في السنوات الأخيرة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم تقني يُتداول في أروقة المختبرات أو شركات التكنولوجيا، بل أصبح لاعبًا حاضرًا بقوة في المشهد الإعلامي خاصة داخل غرف الأخبار، يفرض أسئلته وتحدياته، ويغري في الوقت نفسه بوعود السرعة والكفاءة وتقليل التكاليف.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
ومع تسارع وتيرة الأخبار، وتضخم المحتوى، وضغط المنافسة الرقمية، بات استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير نشرات الأخبار خيارًا مطروحًا بقوة، لا يمكن تجاهله أو رفضه بشكل مطلق، لكنه أيضًا لا يمكن اعتماده بلا ضوابط مهنية صارمة بداية يمكن وصف الذكاء الاصطناعي بأنه مساعد محرر ذكي Smart Assistant Editor حيث يقدّم الذكاء الاصطناعي اليوم حزمة واسعة من الأدوات التي يمكن أن تُحدث فارقًا حقيقيًا في العمل الإخباري اليومي.
في مقدمة هذه الأدوات تأتي قدرة توليد العناوين والمواجيز.
فالأنظمة الذكية قادرة على اقتراح عناوين جذابة، مختصرة، ومتوافقة مع معايير النشر الرقمي ومحركات البحث، إضافة إلى كتابة ملخصات سريعة للأخبار العاجلة، وهو ما يساعد غرف الأخبار على مواكبة السباق الزمني المحموم في العمل الاخباري على مدار الساعة.
كذلك يبرز دور الذكاء الاصطناعي في تدقيق النصوص لغويًا وإملائيًا على أساس أن الأخطاء اللغوية، مهما بدت بسيطة، تؤثر سلبًا على مصداقية المؤسسة الإعلامية. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كـ”مصفاة أولى“، ترصد الأخطاء وتُقترح بدائل أكثر دقة وسلاسة، ما يوفر وقت المحرر ويتيح له التركيز على الجوهر بدل الانشغال بالتفاصيل الشكلية أما في مجال تبسيط اللغة، فيمكن للذكاء الاصطناعي إعادة صياغة الأخبار المعقدة بلغة أوضح تناسب جمهورًا أوسع، دون الإخلال بالمعلومة الأساسية.
وهذه ميزة مهمة في زمن تتراجع فيه معدلات القراءة المتعمقة، ويبحث فيه الجمهور عن محتوى سريع الفهم.
ولا يقل أهمية عن ذلك دوره في تحليل البيانات، حيث يستطيع تحويل الأرقام والإحصاءات الجافة إلى نصوص إخبارية مفهومة، خاصة في الأخبار الاقتصادية، والانتخابية، وتقارير الكوارث.
كما يسهم في الترجمة السريعة، ما يسمح بنقل الأخبار بين اللغات المختلفة في وقت قياسي، ويعزز من الحضور الدولي للمؤسسات الإعلامية.
إضافة إلى ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح زوايا جديدة للقصص الإخبارية، من خلال تحليل التغطيات السابقة، ورصد الاتجاهات، وتحديد ما يشغل الرأي العام على منصات التواصل الاجتماعي لكن لماذا وصفناه بأنه محرر مساعد وليس رئيس تحرير أو محرر؟
هذا مايحعلنا نتحدث عن الضوابط… حيث تبدأ المنطقة الشائكة !
بعبارة أخرى بالرغم من كل مزايا AI فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير نشرات الأخبار يظل سيفًا ذا حدين. فالأخبار ليست مجرد نصوص تُكتب بسرعة، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية أمام الجمهور وتقع أخلاقيا ومهنيا على عاتق رئيس التحرير الإنسان.
أولى هذه الضوابط تتمثل في أن التدقيق البشري إلزامي ولا يقبل النقاش.
مهما تطور الذكاء الاصطناعي، قد ينتج معلومات غير دقيقة، أو يخلط بين السياقات، أو يعتمد على بيانات قديمة أو متحيزة. ومن دون مراجعة محرر بشري واعٍ، يمكن أن تتحول هذه الأخطاء إلى كوارث مهنية.
كما أن المصداقية والتحقق من المعلومات يظلان من صميم العمل الصحفي، وهي مهام لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها بشكل مستقل وموثوق.
التحقق من المصادر، والتأكد من صحة التصريحات، وفهم الخلفيات السياسية والاجتماعية، كلها عناصر تتطلب عقلًا بشريًا ناقدًا وخبرة ميدانية ويأتي بعد ذلك شرط الحياد والموضوعية لأن الذكاء الاصطناعي يتأثر بالبيانات التي دُرّب عليها، والتي قد تحمل في طياتها تحيزات أيديولوجية أو سياسية.
وهنا يظهر دور المحرر الانسان في إعادة التوازن للنص، وضمان عرض مختلف وجهات النظر، وعدم الانزلاق إلى خطاب أحادي أو مضلل.
أما الأخلاقيات المهنية، فهي خط أحمر لا يمكن تفويضه للآلة. واحترام الخصوصية، وعدم انتهاك حقوق النشر، والتعامل الحساس مع قضايا الضحايا والكوارث، كلها اعتبارات إنسانية وأخلاقية لا يمكن برمجتها آليا بشكل كامل ولا يمكن إغفال ما يُعرف بـاللمسة الإنسانية.
إن القصص الإخبارية، خصوصًا تلك المرتبطة بمعاناة البشر، تحتاج إلى سياق، وعمق، وشعور، وقدرة على قراءة ما بين السطور.
هذه عناصر لا تزال حكرًا على الصحفي الإنسان، القادر على الربط والتحليل والتأويل، وليس فقط السرد.
الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في إساءة استخدامه أو الاعتماد عليه كبديل كامل عن المحرر البشري. ففي هذه الحالة، قد تتحول غرف الأخبار إلى مصانع محتوى آلي، تنتج أخبارًا سريعة لكنها فارغة من المعنى، أو مشكوكًا في دقتها.
في المقابل، فإن تجاهل الذكاء الاصطناعي تمامًا يعني التخلف عن ركب التطور، وخسارة أدوات يمكن أن تحسّن الأداء وتخفف الأعباء عن الصحفيين.
خلاصة القول ...
الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للصحافة، ولا منقذًا سحريًا لها. إنه أداة مساعدة قوية، قادرة على تسريع وتسهيل كثير من المهام التحريرية، إذا وُضعت ضمن إطار مهني واضح وضوابط أخلاقية صارمة.
أما القرار التحريري، والتحقق من المعلومات، وصياغة المعنى، وضمان المصداقية، تظل مسؤولية المحرر البشري.
الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي في نشرات الأخبار هو أن يكون شريكًا تقنيًا للمحرر، لا بديلاً عنه فالإعلام، في جوهره، فعل إنساني قبل أن يكون عملية تقنية، والآلة مهما تطورت، ستبقى بحاجة إلى عقل الإنسان وضميره.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في السنوات الأخيرة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم تقني يُتداول في أروقة المختبرات أو شركات التكنولوجيا، بل أصبح لاعبًا...
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن تُعلن التحالفات الجديدة، تكون هناك جهة واحدة قد اتخذت قرارها...
سباق محموم بين منصات الإعلام على تحقيق أعلى نسب مشاهدة، وتحوّل الشاشات إلى ساحات مفتوحة للجدل والاستقطاب، أدى إلى دفع...