الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يروى: حكايات 90 يوماً فى جنوب إفريقيا

راديو «جوهانسبرج» قطع البث ليعلن خبر وصوله.. والحرس الوطنى نظم أكبر موكب لاستقباله / إلتقى 300 ألف مسلم وزار 35 مدينة وتلى القرآن لمدة 500 ساعة وقضى 24 ساعة فى حديقة الحيوان / صحيفة «مسلم نيوز» خصصت عددها للحديث عن عميد التلاوة.. و«نيوز ويك» الأمريكية تحدثت عن تأثير نقيب المقارئ المصرية فى القارة السمراء

الشيخ عبدالباسط عبدالصمد واحد من أعمدة التلاوة البارزين في مصر والعالم العربي والإسلامي، ينتمي لعائلة مشهورة بحفظ القرآن الكريم بمركز أرمنت (التابع حاليا لمحافظة قنا)، وقد ولد بقرية المراغزة في أول يناير 1937، وعندما بلغ السادسة من عمره التحق بالكُتاب، وأتم حفظ القرآن وهو في العاشرة على يد  الشيخ محمد  الأمير الذي لاحظ في تلميذه النجيب سرعة الحفظ وحلاوة الصوت والتمكن من مخارج الألفاظ، وأخذ "عبد الباسط" القراءات على يد الشيخ محمد سليم حمادة، وعندما بلغ الخامسة عشر أصبحت له مكانة كبيرة كقارئ في الصعيد، وكان أن سافر في العام 1950 مع بعض من أبناء قريته لحضور ليالي مولد السيدة زينب، وكان يحيى الاحتفال بها كبار القراء كل عام، وفى أثناء استراحة الشيوخ من التلاوة، استأذن له أحد بلدياته من خطيب المسجد فى عشر دقائق.. امتدت إلى ساعة.. ثم جاءت الصدفة التي حملت صوته إلى كل بيوت مصر، ومنها إلى مدن العالم.

خطيب مسجد السيدة سمح للشيخ عبد الباسط عبد الصمد أن يتلو القرآن لمدة عشر دقائق فقط، ولما استهل التلاوة خيَّم على الحضور السكون، وبدأ يتلو والناس تصيح بالإعجاب، استمر في التلاوة لمدة ساعة ونصف الساعة، وبالصدفة سمعه مسئول بالإذاعة المصرية فأعجب بصوته، وفى اليوم التالي اتصل الشيخ "الضباع"؛ شيخ المقارئ المصرية به ليطلب منه الالتحاق بالإذاعة، وهكذا أصبح "عبد الباسط عبد الصمد" قارئا بالإذاعة المصرية بدون اختبار.

 خمسون قرشا في أرمنت

خرجت شهرة الشيخ عبدالباسط من مسجد السيدة زينب عندما كان يتلو كل ليلة من ليالى المولد من القرآن الكريم، ومن الحى الشعبى الأصيل تذوق الناس حلاوة الصوت والقدرة على النفس الطويل الذى تميز به الشيخ.. ومن مسجد السيدة زينب أيضا الذى يتجمع فيه المتصوفون من كل لون.. سمعة بعض المسئولين بالإذاعة الذين نصحوه بالتقديم إليها وعمل الاختبارات اللازمة.. وكان الشيخ هو المقرئ المشهور: وحتى الآن وفى كل مولد للسيدة زينب يسهر الشيخ حتى الصباح يتلو.. و يتلو للناس نذرا ووفاء لله.

بدأ صوت الشيخ "عبد الباسط" يصل إلى الناس كل يوم  سبت عبر الإذاعة، وكانت أول تلاوة له من سورة فاطر، وفى نفس عام التحاقه بالإذاعة عين قارئنا لمسجد الإمام الشافعى، ثم لمسجد الإمام الحسين في العام 1958 خلفا للشيخ محمود على البنا، وانهالت عليه الدعوات من شتى بقاع الأرض، وكانت تستقبله شعوب الدول الإسلامية استقبالا  حافلاً.

وفي العام 1966 أجرت معه مجلة الإذاعة والتليفزيون حوارَا خاصًا تحدث فيه عن عن رحلته من العام 1927، يوم أن كان طالبا فى كتاب قريتهم بأرمنت.. ونشأته فى بيت صغير لموظف رقيق الحال بالسكة  الحديد، وثلاثة أخوة هو رابعهم.. وقال في حواره للكاتب الصحفي محمد جابر والذي نشرته المجلة في 17 ديسمبر 1966: "بدأت فى تلاوة القرآن مجانا.. أو نظير دعوة صالحة، وكان أكبر أجر تقاضيته فى أرمنت خمسين قرشا".

 الشيخ فى رحلاته

تعددت سفريات الشيخ عبد الباسط عبد الصمد وفي مسيرته الممتدة زار معظم بلاد المسلمين فى الشرق والغرب والتقي هناك بملوكها ورؤسائها، فسافر بدعوة إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج، وكانت فرصة للمملكة أن تطلب منه تسجيل عدة تلاوات، وكان أشهرها التي سجلت بالحرم النبوي، ولُقب بعدها بـ"صوت مكة"، وفى عام 1956 كرمته سوريا بمنحه وسام  الاستحقاق، كما حصل على وسام الأرز من لبنان والوسام الذهبي من ماليزيا، وحاز العشرات من  الأوسمة والنياشين من كل دولة، لكنه يؤكد أن أغلاها عنده محبة المسلمين وعشقهم لكتاب الله الكريم..

وهناك أسفار يعتز بها الشيخ؛ يقول في حواره آنذاك: "لا أنسى الصحبة  الكريمة لملك المغرب الراحل محمد الخامس، فقد صحبته فى كل  البلاد  التى زارها، وقضينا شهرًا بالمدينة ومكة نتلو فيها معًا من آيات الله، وقد طلب منى الملك الراحل أن أقيم بالمغرب إلى الأبد، لكنى لست مِلكًا لنفسى بل للمسلمين جميعا".

 الطريق إلى جنوب إفريقيا

وقد تحدث عن أشهر سفرياته آنذاك، وكانت إلى جنوب إفريقيا؛ حيث قطع راديو جوهانسبرج بجنوب أفريقيا برامجه فجأة ليعلن للمواطنين هناك هذا النبأ: (أيها المواطنون نأسف لقطع برامجنا الآن.. ويسرنا أن نعلن إليكم الآن وصول الشيخ عبدالباسط عبدالضمد المقرئ الرسمى للجمهورية العربية المتحدة.. وفى استقباله الآن وفد رسمى وشعبى بالمطار).

وقال الشيخ: "استمر الراديو فى وصف الاستقبال الحار الذى قوبلت به.. وفى دقائق كانت ساحة المطار تمتلئ بآلاف المسلمين لاستقبالى.. ولم يكن يخطر بذهنى مطلقا- رغم كل ما يمكن أن أتصوره- إنى سأستقبل استقبالا رائعا كهذا.. فقد كانت مجرد دعوة رقيقة من الحاج محمد رشيد أدراشيا رئيس المركز الإسلامى بجنوب أفريقيا".

قضي الشيخ فى جوهانسبرج شهرا ونصف الشهر ضيفا على أحد  المواطنين المسلمين هناك.. وعندما ينصرف المترجم ليلا كان الشيخ وصاحب المنزل يستعينان بقاموس عربى- انجليزى للكلام أو التعامل، وخلال تلك الفترة زار الشيخ 35 مدينة يذكر منها: درين، يورت اليزابيث، وستنبورج، بتوريا، رأس الرجاء الصالح.. وقضي فى كل مدينة ليلة يتلو فيها من آيات الله حتى الصباح.. وقد قرأ فى مساجد جنوب أفريقيا الخمسة.. وفى قاعة البلدية التى تسع 30 ألف مواطن إلى جانب ما كان يتجمع منهم خارج القاعة.

يقول: "كان لقائى مع 300 ألف مسلم طوال شهر ونصف الشهر.. تلوت خلالها لهم 500 ساعة من القرآن الكريم دون أجر، كان يحضر تلاوة القرآن أعضاء الحكومة من غير المسلمين، وخصص لحراستى حرس خاص من  الشرطة.. كان يستقبلنى فى كل مكان أذهب إليه بالتحية العسكرية".

أما أعظم ما يعتز به الشيخ فهو أن 25 مواطنا أعلنوا إسلامهم بعد سماع تلاوته للقرآن، ويقول إن ذلك سر من أسرار القرآن وإعجازه، كما أن المسلمين هناك فى حاجة شديدة لدعاة ومعلمين، فهم يتعطشون إلى تعلم أى شىء عن الإسلام وتعاليمه.. فلماذا نغفل عنهم؟!

 أسئلة ومشاهدات في جوهانسبرج

في جوهانسبرج كانوا مشغولين آنذاك بمصر ومواقفها، يسألون عن جمال عبدالناصر والحلف  الإسلامى، وعندما سألوا الشيخ قدم لهم شرحا وافيا في ذلك، وكلمهم عن جمال عبدالناصر المسلم المتدين.. وأمل مصر فيه. وقد أصدرت جريدة "مسلم نيوز" التى تصدر بالإنجليزية عددًا خاصًا 12 صفحة عن زيارة الشيخ، وأفردت مجلة "نيوزويك" الأمريكية صفحة كاملة عن الزيارة وأهميتها بالنسبة للمسلمين هناك.

ويحكي الشيخ عن أبرز وأغرب ما شاهده هناك؛ يقول: "زرت حديقة الحــــيوان ومســـاحتها 230 مـــــيلا، والحيوانات فيها طليقة بدون أقفاص، وليس للحديقة أى سور حولها، وعلى المشاهدين أن يتجولوا فى الحديقة كما يحلو لهم داخل عربة مقفلة. قضينا فى هذه الحديقة العجيبة طوال ليلة ونهار.. وبالحديقة لوكاندتان للزوار".

وعن أجمل هدية قدموها له هناك، يقول: "آلة تصوير؛ تصور وتطبع الصورة فى الحال.. ومنذ وصولى وهم يحاولون تفصيل كاكولتين لإهدائهما لى، وحتى عودتى لم يستطيعوا إكمالهما.. وفى مصر أعطيتهما للترزى لتفصيلهما من جديد".

وإذا كان استقبال الشيخ عبد الباسط عبد الصمد في جوهانسبرج فاق توقعاته فإن الوداع كان خياليا؛ كما يقول الشيخ؛ ويوضح: "لقد تبرعت النساء بإعداد وليمة لألف شخص برأس الرجاء الصالح بمناسبة حفل التوديع، وقد تجمع الحرس الوطنى للمسلمين من أنحاء جنوب أفريقيا ليقيم عرضًا خاصًا تتقدمه فرق الموسيقى وحرس الشرف". وفي حواره الذي أجري معه عقب عودته، قال: "إن أروع أيام عمرى عشتها فى شهر ونصف الشهر مع كتاب الله وقوم مؤمنين به لم أحلم طوال عمرى بهذه الأيام فى عظمتها وجلالها".

 مشاغل الشيخ وأغرب رسائل المعجبين

في حواره الذي يمر عليه اليوم نحو 58 عاما قال الشيخ آنذاك إن رسالته فى الحياة أن  يؤدى بإخلاص فى نشر القرآن الكريم فى البلاد الإسلامية النائية، وأن ما يشغله هو تسجيل كامل للمصحف المجود يزيد عن مائة اسطوانة لحساب إحدى شركات الاسطوانات، وأن أحب أوقات فراغه تلك التى  يقضيها فى خلوة مع نفسه يقرأ كتب التفسير.. ويدندن لنفسه بآيات من كتاب الله الكريم.

وفي إمكانية تلحين القرآن الكريم قال: "هذا ليس ممكنا لوجود حركات المد والغُن وهى صعبة جدا.. وإذا وافق علماء المسلمين وفقهاؤهم على تلحين القرآن سأكون أول من يقرؤه".

ولما سمع محاوره محمد جابر أغنية أم كلثوم "فكرونى ازاى هو أنا نسيته" تنبعث من إحدى الحجرات بفيللا الشيخ، سأله عمن يحب من المطربين، فقال: "أحب أم كلثوم.. وتعجبنى جدا فيروز، وسعاد محمد، ونجاح سلام.. وأحب عبدالوهاب القديم؛السميعة المعتقين دائما يعشقون القديم وخاصة عبدالوهاب، كما  أحب عبدالغنى السيد، ومحمد قنديل". وأضاف: "أحب مشاهدة التمثيليات فى التليفزيون.. وتستهوينى جدا مشاهدة مباريات  الكرة، وأحب اللعب الجيد فقط مع أن أولادى نصفهم زملكاوى والنصف الآخر أهلاوى".

وعن أغرب رسائل المعجبين التى تصل الشيخ من كافة البلاد الإسلامية، يقول: "تلك التى يطلبون فيها أجهزة راديو لأنهم معجبون بتلاوتى".

  أحلام الشيخ وأمنياته

كانت فلسفة الشيخ  فى الحياة آية من آيات الله؛ يقول: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه". وفى حواره المشار إليه كان من أحلام الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أن يكون مقرئا مشهورًا- يمتلك عربة خاصة- وقال آنذاك: "لقد نلت أكثر مما تمنيت.. وأما بنعمة ربك فحدث"؛ فقد أصبح واحدًا من أهم المقرئين فى مصر والعالم الإسلامى وفي العام 1984 صار أول نقيب لقراء مصر. ولا زال الكثيرون يعدون صوته طقسا من طقوس شهر رمضان، إذ يرتبط عندهم بالشهر الكريم ارتباطهم بالصيام والصلاة نفسها، ولا يشعرون بمذاقه إلا عندما تتجلى تلاوته قبيل انطلاق مدفع الإفطار، وخلّف وراءه كنزًا من كنوز الله، فترك بالإذاعة تسجيلات المصحف المرتل، واستمر طوال حياته يحصل على التكريمات عامًا تلو الآخر.

للشيخ عبد الباسط تسعة  أولاد؛ (ستة أولاد وثلاثة بنات)، وقد تمنى أن يتسلم واحد من أبنائه راية ترتيل القرآن الكريم وهو ما تحقق- بحمد الله في حياة الشيخ- مع ابنه الكبير "طارق" فقد استمع إليه أول مرة فى البيت، ونصحه وأثنى على صوته، وأول مرة سمعه أمام الجمهور كانت فى عزاء بقرية المطاعنة بمدينة إسنا، وطلب منه الحضور الاستماع لأحد أبنائه فقدم ابنه "طارق" للتلاوة.

وفي حوار لي مع اللواء طارق عبدالباسط عبد الصمد عن ظروف رحيل  والده، قال: "كان فى عصر يوم  الثلاثاء من نوفمبر عام 1988، وانتقل إلى جوار ربه عن عمر يناهز 61 عاما، قضى جميعها فى خدمة كتاب الله، وأقيمت صلاة الجنازة بمسجد مصطفى محمود بحضور الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر ومكرم عبيد ومندوب الرئيس الدكتور "محمد على محجوب" وزير الأوقاف كما حضر العديد من القراء وسفراء الدول العربية.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات

منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م
شارع المعز لدين الله
  • الخميس، 26 فبراير 2026 09:00 ص