"ستارت الجديدة" إلى الهاوية.. والأمن النووي العالمي في مهب الريح

خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.

 

آخر رابط نووي بين أكبر قوتين في العالم ينهار بحلول الخميس المقبل.. ولأول مرة منذ عقود.. تشهد البشرية واقعا غير مسبوق: قوتان عظميان بلا سقف قانوني، بلا تفتيش متبادل، وبلا شفافية تضمن الاستقرار الدولي...

المعاهدة تفرض قيودا على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم.. وتنص على التفتيش المتبادل، وبانتهائها تنتهي عقود من القيود الملزمة قانونيا لكل من روسيا والولايات المتحدة على المخزونات العالمية من الأسلحة النووية.

يشار الى ان الدولتين يملكان معا 87% من الأسلحة النووية في العالم.

سباق تسلح نووي

المعاهدة جاءت بعد عقود من المفاوضات والاتفاقات منذ حقبة الحرب الباردة، وانتهاؤها دون بديل يرفع هذه القيود ويفتح الباب أمام سباق تسلح نووي جديد، غير مقيد لأول مرة منذ الحرب الباردة،
مع ما يحمله ذلك من تهديدات للاستقرار العالمي وزيادة التوترات بين القوى العظمى.

وفي ظل صمت رسمي من الولايات المتحدة وروسيا، الطرفين الرئيسيين المعنيين بها.. حذرت التحليلات من انهيار المعاهدة الذي يمثل نهاية لأكثر من نصف قرن من القيود.. وأكدت ضرورة الحفاظ على الأطر الدولية للحد من التسلح والذي يعد ركيزة أساسية للأمن الجماعي، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية.

انتهاء المعاهدة لا يمثل مجرد سقوط ورقة دبلوماسية، بل انهيار آخر جدار حماية ضد الفناء المتبادل. إنه انتقال من عصر الرقابة المتبادلة إلى عصر العمى الاستراتيجي، حيث يصبح أي تحرك من قـ.وات الطرفين مجهول الأهداف عرضة لسوء التقدير في لحظة توتر.

هل يمكن أن تعود القوى الكبرى إلى طاولة المفاوضات
وتتوصل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة
قبل أن يبدأ سباق تسلح جديد بلا قواعد، أم أن العالم سيدخل فعلا مرحلة "اللانظام النووي"؟

معاهدة نيو ستارت

أصبح مصير معاهدة "نيو ستارت" محط أنظار المجتمع الدولي، حيث يمثل قرار تمديدها أو عدمه اختبارا حاسما لمدى التزام القوى النووية بمسؤولياتها تجاه الأمن العالمي. وتشير التقديرات إلى أن الحل الدبلوماسي الذي يحافظ على الحدود الحالية للتسلح النووي يعد الخيار الأكثر حكمة لتجنب المخاطر غير المحسوبة.

المعاهدة وُقعت عام 2010 من قِبَل الرئيس الأمريكي باراك أوباما وديمتري ميدفيديف، حليف فلاديمير بوتين الذي شغل منصب رئيس روسيا لفترة واحدة،
دخلت معاهدة ستارت الجديدة حيز التنفيذ عام 2011 بعد موافقة الحزبين في مجلس الشيوخ الأمريكي. وكانت مدتها الأولية عشر سنوات، مع خيار تمديد إضافي لخمس سنوات وافقت عليه الولايات المتحدة وروسيا في أوائل فبراير 2021.
وتم تمديدها في 2021 لخمس سنوات،

وتُعد هذه المعاهدة الأحدث في سلسلة من المعاهدات التي ساهمت في خفض المخزون العالمي من الرؤوس الحربية النووية من ذروته البالغة 70 ألف رأس في منتصف ثمانينيات القرن الماضي إلى حوالي 12 ألف رأس اليوم.

كما تحدد المعاهدة قيودًا على الأسلحة النووية الاستراتيجية، وهي الأسلحة التي سيستخدمها كل طرف لضرب المراكز السياسية والعسكرية والصناعية الحيوية للطرف الآخر في حال نشوب حرب نووية،

وكانت المعاهدة تحدد سقفا أقصى يبلغ 1550 رأساً نوويا لكل طرف،مع عدم تجاوز عدد الصواريخ والطائرات القاذفة التي تُطلق من الأرض أو الغواصات 700 صاروخ، و800 منصة إطلاق..
إضافة إلى آليات تفتيش وإخطارات يومية حول التحركات والتجارب.

وتضمنت المعاهدة نظامًا للتفتيش الميداني المفاجئ، ليتمكن كل طرف من التأكد من امتثال الطرف الآخر، لكن في عام 2023، علّق بوتين مشاركة موسكو بسبب دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا في حربها مع روسيا، أدى ذلك إلى توقف عمليات التفتيش -التي كانت معلقة أصلًا خلال جائحة كوفيد-19 - وأجبر كل طرف على الاعتماد على تقييماته الاستخباراتية الخاصة بشأن أنشطة الطرف الآخر. مع ذلك، لم يتهم أي منهما الآخر بانتهاك حدود الرؤوس الحربية، التي لا تزال سارية المفعول.

ومع سقوط هذه القيود، يصبح الباب مفتوحاً أمام مضاعفة القدرات التدميرية وتجهيز الصـ.واريخ العابرة للقارات برؤوس إضافية، في وقت تتصاعد فيه التوترات حول أوكرانيا وتايوان.

مقترح روسي

مع اقتراب موعد انتهاء المعاهدة، اقترح بوتين في سبتمبر الماضي أن يتفق الطرفان بشكل غير رسمي على الالتزام بحدود الرؤوس الحربية لمدة عام آخر،
بوتين في اجتماع لمجلس الأمن الروسي في 22 سبتمبر أكد أن روسيا "مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية المركزية" لمعاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة لعام 2010 (نيو ستارت) لمدة عام واحد بعد انتهاء صلاحيتها إذا "تصرفت الولايات المتحدة بنفس النهج.

وقال بوتين إنه في أعقاب التمديد المقترح لمدة عام واحد، ستقوم روسيا "بتقييم دقيق للوضع [و] باتخاذ قرار نهائي بشأن ما إذا كانت ستؤيد هذه القيود الذاتية الطوعية.

وكانت روسيا وبعد عام من بدء الهجوم على أوكرانيا، قد علقت مشاركتها في المعاهدة، لكنها أكدت أنها ستواصل احترام القيود التي تفرضها معاهدة ستارت الجديدة.

واعتبرت الولايات المتحدة تعليق روسيا لالتزاماتها " غير مسؤول وغير قانوني "، وخلصت إلى أن روسيا غير ملتزمة بمعاهدة ستارت الجديدة منذ عام 2022 لرفضها السماح بعمليات التفتيش، والاجتماع في مركز عمليات الحدود، وتزويد الولايات المتحدة بالمعلومات والإخطارات المتعلقة بوضع قواتها النووية.

ورداً على انتهاكات موسكو، اتخذت الولايات المتحدة إجراءات مضادة ، وبدأت بحجب بيانات المعاهدة الأمريكية، ومنع روسيا من إجراء عمليات تفتيش ميدانية للقواعد النووية الأمريكية.

رفض أمريكي

ولم يرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا على الاقتراح الروسي حتى الآن.


ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف الاقتراح الروسي بـ"الفكرة الجيدة" في تعليق سابق، لم يصدر أي رد رسمي من الجانب الأمريكي حتى الآن.

الولايات المتحدة أعلنت أنها لا ترغب في تمديد الاتفاق بشكل تقليدي وتسعى إلى اتفاق جديد يشمل الصين، بينما ترفض بكين الانضمام إلى أي قيود، ما جعل المفاوضات تصل إلى طريق مسدود.

هذا الانسداد يضع العالم أمام أخطر لحظة منذ الحـ.ـرب الباردة، حيث تغيب قواعد اللعبة النووية في ظل سباق تسلح متسارع وتطورات تقنية مثل الأسلحة فرط الصوتية.


وماذا عن الصين؟
ليست الصين طرفاً في معاهدة ستارت الجديدة، ولم تكن طرفاً في أي اتفاقية للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية. وتُقدّر وزارة الدفاع الأمريكية مخزون الصين من الرؤوس الحربية النووية بنحو 600 رأس (بعد أن تضاعف حجمه ثلاث مرات تقريباً منذ عام 2020)، وتتوقع أن الصين في طريقها للوصول إلى مخزون يبلغ 1000 رأس حربي نووي بحلول عام 2030.

في عام 2020، سعت إدارة ترامب الأولى، دون جدوى، إلى إشراك الصين في محادثات بشأن الحد من التسلح. وفي أواخر عام 2023، أجرت إدارة بايدن محادثات مع الصين حول الحد من المخاطر النووية وقضايا عدم الانتشار النووي، لكن لم تُجرَ أي مناقشات لاحقة.

صرح الرئيس ترامب بأنه يرى فرصة جديدة ويرغب في اتفاقية بديلة لمعاهدة ستارت الجديدة تشمل الصين. وقال لصحيفة نيويورك تايمز في مقابلة أجريت معه في

تصعيد متبادل

الشهور الأخيرة شهدت مؤشرات خطيرة لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في حال عدم احتواء التصعيد النووي. وكشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 26 أكتوبر الماضي أن بلاده اختبرت بنجاح صاروخ كروز من طراز "بوريفيستنيك" يعمل بالطاقة النووية، وقادر على حمل أسلحة نووية، واختراق أي درع دفاعي.

وأعلن بوتين بعدها بأيام نجاح اختبار طوربيد "بوسيدون" ذاتي الحركة والعامل بمفاعل نووي صغير، والقادر على حمل رؤوس نووية، مشيرا إلى أن قدرة بوسيدون "تفوق قوة الصاروخ الباليستي العابر للقارات سارمات"، الذي يُعدّ حتى الآن أحد أكثر الأسلحة الروسية تدميرا.

ووفقا لخبراء الأسلحة، يُصنف "بوسيدون" ضمن فئة جديدة من الأسلحة النووية الاستراتيجية، إذ يستطيع حمل رأس نووي تصل قوته إلى 2 ميجاطن، أي ما يعادل أكثر من 100 ضعف قوة القنبلة التي دمرت هيروشيما.

كما استخدم الجيش الروسي في الشهر الماضي للمرة الثانية صاروخ "أوريشنيك" متوسط المدى القادر على حمل رؤوس نووية، ولا يمكن لمنظومات الدفاع الجوي إسقاطه لضرب أهداف في أوكرانيا.

وقبلها، أعلنت روسيا توسيع مظلتها النووية لتشمل بيلاروسيا، وعدلت عقيدتها النووية وأزالت منها البند الذي ينص على استخدام الأسلحة النووية للرد فقط.

في المقابل، أصدر ترمب، نهاية أكتوبر الماضي، تعليماته باستئناف التجارب النووية الأمريكية، بحجة ان "الآخرين يفعلون ذلك". وفي 5 نوفمبر الماضي اختبرت الولايات المتحدة صاروخها الكلاسيكي متعدد الاستخدامات "Minuteman".

مخاطر محدقة

يتحدث آلان دي نيف، الباحث في مركز دراسات الأمن والدفاع، عن اختفاء "شبكة أمان" ويتحدث جان ماري كولين، مدير حملة "آيكان" الفرنسية - وهي الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية - عن "انهيار سد" ويتفق الخبيران على ضرورة عدم الاستهانة بالخطر النووي.

وبالتشاور مع لجنة تضم ثمانية من الحائزين على جائزة نوبل، خلصت مجموعة العلماء في بداية هذا العام إلى أن روسيا والصين والولايات المتحدة ودولًا كبرى أخرى "أصبحت أكثر عدوانية وعداء ونزعة قومية".. وأوضحوا أن "الاتفاقيات الدولية التي تم التوصل إليها بشق الأنفس تنهار، مما يسرع وتيرة التنافس بين القوى العظمى حيث يستحوذ الفائز على كل شيء".

ويوضح آلان دي نيف، الباحث في مركز دراسات الأمن والدفاع، أن "مبدأ التحقق المتبادل من خلال تبادل المراقبين والمدققين يغني عن الاعتماد كليا على أنظمة الأقمار الصناعية للتحقق مما يفعله الطرف الآخر. [...] ويسهم تبادل المدقِّقين في بناء الثقة والحفاظ عليها بين الولايات المتحدة وروسيا".

ومع انتهاء معاهدة ستارت الجديدة، يكمن الخطر في أن "تزيد كلتا الدولتين (الولايات المتحدة وروسيا) ترسانتيهما النوويتين"، وفقا لجان ماري كولين، مدير حملة إلغاء الأسلحة النووية الدولية (ICAN) في فرنسا.. وستكون "المعادلة الاستراتيجية" أكثر تعقيدا، نظرا للتوتر الدولي الشديد بين الولايات المتحدة وروسيا - في ظل الحرب الأوكرانية - وإعادة التوازن العالمي التي تأخذ في الحسبان جميع القوى النووية، بما فيها الصين، والتطور التكنولوجي المتسارع.

وتثير تقنيات الأسلحة الجديدة واستخداماتها بالفعل العديد من التساؤلات، لا سيما فيما يتعلق بظهور الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التحليلية في مجال الردع النووي. ويهدد هذا التطور التكنولوجي بتفاقم الخطر الكامن في الترسانات النووية نفسها.

وفي ضوء كل هذه العوامل، كيف يمكن أن تتصرف القوى النووية؟ يرى آلان دي نيف، في نظرة متفائلة مبدئية، أن "لكل قوة نووية ميلا للحذر، بدلًا من الانخراط في أي نوع من التصعيد"..

لكن ثمة مقاربة ثانية أكثر تشاؤما: "بمجرد اختلال هذا التوازن الاستراتيجي، وقرار إحدى القوى النووية بالتصعيد، كما كنا نخشى مع روسيا في سياق الحرب الأوكرانية، يبرز خطر خروج الأمور عن السيطرة"، كما يوضح الباحث في مركز دراسات الأمن والدفاع.


" يضيف جان ماري كولين، أننا نتحدث بالفعل عن "أسلحة دمار شامل".

ويقول جان ماري كولين، مدير حملة "إيكان" في فرنسا، إن العالم يقف على مفترق طرق، وإن التهديد النووي يستهان به. يرى أن المشكلة تكمن في أن "كل شيء يحدث في آن واحد": انتهاء معاهدة ستارت الجديدة، وولاية دونالد ترامب الثانية، وتحديث البرامج النووية في الدول الحائزة للأسلحة النووية، والأزمة في القانون الدولي، وغير ذلك.

هذا سياق باتت فيه الأسلحة النووية شائعة، مع "خطر كسر المحظور المفروض على استخدامها في الحروب". وهو تقييم صارخ يشاركه فيه آلان دو نيف: "إن عدم تجديد معاهدة ستارت الجديدة يمثل مشكلة خطيرة في الأمن الدولي، لم نواجهها منذ زمن طويلٍ جدا.

Katen Doe

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير عرب وعالم

"ستارت الجديدة" إلى الهاوية.. والأمن النووي العالمي في مهب الريح

خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.

نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن.. استقبال 19.5 مليون حاج ومعتمر خلال 2025

في مؤشرات قياسية تعكس التطور المتسارع لمنظومة خدمة ضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية 2030.. استقبلت المملكة العربية السعودية 19.5 مليون...

بين تقديس الرفات و تدنيس القبور ..إسرائيل دولة "أبارتهايد" حتى للموتى

في الوقت الذي حبست فيه إسرائيل أنفاسها احتفاء باستعادة جثة آخر أسير لها في قطاع غزة، سخرت لهذه العملية جيشًا...

نحو سوريا الموحدة.."الشرع" يوقع اتفاق وقف إطلاق النار واندماج الحكومة و"قسد"

في نقطة تحول محورية في مسار تعزيز وحدة سوريا واستقرارها، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.. وتمهيد الطريق لاطلاق عملية...


مقالات