سوريا على صفيح ساخن.. بين غارات إسرائيلية وفتنة طائفية

بين عنف طائفي أسقط مئات الضحايا.. وغارات إسرائيلية استهدفت دمشق .. تفف سوريا عند منعطف حاسم .. تحلم بالسلام.

ففي الـ13 من يوليو الجاري، اندلعت أعمال عنف طائفية في محافظة السويداء بين عشائر من البدو ومقاتلين دروز، أدت إلى مقتل أكثر من 1000 شخص، وإصابة ما يزيد عن 903 شخص.

جذور التصعيد الأخير يعود إلى حادثة اختطاف تاجر درزي على طريق دمشق، ما فجر الاشتباكات بين مجموعات مسلحة من الدروز ومسلحين من البدو والقوات الحكومية.

وبعد أسبوع.. مساء الأحد، شهدت السويداء وقفا لإطلاق النار عقب الاشتباكات المسلحة، وأعلنت الحكومة السورية وقف القتال في السويداء مع إعادة انتشار قواتها داخل المنطقة.

وأعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا على أنه "تم إخلاء مدينة السويداء من كل مقاتلي العشائر وإيقاف الاشتباكات داخل أحياء المدينة".

وأكد المتحدث باسم مجلس القبائل والعشائر السورية خلدون الأحمد مساء السبت "انسحاب جميع أبناء القبائل والعشائر من مدينة السويداء، استجابة لنداء رئاسة الجمهورية وبنود الاتفاق الذي حدث حتى يكون هناك إفساح مجال للدولة ومؤسساتها".

غارات إسرائيلية

في غضون ذلك.. نفذت إسرائيل سلسلة من الضربات القوية على العاصمة السورية دمشق، 16 يوليو ، في تصعيد لحملة تقول إنها تأتي دعما للطائفة الدرزية في ظل الهجمات والاشتباكات التي تشهدها محافظة السويداء، جنوبي البلاد، بعد دخول القوات الحكومية إليها منذ يومين.

وأظهر مقطع فيديو بثته إحدى القنوات التلفزيونية السورية قصف مبنى وزارة الدفاع السورية على الهواء مباشرة، ما أجبر المذيعة على الاختباء.. ونشر وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس اللقطات، قائلا: "لقد بدأت الضربات الموجعة".

وفي مؤتمر صحفي عقده الجيش الإسرائيلي، أكد مسؤول عسكري أن إسرائيل استهدفت الوزارة ومنطقة قريبة من القصر الرئاسي.

الغارات أسفرت عن إصابة 13 شخصا على الأقل.

وتنفذ إسرائيل غارات جوية على سوريا كجزء من التزامها بحماية الدروز، وهم أقلية عربية تقع في قلب الاشتباكات مع الموالين للحكومة.

إسرائيل تزعم أن الأشهر الستة الماضية شهدت عودة للعنف الموجه ضد الفئات الأكثر ضعفا في جنوب سوريا.. وهي منطقة قريبة من الحدود الشمالية لإسرائيل". وشددت على ضرورة أن يتوقف هذا العنف فورا وأن تتم محاسبة المسؤولين.

وقال السفير الإسرائيلي إن بلاده لا تسعى إلى إقحام نفسها في السياسة الداخلية السورية، مشيرا إلى أن مصالح بلاده "محدودة وواضحة ومشروعة. نسعى إلى الحفاظ على استقرار إقليمي على حدودنا الشمالية".

وأوضح أن بلاده ملتزمة بحماية حياة وكرامة الدروز في سوريا الذين قال إنهم يتم استهدافهم لمجرد هويتهم.

الشرع: "الدروز جزء من نسيج الوطن وحمايتهم أولوية"

وفي أول تصريح للشرع حول الأحداث الأخيرة في السويداء والغارات الإسرائيلية التي رافقتها، وصف بأنه "الأقوى" منذ توليه السلطة في سوريا، اتهم إسرائيل بـ"خلق الفتن داخل سوريا"، وأضاف أنها "تسببت في تصعيد الوضع (في محافظة السويداء) بتصرفاتها".

وتوجه الشرع إلى المواطنين الدروز، قائلا "نرفض أي مسعى يهدف إلى جركم لطرف خارجي أو إحداث انقسام داخل صفوفنا". وتابع "أصبحنا أمام خيارين إما مواجهة إسرائيل أو إصلاح جبهتنا الداخلية"، مضيفا "لسنا ممن يخشون الحرب، ونحن الذين قضينا أعمارنا في مواجهة التحديات والدفاع عن شعبنا، لكننا قدمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار"، وأعلن "تكليف الفصائل المحلية وشيوخ العقل مسؤولية حفظ الأمن في السويداء".

وأكد "سنواجه محاولات خلق الفوضى بالوحدة.. سوريا لن تكون مكانا لخلق الفوضى، ولن نسمح بجر سوريا إلى حرب جديدة"، مشددا على رفض "أية محاولة لتقسيم البلاد".

وقال الشرع إن "الدروز جزء من نسيج الوطن، وحمايتهم أولوية"، متعهدا بـ"محاسبة من تجاوز وأساء إلى أهلنا الدروز" في السويداء.

اتفاق السويداء

في 19 يوليو.. أعلن المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك إن سوريا وإسرائيل اتفقتا على وقف إطلاق النار في السويداء، مضيفا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع، بدعم من الولايات المتحدة، اتفقا على وقف إطلاق النار بدعم من تركيا والأردن ودول الجوار.

وطالب المبعوث الأمريكي الدروز والبدو جنبا إلى جنب مع الأقليات الأخرى إلى إلقاء السلاح والعمل معا لبناء سوريا جديدة موحدة.

* تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء:

يتضمن دخول مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية إلى محافظة السويداء.
ينص على دمج عناصر الفصائل من المحافظة بالأجهزة الأمنية للدولة.
يقضي بتسليم السلاح الثقيل والمتوسط من البدو والدروز.
يشمل دمج الدروز بالمستقبل السياسي في المرحلة المقبلة.
يسمح بإمكانية خروج من يرفض الاتفاق عبر طريق آمن خارج البلاد.
ينص على محاسبة مرتكبي الانتهاكات من البدو والدروز وفق القانون.
تكليف عناصر الفصائل من السويداء بالتعاون مع وحدات أخرى بحفظ الأمن داخل المحافظة.
اتفاق نص على دخول مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وتسليم السلاح الثقيل، ودمج العناصر في قوات وزارتي الدفاع والداخلية.

الاتفاق تضمن أيضا خروج كامل المسلحين من أبناء العشائر الذين قدموا من عدة محافظات سورية، إلى جانب انسحاب جميع العناصر العسكرية الحكومية من كامل الحدود الإدارية للسويداء، مع منع دخول أي أرتال عسكرية إلى المحافظة مستقبلا.

كما ينص الاتفاق على السماح بإدخال المساعدات الطبية والغذائية والصحية إلى داخل السويداء، وتشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق حول ما جرى خلال فترة التصعيد، إضافة إلى التفاهم على فتح معابر دولية للسويداء ومنع دخول أي قوى أمنية أو عسكرية مجددا تحت أي ذريعة.

ومن المقرر أن تعرض تفاصيل إضافية لاحقا ضمن ملحق للاتفاق، تشمل ملفات حساسة، أبرزها ترتيبات تبادل الأسرى الذين جرى احتجازهم خلال أيام الاقتتال.

إنجاز المسار الأول للاتفاق آخر دفعة من أهالي العشائر تغادر السويداء

الدفعة الأخيرة من أهالي العشائر البدوية المقيمة في السويداء خرجت ووصلت إلى محافظة درعا، ليل الخميس، وقال المسؤول الأمني في المحافظة العميد أحمد الدالاتي إن المسار الأول لاتفاق وقف إطلاق النار قد تم وتوقفت الاشتباكات هناك.

وضمت هذه القافلة 250 شخصا بينهم نساء وأطفال من عائلات عشائر البدو من ريمة اللحف في ريف السويداء ووصلت إلى ريف درعا.

في غضون ذلك، أعلنت الأمم المتحدة أن وفدا أمميا يزور ريف دمشق لتقديم المساعدات لأكثر من 500 أسرة شردت بسبب أعمال العنف في السويداء.

لقاء سوري إسرائيلي "نادر" لبحث التهدئة في السويداء

والخميس، عقد اجتماع رفيع المستوى بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، في العاصمة الفرنسية باريس، برعاية المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك.

الاجتماع الذي وصف بـ"النادر" استمر لـ4 ساعات، و ناقش ملفات أمنية حساسة تتعلق بجنوب سوريا، في محاولة لاحتواء التوترات الأخيرة، خاصة بعد التصعيد في محافظة السويداء.

وأكد باراك أن اللقاء حقق تقدما ملموسا، وأن "جميع الأطراف أكدت التزامها بمواصلة هذه الجهود".

مصادر إسرائيلية مطلعة أشارت إلى أن هدف اللقاء كان "التوصل إلى تفاهمات أمنية تضمن استمرار وقف إطلاق النار في الجنوب السوري، وتجنب تكرار أحداث الأسبوع الماضي"، في إشارة إلى المواجهات العنيفة في السويداء، والتي أسفرت عن مئات القتلى، قبل أن تفضي إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية الحكومة السورية.

هذه التحركات جاءت بعد أيام من المواجهات في محافظة السويداء بين فصائل محلية ومقاتلين دروز، وسط أنباء عن تدخل إسرائيلي لحماية أبناء الطائفة الدرزية في المحافظة.

ويمثل هذا الاجتماع أول لقاء رسمي بهذا المستوى منذ محادثات عام 2000 التي رعاها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وجمعت آنذاك بين وزير خارجية النظام السوري فاروق الشرع ونظيره الإسرائيلي إيهود باراك.

ولم يصدر تعليق رسمي من دمشق أو تل أبيب بشأن الاجتماع.

مجلس الأمن.. اجتماع طارئ

حذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ، خالد خياري من أن سوريا تواجه حلقة أخرى من العنف تعرض مسيرتها نحو انتقال سياسي سلمي، موثوق، منظم، وشامل للخطر.

جاء ذلك خلال اجتماع طارئ عقده مجلس الأمن، مساء الخميس الماضي بطلب من سوريا في أعقاب سلسلة من الغارات الجوية الإسرائيلية على أراضيها. وقد أيدت الجزائر والصومال عقد الاجتماع.

وفي إحاطته أمام الاجتماع، أشار خياري إلى تطور عمليات الاختطاف المتبادلة في محافظة السويداء - ذات الأغلبية الدرزية في جنوب سوريا - إلى اشتباكات مسلحة بين قبائل بدوية وجماعات مسلحة درزية محلية، ثم نشر السلطات السورية قوات أمنية بهدف وقف الاشتباكات، وما تلا ذلك من قتال أسفر عن سقوط مئات الضحايا في صفوف قوات الأمن التابعة لدمشق والمقاتلين الدروز.

ونقل خياري عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن المدنيين المحاصرين في خضم العنف المستمر يواجهون مخاطر جسيمة، مع نزوح أعداد كبيرة وتقارير عن أضرار لحقت بالبنية التحتية الحيوية.

وقال المسؤول الأممي "أكرر إدانة الأمين العام القاطعة لجميع أعمال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك جميع الأعمال التي تؤجج التوترات الطائفية وتحرم الشعب السوري من فرصة السلام والمصالحة بعد 14 عاما من الصراع الوحشي".

وأفاد بأنه أحيط علما ببيان مكتب الرئاسة السورية الذي يدين الانتهاكات ويلتزم بالتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، مناشدا السلطات السورية "ضمان شفافية هذا التحقيق وتوافقه مع المعايير الدولية، وسرعة إنجازه".

وحث جميع الأطراف على الحرص الدائم على حماية المدنيين، بما في ذلك السماح لهم بالتنقل بحرية بحثا عن الأمان والمساعدة الطبية، فضلا عن حماية البنية التحتية.

إدانة أممية

وأشار المسؤول الأممي أيضا إلى تكثيف إسرائيل غاراتها الجوية على الأراضي السورية مبررة ذلك بالانتهاكات ضد المجتمع الدرزي وتعهدها بحمايتهم. وكرر خياري إدانة الأمين العام للغارات الجوية التصعيدية الإسرائيلية بما في ذلك على السويداء ودرعا ووسط العاصمة دمشق.

وقال "بالإضافة إلى انتهاك سيادة سوريا ووحدة أراضيها، تقوض أفعال إسرائيل الجهود المبذولة لبناء سوريا جديدة تعيش بسلام مع نفسها ومع المنطقة، وتزيد من زعزعة استقرارها في وقت حساس".

وشدد على ضرورة التزام كل من إسرائيل وسوريا ببنود اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 للحفاظ على وقف إطلاق النار بين الطرفين، والامتناع عن أي عمل من شأنه أن يزيد من تقويضه وتقويض استقرار الجولان.

محاسبة المذنبين

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، طالب السلطات السورية بـ"محاسبة أي شخص مذنب بارتكاب الفظائع وتقديمه إلى العدالة، بمن فيهم من هم في صفوفها".

وقال روبيو في بيان على "إكس"، "إذا كانت السلطات في دمشق تريد الحفاظ على أية فرصة لتحقيق سوريا موحدة وشاملة وسلمية، يجب عليها المساعدة في إنهاء هذه الكارثة من خلال استخدام قواتها الأمنية لمنع تنظيم "داعش" وأي تكفيريين عنيفين آخرين من دخول المنطقة وارتكاب مجازر".

تقويض بسط السلطة

تقوض أعمال العنف الأخيرة جهود الشرع في بسط سلطته على كامل التراب السوري بعد أكثر من سبعة أشهر على إطاحته الحكم السابق، وتعيد طرح تساؤلات إزاء قدرة السلطات على التعامل مع الأقليات على وقع أعمال عنف على خلفية طائفية طاولت مكونات عدة خلال الأشهر الماضية، أبرزها العلويون.

وفي أبريل الماضي وقعت اشتباكات بين مقاتلين دروز وقوات الأمن قرب دمشق والسويداء، مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص.

وفي مارس الماضي أسفرت مجازر عن مقتل أكثر من 1700 شخص، معظمهم من أفراد الطائفة العلوية التي تتحدر منها عائلة الأسد، بعد اشتباكات في منطقة الساحل (غرب)، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

Katen Doe

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ترامب والشرع
ل
غزة
قصف غزة
غزة

المزيد من تقارير عرب وعالم

مصر وتركيا.. ركيزة الأمن بالشرق الأوسط وشراكة استراتيجية واقتصادية شاملة

في زيارة هي الثالثة خلال العامين الأخيرين.. ومن أجل تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات ولا سيما في مجالي التجارة...

"ستارت الجديدة" إلى الهاوية.. والأمن النووي العالمي في مهب الريح

خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.

نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن.. استقبال 19.5 مليون حاج ومعتمر خلال 2025

في مؤشرات قياسية تعكس التطور المتسارع لمنظومة خدمة ضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية 2030.. استقبلت المملكة العربية السعودية 19.5 مليون...

بين تقديس الرفات و تدنيس القبور ..إسرائيل دولة "أبارتهايد" حتى للموتى

في الوقت الذي حبست فيه إسرائيل أنفاسها احتفاء باستعادة جثة آخر أسير لها في قطاع غزة، سخرت لهذه العملية جيشًا...