"البطالة الإلكترونية" ظاهرة تعصف بالتحول الرقمي!

لم يعد التحول الرقمي وعدًا خالصًا بالتطوير ورفع الكفاءة، بقدر ما أصبح، في كثير من السياقات، مصدرًا لقلق متزايد بشأن مستقبل العمل الإنساني.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

ومع كل إعلان عن توسّع تكنولوجي أو اعتماد جديد على الذكاء الاصطناعي، تتوارى خلف الأرقام اللامعة قصص فقدان وظائف، وتآكل مهن، وانسحاب تدريجي للعنصر البشري من قطاعات كانت تُعد آمنة نسبيًا. وفي هذا الإطار، تكشف موجات تسريح العمالة في شركات عملاقة، مثل أمازون، عن ملامح ظاهرة أوسع وأكثر تعقيدًا، هي البطالة الإلكترونية، بوصفها أحد أخطر ارتدادات التحول الرقمي غير المنضبط ما يتطلب الاحتشاد العلمي لحل هذه المشكلة !

لكن ما هو مفهوم البطالة الإلكترونية ؟

تُعرَّف البطالة الإلكترونية بأنها فقدان الوظائف نتيجة استبدال الإنسان بالتكنولوجيا الرقمية، سواء عبر استخدام الآلة ، أو الخوارزميات، أو أنظمة الذكاء الاصطناعي. وهي تختلف عن البطالة التقليدية في كونها لا ترتبط بتراجع اقتصادي أو انخفاض في الإنتاج، بل تنشأ عن إعادة تعريف طبيعة العمل ، وتحويله من نشاط إنساني قائم على الخبرة والتفاعل، إلى عملية تقنية محكومة بالكفاءة و السرعة.

ولا تحدث هذه البطالة بصورة مفاجئة، بل تتسلل تدريجيًا وتبدأ بتقليص الأدوار، ثم دمج الوظائف، وتنتهي بالاستغناء الكامل عن العاملين، تحت شعارات براقة مثل “التحديث” و“رفع الكفاءة”.

وشركة أمازون العالمية نموذجًا كاشفًا حين أعلنت الاستغناء عن آلاف الوظائف، ولم يكن ذلك نتيجة خسائر مالية أو تراجع في الطلب، بل ثمرة إعادة هيكلة شاملة تعتمد على التوسع في استخدام التكنولوجيا بعد ان عززت الشركة استخدام الالة في المخازن وسلاسل الإمداد واعتمد التطوير على الخوارزميات في إدارة الموارد والطلبات، وأصبح الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء والتحليل التسويقي.

ومن ثم أفضى ذلك إلى تقليص واسع للوظائف البشرية، خصوصًا تلك المصنفة باعتبارها متوسطة المهارة أو قابلة للتكرار، ما يكشف عن منطق إداري جديد يضع التكنولوجيا في الصدارة، ويجعل الإنسان عنصرًا قابلًا للاستبدال !

وهنا يبرز سؤال لماذا تعصف البطالة الإلكترونية بالتحول الرقمي؟

تكمن خطورة البطالة الإلكترونية في أنها تفرغ التحول الرقمي من بعده الإنساني.

بدلا أن يكون وسيلة لتحسين ظروف العمل وتطوير المهارات، يتحول إلى أداة للإقصاء الوظيفي ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أبرزها:
1. تسارع الابتكار التكنولوجي دون أطر تنظيمية أو سياسات حماية اجتماعية.
2. ضعف برامج إعادة التأهيل المهني ومواكبة المهارات الجديدة.
3. هيمنة منطق الربح السريع على حساب الاستقرار الوظيفي.
4. اتساع الفجوة الرقمية بين من يملكون المعرفة التقنية ومن يُستبعدون منها.

الأمر الذي أحدث تأثيرات سلبية لظاهرة البطالة الإلكترونية حيث لا تقتصر آثارها على الأفراد فحسب، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية، ما تؤدي إلى هشاشة سوق العمل وتراجع الأمان الوظيفي وتآكل الطبقة الوسطى وتصاعد الضغوط النفسية والاجتماعية وتنامي الشعور العام بأن التكنولوجيا باتت تهديدًا لمستقبل كثير من الوظائف.

ويمكن القول إن الإعلام في قلب العاصفة بمعنى أنه يُعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالبطالة الإلكترونية، وربما أسرعها هشاشة أمام التحول الرقمي. فقد أسهمت الآلية التحريرية في تقليص الحاجة إلى المحررين في الأخبار العاجلة والبيانات، بينما بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي تحل محل فرق كاملة في مجالات تحرير الفيديو، والتعليق الصوتي، وتصميم الجرافيك والمترجمين والمصححين اللغويين.

كما اتجهت المؤسسات الإعلامية إلى تقليص الكوادر، والاعتماد على الإعلامي “متعدد المهام”، وهو ما أدى إلى تراجع التخصص المهني، وتحميل الأفراد أعباء متزايدة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الخوارزميات لاعبًا رئيسيًا في القرار التحريري، خاضعًا لمنطق المشاهدات والترند، لا لقيمة الخبر أو عمقه وجاء هذا متسقا مع سوق الإعلان الذي يعد مصدرا رئيسيا للموارد المائية!

والمفارقة أن الإعلام، رغم كونه أحد ضحايا البطالة الإلكترونية، يشارك أحيانًا في تعميقها، عبر الترويج غير النقدي للتكنولوجيا، وتجاهل أبعادها الإنسانية، والقبول بتقليص الكوادر تحت لافتة “مواكبة العصر”.

ولا يعني انتقاد البطالة الإلكترونية رفض التكنولوجيا، نحن ندعو إلى تحول رقمي متوازن يضع الإنسان في قلب العملية، من خلال:
إعادة تأهيل الإعلاميين رقميًا دون تفريغ المهنة من مضمونها.
حماية الوظائف الإبداعية والتحليلية غير القابلة للقياس الالي.
سن تشريعات توازن بين الكفاءة التقنية والعدالة الاجتماعية.

في المحصلة، تكشف البطالة الإلكترونية أن التحول الرقمي، حين ينفصل عن بعده الإنساني، لا يقود إلى التقدم وحده، بل قد يعصف بسوق العمل، ويحوّل التكنولوجيا من أداة للتطوير إلى سبب للإقصاء.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد
الصياد
الصياد
الصياد
الصياد

المزيد من مقالات

إنذارات بلا صفارات

لم يكن الإعلان عن تسجيل حالات محدودة لفيروس «نيباه» في الهند حدثًا صحيًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان رسالة سياسية...

"البطالة الإلكترونية" ظاهرة تعصف بالتحول الرقمي!

لم يعد التحول الرقمي وعدًا خالصًا بالتطوير ورفع الكفاءة، بقدر ما أصبح، في كثير من السياقات، مصدرًا لقلق متزايد بشأن...

نفس الحكاية بوجهٍ مختلف: لماذا نكرر العلاقات المؤلمة؟

كثيرون يقولون بعد نهاية علاقة متعبة: “لا أفهم لماذا يحدث لي هذا دائمًا.” يتغير الأشخاص، تختلف التفاصيل، لكن الإحساس الأخير...

الألعاب الالكترونية من الترفيه الى التأثير

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت أنظمة رقمية معقّدة تُصمَّم وفق مبادئ هندسية دقيقة تجمع بين هندسة...