لأنها "سيدتى الجميلة"، ولأنها أيقونة المسرح المصرى المحفورة فى الوجدان والعابرة للأجيال والأسطورية النجاح، فكان من الطبيعى أن تثير هذه العاصفة من الجدل وتتصدر الاهتمام طيلة الفترة الماضية،
وتخرج تلك المظاهرة الغاضبة التى تحذر من الاقتراب منها أو المساس بها، بعد الإعلان عن وجود مشروع لإعادة تقديمها بنجوم جدد ورؤية عصرية، فتنفجر موجات من الرفض دفاعا عن النسخة القديمة باعتبارها من العلامات الإبداعية التى لا يجوز خدشها!
وفى المقابل خرجت أصوات مؤيدة حاولت الدفاع عن المشروع الجديد بالعقل والمنطق، وعن حق صناع النسخة الجديدة فى أن يحصلوا على فرصة كاملة، فلا يجوز الحكم على عمل لم يظهر للنور، ولا يصح أن نهاجم طموح أحمد السقا فى أداء دور "كمال بيه الطاروطى" حتى ولو وصل فيه فؤاد المهندس إلى ذروة الإبداع، ولا يصح أن نسخر من ريم مصطفى إذا أرادت أن تقدم شخصية "صدفة بعضشى" حتى ولو كانت شويكار قد قفلتها بالضبة والمفتاح!
لا أريد الدخول فى هذا الجدل المحتدم بين الرافضين والمؤيدين، فالفن فى النهاية وجهة نظر، ولا أود المشاركة فى السجال حول "المؤامرة" على الفن المصرى والتراث المصرى ورغبة بعض الأطراف العربية فى أن ترث الدور المصرى الرائد وتتصدر الساحة، فهذه قضية أخرى يطول الكلام فيها، ولكنى أتوقف فقط عند زاوية لم يلتفت إليها أحد فى تلك "الخناقة" التى كانت حديث السوشيال ميديا ومازالت وهى الخاصة بما أثير حول حق الشاعر الموهوب أيمن بهجت قمر فى استغلال تراث والده بالطريقة التى تخلد ذكره وتعيد تقديمه لأجيال جديدة قد لم تسمع باسم بهجت قمر.
وهنا نجد أنفسنا أمام حالة تستحق أن نقف ونحتج على أن يتصدر اسم بهجت قمر ـ رغم تقديرنا الخالص لموهبته وقيمته وتاريخه ـ أفيش «سيدتى الجميلة» الجديد بوصفه المؤلف الوحيد للعرض، فهذا طمس لحقيقة واضحة تستحق التصحيح والتوضيح..والاحتجاج!
فالثابت والراسخ عند مؤرخى المسرح المصرى ونقاده وباحثيه أن "سيدتى الجميلة" هى ابنة قديس المسرح سمير خفاجى، فهو صاحب الفكرة والمشروع ومنتجه وصاحب الفضل الأول فى خروجه للنور وفى خلوده!
بهجت قمر نفسه كان أحد اكتشافات سمير خفاجى، استقبله عندما جاء من الإسكندرية لا يملك إلا موهبته، فتبناه ومنحه الفرصة وقدمه للساحة الفنية وشكّلا فيما بعد ثنائيا فريدا فى الكتابة المسرحية.
وسمير خفاجى لمن لا يعرف هو علامة فارقة فى تاريخ المسرح المصرى، منذ دوره المؤسس فى تجربة "ساعة لقلبك" التى أفرخت ألمع نجوم الكوميديا فى الخمسينيات والستينيات، ثم تجربته كأحد ألمع مؤلفى مسرح التليفزيون منذ افتتاحه فى 12 فبراير 1962 وتعدّد فرقه التى وصلت إلى عشر، قدم خلالها مجموعة من أنجح المسرحيات التى صارت من أهم ما قدمته فرق التليفزيون المسرحية، يكفى أن نذكر منها " أنا وهو وهى" و"أنا فين وأنتى فين" و"مطرب العواطف" و"أصل وصورة" و"نمرة 2 يكسب" و"جوزين وفرد" و"لوكاندة الفردوس" وغيرها، أسهم بها فى صناعة نجوم فى قيمة فؤاد المهندس وشويكار ومدبولى ومحمد عوض وأمين الهنيدى.
ثم كانت تجربته الأهم فى تأسيس فرقة "المتحدين" عام 1966، وقدم من خلالها مؤلفا ومنتجا ومديرا، أيقونات فى شهرة "العيال كبرت" و"مدرسة المشاغبين" و"شاهد ما شافش حاجة" و"إنها حقا عائلة محترمة" و"ريا وسكينة" و"الزعيم" و"شارع محمد على" وغيرها من العلامات التى قدم بها أجيالا من نجوم الكوميديا، من فؤاد المهندس ومدبولى إلى عادل إمام وسعيد صالح.. ومن شويكار إلى شريهان.
استحق سمير خفاجى لقب صانع النجوم، والقائمة تطول، وكان من بين هؤلاء بهجت قمر الكاتب الموهوب وشريكه فى "سيدتى الجميلة".
أما عن حكايته مع بهجت قمر، فنترك سمير خفاجى ليحكيها بنفسه وبنص كلماته:
"عقب نجاح "أنا وهو وهى" و"مطرب العواطف" فى موسم واحد عام 1962، وكان نجاحهما الجماهيرى أكبر من كل المسرحيات الأخرى، أصبح الأستاذ سيد بدير (مؤسس فرق مسرح التليفزيون والمشرف عليها) يحثنى على مواصلة الكتابة.. وكنت قد بدأت أتعامل مع النجوم الشبان وصارت لى معهم صداقات ومنهم أبو بكر عزت.. وفى يوم من الأيام قال لى إن هناك كاتبا سكندريا يريد أن يتعرف بك، وقدم لى شابا سمينا جدا لا يوحى مظهره بأى موهبة، وبدأ يتحدث معى فوجدت شخصية بالغة الظرف ما إن يتكلم حتى يشد انتباهك بحديثه وشخصيته الساخرة.. لقد حضر بهجت قمر من الإسكندرية طرزان لا يملك شيئا سوى موهبته ولم يكن له مكان يقيم به.. قال لى أبو بكر إن بهجت كتب مسرحية اسمها "ممنوع الستات" ويرجو منى قراءتها، وفعلا قرأت المسرحية ولم تعجبنى قدر ما أعجبنى أسلوب بهجت فى الحوار، فالجملة على بساطتها وطبيعيتها تشعر أن لها أنيابا تعض المشاهد، فترك ذلك أثرا فى نفسى".
بحس الجواهرجى أحس سمير خفاجى أنه أمام موهبة استثنائية فى كتابة الحوار، فاستعان به فى كتابة "أنا فين وأنتى فين" عمله المسرحى الثانى مع الثنائى فؤاد المهندس وشويكار بعد "أنا وهو وهى".
(2)
وكانت "سيدتى الجميلة" من الأعمال التى استعان فيها سمير خفاجى ببهجت قمر، فالمشروع لخفاجى فى الأصل، هو صاحب فكرته ورؤيته وبدأ فيه قبل أن يلتقى قمر أصلا، وهو ما نفهمه بسهولة وبلا تأويل من شهادة سمير خفاجى عنه:
"كنت فى فترة رحلة لبنان أستعد لتقديم مسرحية "سيدتى الجميلة"، وهى مشروع قديم ومُعطّل وحلم كان يراودنى كما كان يراود بطل العمل فؤاد المهندس، هذا الحلم كنت أخاف منه، وكلما كلمنى فؤاد المهندس عنه ازددت خوفا.. كان فؤاد فى قمة تألقه وكانت البطولة لكل الأعمال التى قام بها تعتمد فى المقام الأول عليه هو، فدوره فى هذه الأعمال بمثابة العمود الفقرى للعمل، وكانت البطولة النسائية أمامه هامشية.. لكن سيدتى الجميلة البطولة فيها نسائية شئنا أم أبينا.. وفاتحت فؤاد فى ذلك وقلت له رأيى فقال بثقة: ولو، كنت أشعر فى هذه الفترة أنه ينظر إلى الموضوع من وجهة نظر المحب الولهان (لشويكار) لا من وجهة نظر الفنان المبدع الحريص على عمله.. وأمام إصراره بدأت مع بهجت قمر الإعداد لكتابة المسرحية".
سيدتى الجميلة إذن كانت حلم سمير خفاجى ومشروعه وفكرته، وهو الذى اختار بهجت قمر ليشاركه كتابته، وحتى نفهم نوعية هذه المشاركة علينا أن نعود من جديد لشهادة سمير خفاجى:
"عقب العودة من لبنان عكفت مع بهجت على العمل حتى ننتهى من كتابة النص، وقد اختلفنا كثيرا وتصادمنا أكثر، وهدد كل منا الآخر بأنه لن يستمر فى كتابة العمل.. لكن هذه المصادمات والاختلافات كانت نتيجتها جيدة انعكست على العمل الذى أعتبره من خير ما كتبنا نحن الاثنين.. وحينما أردنا كتابة الاستعراضات اختلفنا مرة أخرى، فقد أصر بهجت على أن يكتب كلمات الاستعراضات بنفسه، وهو للحق زجال جيد، وهو كتب بالفعل بعض هذه الاستعراضات وكانت فى مجملها لا بأس بها، ولكنى أصررت على أن يكتب هذه الاستعراضات أحد كبار الكتاب المتخصصين، ليس هذا فقط بل أن تكون له رؤية درامية تخدم مفهوم العمل وفعلا اتفقنا على أن يقوم بهذا العمل الأستاذ عبد الوهاب محمد، وفعلا قام بهذا العمل باقتدار".
كانت كتابة النص بتفاصيلها هى جزء يسير من الدور الذى قام به سمير خفاجى فى خروج هذا العمل الضخم للنور.. فقد تداخل فى كل تفاصيل العمل، من التمثيل إلى الإخراج، ومن الملابس إلى الديكور، ومن الموسيقى إلى الإضاءة، فقد استغل مثلا وجوده فى لبنان وقام بشراء كميات من الأقمشة الفخمة التى كان يُحظر استيرادها فى مصر وقتها لاستغلالها فى تصميم أزياء العرض، كما تمكن من إدخال كمية كبيرة من أوراق الحائط المرسومة بالقطيفة (وكانت تعتبر حينها سلعة استفزازية) لاستخدامها فى ديكورات العرض.
وعندما اختلف مخرج العرض الفنان كمال ياسين مع بطلته شويكار وانسحب، حل سمير الأزمة بإسناد الإخراج لحسن عبد السلام.. وعندما تأخر الفنان الكبير صلاح عبد الكريم فى تسليم ديكورات العمل تدخل لإسناد المهمة إلى نهى برادة.
لكن الدور الأبرز كان فى توفير ميزانية للإنتاج بما يليق بطموحاته لإخراج هذا العمل الضخم باهظ التكلفة، وقد أنفق عليه سمير خفاجى كل ما يملك، ولكن كل ما كان يملكه لم يعد يكفى، وكاد العمل يتوقف والبروفات تنفض بسبب قلة السيولة المتوفرة، وهنا قرر سمير أن يطرق كل الأبواب لإنقاذ حلمه، فأخذ فؤاد المهندس من يده وركبا القطار المتجه إلى طنطا، ليقابلا صديقهما القديم وجيه أباظة محافظ الغربية، عسى أن يجدا عنده حلا لمشكلتهما المادية، وبالفعل لم يخذلهما الرجل المحب للفن والثقافة، ومنحهما 3 آلاف جنيه، مقابل حفلات غير محددة التاريخ تحييها فرقة المتحدين مع عرضها الجديد فى طنطا.
بجهد سمير خفاجى وإصراره خرج العمل للنور بالشكل الذى حلم به، ولم يبخل على أى عنصر فيه، فقد صمم مثلا على أن يستعين بفرقة القاهرة السيمفونى بكامل هيئتها فى تسجيل ألحان المسرحية، ولما كانت التكلفة باهظة فإنه لجأ إلى عقد اتفاق مع شركة صوت القاهرة لتدفع 2000 جنيه مقابل حصولها على حقوق طبع اسطوانات أغانى المسرحية وبيعها للجمهور.
ولم يبالغ سمير خفاجى عندما قال : "كان ظهور المسرحية بهذه الصورة المشرفة حدثا بكل المقاييس".
(3)
وبعد كل هذا الدور وهذا الجهد، فإن إسقاط اسم سمير خفاجى من أفيشات الطبعة الجديدة من "سيدتى الجميلة" هو طمس للحقيقة، ولا يجوز أن ينسبها الشاعر الموهوب أيمن بهجت قمر لوالده ويتعامل مع العمل على أنه صاحبه ومالكه والمتصرف فيه.
لا نشكك فى النوايا ولا الذمم ولا نفتش فى القلوب، ولكننا فى كل الأحوال أمام خطأ فادح ولا نقول "جريمة" فى حق أحد آباء المسرح المصرى وصانعيه الكبار بل وصاحب فضل على الجميع بما فيهم كاتبنا الكبير بهجت قمر.
عرض "سيدتى الجميلة" بدون حق سمير خفاجى.. باطل!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...