نفس الحكاية بوجهٍ مختلف: لماذا نكرر العلاقات المؤلمة؟

ما لا نفهمه بوعي… قد نعيد تمثيله دون قصد.”.

كثيرون يقولون بعد نهاية علاقة متعبة: “لا أفهم لماذا يحدث لي هذا دائمًا.” يتغير الأشخاص، تختلف التفاصيل، لكن الإحساس الأخير واحد: خيبة، إنهاك، أو شعور بأن القصة تتكرر وكأنها نسخة جديدة من حكاية قديمة.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

السؤال الحقيقي هنا ليس: لماذا فشلت هذه العلاقة؟ بل: لماذا بدت مألوفة منذ البداية؟

تكرار النمط: حين لا يكون الاختيار حرًّا تمامًا

في علم النفس، يُشار إلى ظاهرة ميل الإنسان لتكرار تجارب عاطفية متشابهة — حتى المؤلمة منها — بأنها محاولة لا واعية للفهم أو الإصلاح.

فالنفس لا تحب الغموض.
وما لم يُفهَم بوعي، يعود في صورة تجربة جديدة، وكأن العقل يقول:
“لنجرّب مرة أخرى… ربما تنتهي هذه المرة بشكل مختلف.”

لكن النتيجة كثيرًا ما تكون إعادة إنتاج للألم ذاته، بملامح جديدة.

لماذا ننجذب إلى النمط نفسه؟

لأن المألوف يمنح شعورًا زائفًا بالأمان.
حتى لو كان هذا المألوف مؤلمًا.

فالإنسان قد يختار:

القريب عاطفيًا لكنه غير متاح

المسيطر لأنه يشبه علاقة قديمة

المتقلّب لأنه يوقظ شعورًا معتادًا ليس لأن هذه الاختيارات صحية، بل لأنها مفهومة نفسيًا.

العقل لا يسأل دائمًا: “هل هذا جيد لي؟” بل يسأل: “هل أعرف كيف أتعامل مع هذا الشعور؟”

العلاقة بين التعلّق وتكرار النمط

كما أشرنا في الحديث عن أنماط التعلّق، فإن الطريقة التي تعلّمنا بها القرب في بداياتنا تؤثر بعمق في اختياراتنا لاحقًا.

من تعلّم أن الحب غير ثابت، قد يطارد من ينسحب.

من تعلّم أن القرب يهدد الأمان، قد يهرب حين تقترب العلاقة.

من نشأ في بيئة متقلبة، قد يخلط بين التوتر والحب.

وهكذا، لا نكرر الشخص ذاته، بل نكرر الدور الذي نعرفه جيدًا.

هل التكرار يعني أننا لا نتعلم؟

ليس بالضرورة.
أحيانًا نكون نتعلّم، لكننا لا نُدرك ما نتعلّمه بعد.

فالتكرار ليس فشلًا أخلاقيًا، ولا ضعفًا في الإرادة، بل إشارة إلى جرح لم يُصغَ إليه بعد.
وكل تجربة مؤلمة تحمل سؤالًا غير مكتمل، يعود ليُطرح بصيغة أخرى.

كيف نميّز النمط المتكرر؟

هناك إشارات واضحة، منها: الإحساس نفسه في بداية كل علاقة، النهاية المتشابهة رغم اختلاف الأسباب، الانجذاب لنوع واحد من الأشخاص، تكرار الدور ذاته: المُنقذ، المنتظر، المتروك، أو المُستنزف

وحين نلاحظ هذه الإشارات، لا يكون المطلوب جلد الذات، بل التوقّف والملاحظة.

كيف نكسر دائرة التكرار؟

1. الاعتراف بوجود نمط
الاعتراف لا يعني الاستسلام، بل بداية الوعي.

2. التفرقة بين المألوف والصحي
فليس كل ما نشعر أنه “كيمياء” دليل توافق.

3. إبطاء وتيرة العلاقة
التسرّع غالبًا يُعيدنا إلى الدائرة نفسها.

4. مراجعة دورنا داخل العلاقة
ماذا أفعل دائمًا؟ ماذا أتجاهل؟ ماذا أتحمّل أكثر مما يجب؟

5. إعادة بناء الأمان الداخلي
فكلما شعرنا بالأمان مع أنفسنا، قلّ احتياجنا لتكرار القصص المؤلمة.

الوعي لا يغيّر الماضي.. لكنه يغيّر النهاية

حين نفهم النمط، نفقد الحاجة إلى تكراره.
وحين نرى القصة بوضوح، لا نعود مضطرين لتمثيلها من جديد.

فليست كل علاقة فاشلة خسارة، أحيانًا تكون درسًا مؤجّلًا… وحين يُفهم، لا يعود.

نحن لا نكرر العلاقات لأننا نحب الألم، بل لأن داخلنا جزءًا يريد أن يُفهَم.

وحين نمنح هذا الجزء وعيًا واحتواءً، نبدأ في اختيار علاقات لا تشبه ماضينا… بل تشبه نضجنا.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

نفس الحكاية بوجهٍ مختلف: لماذا نكرر العلاقات المؤلمة؟

كثيرون يقولون بعد نهاية علاقة متعبة: “لا أفهم لماذا يحدث لي هذا دائمًا.” يتغير الأشخاص، تختلف التفاصيل، لكن الإحساس الأخير...

الألعاب الالكترونية من الترفيه الى التأثير

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت أنظمة رقمية معقّدة تُصمَّم وفق مبادئ هندسية دقيقة تجمع بين هندسة...

المقهى الدبلوماسي.. الصراع الأمريكي الإيراني.. وليلة نصف شعبان

لكم اشتقت لمقعدي في المقهى الدبلوماسي بين الأخلاء والأصحاب.. واليوم.. لم أصدق وأنا أرتشف من قهوتي الفرنسية.. أنني قد عدت...

تحويل القبلة.. حدث يؤكد وسطية أمة الإسلام

كان سيدنا رسول الله ﷺ في مكة يصلي إلى بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس؛ كي يستقبلهما معًا؛...


مقالات