الألعاب الالكترونية من الترفيه الى التأثير

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت أنظمة رقمية معقّدة تُصمَّم وفق مبادئ هندسية دقيقة تجمع بين هندسة البرمجيات، وواجهات التفاعل الإنساني–الحاسوبي (HCI)، وعلم الأعصاب المعرفي، والتربية.

دكتور/ عمرو الغفاري
دكتور الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي عين شمس
 
 
 ويُظهر هذا التداخل كيف يمكن لبنية اللعبة، وخوارزمياتها، وآليات التغذية الراجعة فيها، أن تؤثر مباشرة في نمو عقول الأطفال ونفسياتهم وسلوكهم التعلمي.
 
التصميم الهندسي المعرفي وتأثيره على الدماغ
 
تعتمد الألعاب الحديثة على مبادئ الحمل المعرفي (Cognitive Load Theory) التي وضع أسسها جون سويلر في أستراليا (1988)، حيث يُعاد توزيع المعلومات بصريًا وسمعيًا لتسهيل المعالجة العقلية. وتشير أبحاث غرين وبافيلير المنشورة في مجلة Nature (الولايات المتحدة، 2003) إلى أن الألعاب الحركية المصممة بكثافة محفزات محسوبة تُحسّن الانتباه الانتقائي وسرعة المعالجة البصرية لدى الأطفال.
من منظور هندسي، فإن تحسين الأداء المعرفي هنا ناتج عن:
 تصميم واجهات تفاعلية عالية الاستجابة (Low Latency UI)
 أنظمة مكافأة رقمية (Reward Systems) تُنشّط دوائر الدوبامين في الدماغ
 
الهندسة النفسية والسلوك الانفعالي
 
يوضح مارك غريفيثس في كتابه Video Games and Education (المملكة المتحدة، 2002) أن الألعاب تُبنى على نماذج تعزيز سلوكي مستمدة من علم النفس السلوكي، تُترجم هندسيًا إلى خوارزميات نقاط ومستويات. هذه البنية قد تعزز الدافعية، لكنها في حال الإفراط تؤدي إلى التعلّق القهري واضطراب التنظيم الانفعالي.
 
كما تؤكد الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) في تقريرها (واشنطن، 2015) أن التعرض الطويل لألعاب ذات محتوى عنيف أو تنافسي مفرط قد يرتبط بارتفاع القلق وضعف التحكم الانفعالي، خاصة لدى الأطفال، وهو ما يعكس خللًا في التوازن بين التحفيز العصبي والاستجابة النفسية.
 
البعد التربوي الهندسي والتعلّم الرقمي
 
من زاوية التربية الهندسية، يرى ديفيد باكنغهام في كتابه Children and Media (كامبردج، 2007) أن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب التصميم التربوي الواعي. فالألعاب التعليمية الفعّالة تُبنى وفق:
 نماذج تصميم تعليمي (Instructional Design Models) ،أهداف تعلم قابلة للقياس، تكامل بين المتعة والمعرفة . وتشير دراسة سوينغ وآخرين في مجلة Pediatrics (الولايات المتحدة، 2010) إلى أن الاستخدام غير المنضبط للألعاب قد يؤثر سلبًا في الانتباه الأكاديمي، ما يستدعي تدخلًا تربويًا قائمًا على تنظيم الزمن ونوعية المحتوى.
 
المنظور الصحي والتقني العالمي
 
أدرجت منظمة الصحة العالمية (WHO) في جنيف (2019) اضطراب الألعاب الرقمية ضمن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، مؤكدة أن الخلل يظهر عندما تطغى الأنظمة الرقمية على الوظائف التعليمية والاجتماعية، وهو ما يعكس فشلًا في التوازن الهندسي–التربوي للاستخدام.
 
ولكن هناك عدد من الألعاب الإلكترونية التي قد تشكل خطورة على الأطفال من مختلف الجوانب النفسية والسلوكية والاجتماعية بشهادة اهم الدراسات التحليلية . فمثلاً، لعبة Grand Theft Auto (GTA) تحتوي على محتوى عنيف وتشجع على السلوك العدواني ومحاكاة الجريمة، وقد أشار APA (American Psychological Association, 2015) إلى ارتباط هذا النوع من الألعاب بزيادة العدوانية لدى الأطفال والمراهقين.
 
وبالمثل Call of Duty في إصداراتها العنيفة، قد تؤدي إلى تنشيط الاستجابات الانفعالية السريعة وزيادة العدوانية، وفق دراسة Anderson & Bushman (2001) في مجلة Journal of Personality and Social Psychology.
 
أما لعبة Fortnite فهي مصممة بأسلوب يحفز الإدمان الرقمي، ويعزز إفراز الدوبامين بشكل متكرر، مما قد يؤدي إلى اضطرابات النوم عند الأطفال، وهو ما أكدت عليه منظمة الصحة العالمية (WHO, 2019).
 
كما يمكن أن يكون Roblox غير المراقب خطيرًا، إذ قد يتعرض الطفل من خلاله لمحتوى غير مناسب، أو يتفاعل مع غرباء، ما يرفع احتمالية الإساءة الاجتماعية. وقد أظهرت دراسة Swing وآخرون (Pediatrics, 2010) تأثير هذا النوع من الألعاب على الانتباه والسلوك الاجتماعي للأطفال.
 
أما ألعاب مثل FIFA Ultimate Team التي تحتوي على عناصر Loot Boxes، فتقارب المقامرة الرقمية، وتعزز السلوك القهري لدى اللاعبين الصغار، بحسب دراسة Nature Human Behaviour (2018)، وهو نفس التأثير الموجود في Clash Royale وPUBG فيما يخص المشتريات داخل اللعبة والضغط النفسي والمالي على الأطفال.
 
وتبرز أيضًا ألعاب التحديات الخطيرة على الإنترنت، التي تنتشر أحيانًا عبر منصات التواصل، حيث تمثل ضغطًا جماعيًا وتشجع على تقليد أعمى، مع تهديد مباشر للسلامة الجسدية والنفسية للأطفال، حسب WHO, 2019.
 
ومن هنا دعنا نبلور الصورة كاملة.. 
 
حيث تكشف القراءة الهندسية والتربوية أن الألعاب الإلكترونية ليست مجرد محتوى، بل منظومات رقمية ذات تأثير مباشر على البنية المعرفية والنفسية للطفل. وبينما يمكن لتصميمها الذكي أن يدعم التعلم وتنمية المهارات، فإن غياب الضبط التربوي والهندسي قد يحولها إلى عامل ضغط معرفي ونفسي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى شراكة واعية بين المهندسين التربويين، والمعلمين، وأولياء الأمور، لضمان توظيف الألعاب الإلكترونية كأداة بناء لا هدم في تشكيل عقول الأطفال. 

 

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عمرو الغفاري

المزيد من مقالات

نفس الحكاية بوجهٍ مختلف: لماذا نكرر العلاقات المؤلمة؟

كثيرون يقولون بعد نهاية علاقة متعبة: “لا أفهم لماذا يحدث لي هذا دائمًا.” يتغير الأشخاص، تختلف التفاصيل، لكن الإحساس الأخير...

الألعاب الالكترونية من الترفيه الى التأثير

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت أنظمة رقمية معقّدة تُصمَّم وفق مبادئ هندسية دقيقة تجمع بين هندسة...

المقهى الدبلوماسي.. الصراع الأمريكي الإيراني.. وليلة نصف شعبان

لكم اشتقت لمقعدي في المقهى الدبلوماسي بين الأخلاء والأصحاب.. واليوم.. لم أصدق وأنا أرتشف من قهوتي الفرنسية.. أنني قد عدت...

تحويل القبلة.. حدث يؤكد وسطية أمة الإسلام

كان سيدنا رسول الله ﷺ في مكة يصلي إلى بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس؛ كي يستقبلهما معًا؛...


مقالات