بين الرحيل والعودة.. معاناة أهالي غزة مستمرة

في ظل تعقيدات سياسية وأمنية وبعد 15 شهرا من النزوح والمعاناة.. يواصل أكثر من مليون نازح في وسط وجنوبي قطاع غزة العودة إلى أحيائهم في مدينة غزة وشمال القطاع بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين وإسرائيل.

ووسط احتفاء شعبي عربي وفلسطيني بعودة الأشقاء في غزة إلى مناطقهم في الشمال بعد إجبارهم على النزوح قسريا إلى جنوب القطاع، تبرز تساؤلات هامة حول مستقبل الحياة في المناطق المدمرة وسط تباين في المواقف الإسرائيلية والفلسطينية بشأن هذه الخطوة.

وكما قال الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش "وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر".. أبى الفلسطينيون بشكل قاطع مغادرة غزة إلى الخارج، رافضين كافة مشاريع التهجير التي طرحتها إسرائيل والولايات المتحدة خلال الحرب الأخيرة.

النزوح من غزة والعودة إلىها يمثلان قصة معاناة فلسطينية مستمرة منذ عقود.. وفي كل مرة مع اشتعال الموقف والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي يجبر السكان على الرحيل إلا أنهم دائما يتمسكون بحقهم في العودة.

ويظل تهجير الفلسطينيين من أراضيهم حلم إسرائيلي لم تتوقف الدولة العبرية عن التفكير به منذ نكبة 1948، وبين الحين والآخر تتجدد الفكرة سواء من الداخل أو من الحليفة أمريكا، حيث أحدث المحاولات اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل سكان في غزة إلى مصر والأردن.

وهو ما أثار موجة واسعة من الرفض والغضب الشعبي والرسمي، لأن سيناء لن تكون يوما وطنا بديلا، وأن القضية الفلسطينية لا يمكن تصفيتها بهذه المخططات.

الموقف المصري أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسى، حين قال إن ترحيل أو تهجير الشعب الفلسطيني هو "ظلم لا يمكن أن نشارك فيه"، مؤكدا أن ثوابت الموقف المصري التاريخي للقضية الفلسطينية لا يمكن أبدا التنازل بأي شكل من الأشكال عن تلك الثوابت والأسس الجوهرية التي يقوم عليها الموقف المصري.

* رحلة شاقة

النازحون سيتمكنون من العودة عبر شارع الرشيد الساحلي سيرا على الأقدام دون الحاجة لتفتيش، بينما خصص شارع صلاح الدين للعائدين بمركباتهم، بشرط الخضوع لإجراءات التفتيش بإشراف لجنة خاصة.

ورغم هذه الترتيبات، يتوقع أن تكون رحلة العودة شاقة الطريق مليء بالعقبات النفسية واللوجستية، كما أن إعادة إعمار الشمال ستكون تحديا كبيرا في ظل الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمرافق العامة.

* تباين المواقف

تباينت وجهات النظر بين المعسكرين الفلسطيني والإسرائيلي، فقد اعتبر الفلسطينيون أن العودة الجماعية للسكان تشكل هزيمة للمشاريع الاستيطانية الإسرائيلية، التي سعت لتصفية الوجود الفلسطيني.

بينما ثار الجدل في الداخل الإسرائيلي بشأن عودة النازحين إلى شمال غزة خاصة مع دعوات بعض المسؤولين المتطرفين لاستئناف العمليات العسكرية وإعادة إنشاء مستوطنات في القطاع.

كما أن الموقف الرسمي الإسرائيلي يعتبر أن تهديد غزة قد انخفض منذ أحداث 7 أكتوبر، وأن حماس أصبحت أضعف عسكريا.

* غزة في قلب الدمار

دمار شامل غير معالم قطاع غزة بشكل جذري.. هذا ما وجده العائدون الذين لم يتوقعوا أن يجدوا أنفسهم أمام أنقاض لم تترك وراءها أي أثر لحياتهم السابقة فالدمار كان شاملا، وبعض العائدين لم يتمكنوا حتى من التعرف على أماكن بيوتهم السابقة بسبب الخراب الذي أصاب الشوارع والمباني.

ومع انهيار البنية التحتية، كان الوصول إلى بعض الأماكن المدمرة أمرا صعبا إذ تسببت الأنقاض في إعاقة الحركة والتواصل بين المناطق كما أن هذا الدمار لا يقتصر على المباني فقط، بل يشمل أيضًا الشوارع التي أصبحت غير صالحة للاستخدام، فضلا عن الآثار البيئية المدمرة التي تركتها الحرب.

وشهدت غزة دمارا واسعا جراء القصف الإسرائيلي، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن
حرب غزة تسببت منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى وقف إطلاق النار في 19 يناير 2025، بأضرار واسعة النطاق في البنية التحتية في جميع أنحاء غزة ونزح 90 % من سكان غزة بنحو مليون و900 ألف.

وقتل أكثر من 46 ألف فلسطيني وفقا لوزارة الصحة في غزة، ودمرت الكثير من البنية التحتية في جميع أنحاء القطاع بسبب الغارات الجوية.

جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة أعلن أن محافظة الشمال تحولت إلى "مقبرة جماعية"، كما أن عملية انتشال الجثامين من تحت الركام مهمة شبه مستحيلة دون دخول معدات ثقيلة.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن 59.8 % من المباني في قطاع غزة تضررت أو دمرت منذ بداية الحرب وتركزت غالبية الغارات الإسرائيلية في المناطق الحضرية، كما تعرضت البنية الأساسية للقصف عدة مرات.

وبلغ حجم الحطام الناتج عن حرب غزة التي استمرت 15 شهرا ما يعادل 17 ضعف إجمالي حطام جميع الحروب بين إسرائيل وقطاع غزة منذ عام 2008 وتم تدمير 90% من الشوارع بما يعادل 2.83 مليون متر طولي من شبكات الطرق، و88% من شبكات المياه والصرف الصحي بمجموع 655 ألف متر طولي، و330 ألف متر طولي من شبكات المياه، و717 بئر مياه.

فيما دمرت شبكة الكهرباء ومكوناتها بنسبة 100% بمجموع 3680 كيلو مترا طوليا من شبكات الكهرباء، و2105 محول توزيعِ كهرباء.

مصادر فلسطينية محلية أكدت أن مدن رفح جنوبي قطاع غزة، وبيت لاهيا وبيت حانون شمالي قطاع غزة سجلت أعلى معدلات من الدمار، بالإضافة إلى حي الشجاعية شرق مدينة غزة، والمناطق الشرقية لمحافظة خان يونس.

وتقول بيانات صادرة عن منظمات دولية إنه في عام 2024 بلغ حجم الحطام في القطاع نحو 51 مليون طن، وقد تستغرق عملية إزالة جميع الأنقاض نحو 21 عاما.

وتوقعت الأمم المتحدة أن يواجه 91 % من مواطني قطاع غزة مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

ومن بين التحديات الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية ففي سبتمبر الماضي قالت الأمم المتحدة إن 67.6 % من الأراضي الزراعية تضررت بسبب القصف وآثار المركبات وغيرها من "الضغوط المرتبطة بالصراع".

وشدد المهندس عاهد بسيسو، وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني، أن حجم الدمار في قطاع غزة "لم يسبق لها مثيل"، مؤكدا أن مدنا بأكملها لم تتعرض للدمار خلال الحرب العالمية الثانية كما دمر قطاع غزة وأن نسبة الدمار تتجاوز 85% من المباني والبنية التحتية.

وأشار إلى اعتياد الشعب الفلسطيني في غزة على تدمير القطاع منذ عام 2007، والتي شهد خلالها قرابة 5 حروب، مؤكدا أن الدمار الحالي غير مسبوق.

وتابع "في حال توفرت الإمكانيات والدعم المادي، وهو ما يتطلع إليه الفلسطينيون من أشقائنا في الدول العربية والصناديق العربية؛ فإن العالم سيفاجأ بالوقت الذي سنعيد فيه غزة كما كانت ونحافظ على تراثها الثقافي والعمراني".

وشدد أن غزة بالنسبة لشعبها هي الأمل، موضحا أن الشعب الفلسطيني في غزة عاد إلى مساكنه وهو يعلم أنه لن يجدها بعد تدميرها لكن لديه الإصرار على البقاء في أرضه.

 

Katen Doe

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ل
ترمب
ترامب
غزة
قصف غزة
سوريا
مجاعة

المزيد من تقارير عرب وعالم

"ستارت الجديدة" إلى الهاوية.. والأمن النووي العالمي في مهب الريح

خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.

نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن.. استقبال 19.5 مليون حاج ومعتمر خلال 2025

في مؤشرات قياسية تعكس التطور المتسارع لمنظومة خدمة ضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية 2030.. استقبلت المملكة العربية السعودية 19.5 مليون...

بين تقديس الرفات و تدنيس القبور ..إسرائيل دولة "أبارتهايد" حتى للموتى

في الوقت الذي حبست فيه إسرائيل أنفاسها احتفاء باستعادة جثة آخر أسير لها في قطاع غزة، سخرت لهذه العملية جيشًا...

نحو سوريا الموحدة.."الشرع" يوقع اتفاق وقف إطلاق النار واندماج الحكومة و"قسد"

في نقطة تحول محورية في مسار تعزيز وحدة سوريا واستقرارها، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.. وتمهيد الطريق لاطلاق عملية...