سبرانو» وكل إنسان لديه حبلان صوتيان وطول كل حبل من 17 إلى 22 مم، وكانت أحبالها الصوتية من أطول هذه الأنواع«.

يقول الموسيقار سليم سحاب عن صوت أم كلثوم: «إذا عرفنا أن أقصى ما يمكن أن تميزه الأذن البشرية هو واحد على تسعة من الطنين الكامل، أدركنا أن الدقة فى حنجرة أم كلثوم تصل حد الإعجاز البشرى بالمعنى العلمى للكلمة«، متابعًا: «فى أغنية يا ظالمنى وتحديدًا عند كلمات عشان تعطف على يوم، كيف تزخرف كلمة عشان عند الوصول بالارتجال إلى نغمة الهزام، هذه الزخرفات صعبة حتى على آلة طيعة مثل الكمان فكيف بالصوت البشرى«.

الموسيقار محمد عبد الوهاب صاحب الباع الموسيقى الطويل وله تجارب ثرية فى التلحين لأم كلثوم والتعامل مع صوتها عبر ألحان عديدة مختلفة تضمنت كل ألوان الغناء العربى امتدح صوت كوكب الشرق فى لقاء إذاعى قائلًا:«صوت نادر كان يتمتع بمزايا عديدة، تكفى كل مزية منها لتجعل من صاحبتها مطربة عظيمة، فكيف إذا اجتمعت هذه المزايا لصوت واحد.

 التأثير

تأثير كوكب الشرق ونجوميتها تخطت كل الحواجز فلم تكن مجرد مطربة ناجحة فى تاريخ الغناء المصرى والعربى، بل امتلكت تاريخا طويلا من الفن استطاعت من خلاله أن تسطر لنفسها مكاناً فى نفوس كل المحبين والعاشقين لفنها من المحيط إلى الخليج.

أثبتت «الست» أن الغناء ليس مجرد صوت جميل أو قوى وإلا لتحول الملايين إلى مطربين يمتهنون الغناء، فالصوت الجميل هو اللبنة الأولى فى طريق الغناء وليست الأساسية لكن هناك تفاصيل أخرى كثيرة يتم وضعها فى الاعتبار.

لصوت أم كلثوم وقع خاص على مستمعيها ومريديها، فأغانيها أثرت على الشارع العربى من أكبر مسئول إلى أصغر عامل وطالب، فهذا الصوت المصرى الخاص أزال الفوارق بين الطبقات الاجتماعية فى العالم العربى.

الحفلات الشهرية الخاصة بكوكب الشرق التى كانت تقام فى ليلة الخميس وتذاع على الهواء مباشرة كانت بمثابة «جامعة للشعوب العربية» على مدار أكثر من أربعين عامًا حيث كان تعداد جمهورها الإذاعى بالملايين من جميع أنحاء الشرق الأوسط ودول العالم ومازال عدد مستمعى تسجيلاتها يزدادون سنويًا بالملايين حتى الآن.

 بنت مجتمعها

أهم ما يميز كوكب الشرق ويجعلها الصوت المعبر عن أم الدنيا هى انتماؤها وانحيازها الدائم لأبناء مجتمعها ووطنها فقد كانت تشبه السواد الأعظم من أبناء النيل فى النشأة والملامح والصفات والتربية فقد كانت مصرية بنسبة 100%.

ولدت «الست» فى قرية ريفية صغيرة قرب مدينة المنصورة تسمى «طماى الزهايرة»، وأمها هى فاطمة المليجى علمت ابنتها العزة والكرامة والصمود والاستقلال والإيمان أما والدها فهو الشيخ إبراهيم البلتاجى إمام مسجد القرية.

هذه النشأة الريفية البسيطة جعلتها ذات طبيعة مصرية خالصة لا سيما أنها بدأت الغناء وهى فى الثالثة عشرة من عمرها مع فرقة أبيها المتجولة فى القرى والأرياف ـ سيرًا على الأقدام وفى بعض الأوقات كانوا يستخدمون الحمير ــ كمنشدة للتواشيح الدينية والقصائد، وكانت ترتدى زى صبى ومتشحة بعقال على رأسها.

من يتمعن فى ملامح وجه «الست» يرى فيها مصر وناسها الطيبين المكافحين، ورغم شهرتها وتفوقها إلا أنها لم تحاول التنصل من ذلك أو ادعاء غير ذلك فنظارتها الطبية وملابسها الطويلة المحتشمة هى نفس ما ترتديها السيدات المصريات، بينما لون بشرتها هو اللون الأكثر انتشارا بين المصريين، بينما وقوفها على المسرح صامدة وشامخة تذكرنا بسيدات مصر المكافحات.

اسمها أيضًا يشبه أسماء أغلب المصريات، فوالدها المرحوم الشيخ إبراهيم البلتاجى أصر على تسميتها بهذا الاسم تيمنًا بابنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، إلا أن هذا الاسم كان من أسباب نجاحها، فأغلب الفتيات الريفيات فى الدلتا والصعيد والمناطق الشعبية منذ زمن بعيد وحتى الآن بمجرد أن تتزوج وتضع مولودها الأول يتم إطلاق لقب «أم فلان» عليها وإقرانه باسم ابنها أو ابنتها الكبرى حتى لا يقال اسمها أمام أى شخص غريب، لذلك عندما نردد اسمها «أم كلثوم» نشعر وكأننا نتحدث عن إحدى قريباتنا «أم محمد» أو «أم أحمد» أو «أم سيد» وهكذا.

 المشاركة المجتمعية

أثر أم كلثوم على المجتمع لا يمكن مقارنته بتأثير أى فنان أو فنانة أخرى سواء من جيلها أو من أجيال سابقة أو لاحقة لها بالإضافة إلى دورها العظيم فى الحياة السياسية والحربية فى مصر بمشاركتها فى المجهود الحربى وجمع التبرعات من خلال غنائها فى جميع محافظات مصر وعدد كبير من دول العالم عقب حرب 1967، فهل هناك تأثير أو دور للفن أكبر وأهم من ذلك على مدار التاريخ؟.

 الانتشار الخارجى المحيط

كشفت مجلة لوموند الفرنسية عن تفاصيل وكواليس حفل السيدة أم كلثوم فى عاصمة النور سنة 1967 الذى جاء كواحد من أهم العروض فى هذه المدينة الأوروبية الراقية على الإطلاق ففى 13 نوفمبر 1967، ظهرت على مسرح الأوليمبيا أكثر من مجرد مطربة بل أيقونة للشرق بحسب وصف الجريدة الفرنسية، وكان أجرها أعلى من أجر «أديث بياف« مطربة فرنسا الأولى.

جاء حفل مسرح الأوليمبيا بفرنسا أسطوريًا بمعنى الكلمة، من خلال حشود وأعداد غفيرة اجتمعت للمرة الأولى فى هذا المكان للاستماع إلى سيدة الغناء العربى، والأغرب من ذلك كان حضور عدد كبير من اليهود والمفاجأة الأكبر أنهم كانوا فى حالة انسجام وسلطنة مثل باقى الحاضرين، وفى حالة صمت تام للاستماع والاستمتاع بأغانى الست وقيامهم بالتصفيق والتصفير، تعبيراً عن إعجابهم الشديد بها.

عند سؤال اليهود عن سبب تواجدهم فى الحفل على الرغم من أن هذه المطربة تطالب دائمًا بضرورة التصدى لليهود ومحاربتهم، فأجابوا: «أم كلثوم أعظم مطربة فى التاريخ ولا يمكن إنكار هذا وهى تمتعنا بفنها وطربها الأصيل وهذا أمر لاعلاقة له بالأمور السياسية«.

لم يتوقف نجاح حفل أم كلثوم بفرنسا إلى هذا الحد بل أرسل شارل ديجول رئيس فرنسا ــ آنذاك ــ برقية تهنئة لكوكب الشرق قال فيها: «مرحبا بك فى فرنسا.. حققت نجاحاً عظيمًا، وأنت تقدمين فناً راقيًا.. وتقاليد فنية لها أصول وجذور فى التاريخ.. ونحن نرحب بك فى بلدنا»، فى حين أكد الممثل الفرنسى «جيرار ديبارديو» فى كتابه «البرىء» أن أم كلثوم كانت من أسباب اعتناقه الإسلام فأغانيها ألهمته للتعرف بالقرآن الكريم، ومن ثم اعتنق الإسلام.

 القبول

قد يرى البعض أن من أسباب نجاح «الست» وشهرتها الواسعة تعاملها مع المبدعين الكبار أمثال عبد الوهاب والقصبجى وبليغ حمدى وأحمد رامى ومرسى جميل عزيز وإبراهيم ناجى وغيرهم من الفنانين الكبار، إلا أن هذه المبررات لها ما يدحضها وينهيها تمامًا لنثبت أنها صاحبة قبول ربانى فريد من نوعه.

هؤلاء المبدعون الكبار اشتركوا فى أعمال كثيرة لمطربين آخرين حققوا معهم النجاح لكن ليس كنجاحهم مع كوكب الشرق، فقد كان لها قبول فطرى بالإضافة إلى لمستها الفنية المختلفة على أعمالها وتفانيها وحسها العالى وقدرتها على قياس رغبة ورد فعل الجمهور قبل أداء الأغنية مما يجعل جميع أعمالها ناجحة ومقبولة جماهيريًا وفنيًا.

الكثير من المطربات والمطربين أعادوا أداء أغانى أم كلثوم وحققوا بها بعض النجاح، لكن ظل النجاح الأكبر منسوب لسيدة الغناء العربى، رغم حلاوة صوت هؤلاء وجودة التسجيلات وحداثة التوزيعات والآلات إلا أنها ظلت مكتوبة باسم الست حتى الآن ولا يمكن أن تطرب لهؤلاء مثلما تطرب لأداء أم كلثوم نفسها.

 صوت الحنين فى الغربة

كل من سافر إلى الخارج وخاصة خارج المنطقة العربية يعلم جيدًا ماذا يعنى صوت «كوكب الشرق» لأى مغترب، وعدد كبير من مخرجى الدراما التليفزيونية والسينما عبروا عن ذلك فى أعمالهم فعندما يشعر البطل بالغربة والحنين إلى الوطن يستمع إلى أغانى الست، ومقاهى العرب فى هذه الأعمال يعلو فيها صوت أم كلثوم باستمرار كدلالة على أن هذا المقهى مكان لتجمع العرب فى بلاد الأجانب.

بالتأكيد أغلبنا يرى أن أم كلثوم هى «كوكب الشرق«، و«الهرم الرابع«، و«آلهة الفن المصرى«، و«سيدة الغناء العربى«، لكنها بالتأكيد هى أيضًا «صوت مصر« الذى سيظل عاليًا على مدار الزمان.

أمين خير الله

أمين خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الشعب المصرى يودّع كوكب الشرق بالدّموع فى يوم 3 فبراير 1976
رفلة
فيلم
أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
السيدة أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنيــة المصرية
مأمون
ثومة
فيلم

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص