السفير جمال بيومى: مذكرات رحالة بريطانى ساعدت مصر فى استعادة طابا

الإعلام البرازيلى دعم الرد على الادعاءات الإسرائيلية كنا جز ءًا من الخداع الاستراتيجى.. وسلمنا رسالة "بأنه لا حرب قبيل اندلاع المعركة" استطعنا تسهيل الوصول للوثائق التى تثبت حقنا فى طابا

يظل نصر أكتوبر مليئا بالحكايات مهما مر الوقت، لأنه في مصر وقتها كانت لكل مواطن حكايته الخاصة.

هناك مواطن عادي وآخر في موقع مسئولية شهد بعضا من كواليس الاستعداد للحرب. ومن هؤلاء السفير جمال بيومي مساعد وزير الخارجية الأسبق، والذي كان وقتها سكرتير الشفرة بالقنصلية المصرية بسفارة مصر بالبرازيل وتحديدا بالقنصلية في ريو دي جانيرو، وكان أحد من أسهموا في رتوش مشهد الخداع الاستراتيجي مع كل العاملين بالسلك الدبلوماسي، فإلى الحوار.

ما ذكرياتك عن كواليس ما قبل العبور؟

في سبتمبر سنة ١٩٧٣، تلقت سفارتنا في ريو دي جانيرو رسالة سرية عاجلة تصدرتها التعليمات التالية: "فور حل هذه البرقية يطلب موعد المقابلة رئيس جمهورية البلد المعتمدين لديه وإبلاغه الرسالة التالية " من السيد الرئيس محمد أنور السادات"، وكنت سكرتير الشفرة بالسفارة... وفور حل وقراءة هذا السطر وجدت السفير يقف ورائي متسائلا عما حوله البرقية. فلما عرف أنها رسالة رئاسية.

اتصل فورا بالسكرتير الأول حسن رمضان، والذي كان قد استقر في برازيليا العاصمة الجديدة، وطلب منه الاتصال برئاسة الجمهورية والخارجية البرازيلية لتحديد موعد القاء الرئيس البرازيلي لإبلاغه بالرسالة، ولم تمض ساعة إلا واتصل زميلنا من برازيليا ليقول إن الموعد مع الرئيس الحدد بعد ظهر اليوم التالي، لكن ما هو مضمون الرسالة المقدرض إبلاغها ... بعد حل السطر الأول، انكسر الرس وتعطل الجهاز، ولما كان لدى بعض خبرة في تصليحه جلست الصباح اليوم التالي لفك الشفرة حرفا بحرف. فلما صارت جاهزة توجه بها السفير لتسليمها للرئيس ومضمونها كان جزءا مهما في خطة الخداع الاستراتيجي التي أتقنها الرئيس السادات، حيث كانت تسجل جهود مصر لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لسيناء بالطرق السلمية وأنها بذلت وسعها للتوصل إلى حل في ضوء قرار مجلس الأمن ٢٤٢ الشهير وانتهت الرسالة الطويلة بإبلاغ أصدقاء مصر بأننا قررنا عرض القضية مجددا على الأمم المتحدة. ولكن كما اتضح بعدها أن ذلك كان ضمن سيناريو الإعداد الدولى المسرح معركة أكتوبر.

فالرسائل التي كانت تحملها الدبلوماسية المصرية للعالم وقتها أن مصر لن تذهب الحرب، وهو ما كان يؤكده الواقع في الداخل والمظاهرات ضد السادات من أجل الحرب وتصريحاته بشأن عام الضباب، حتى أن وزير الدولة للشئون الخارجية الدكتور محمد حسن الزيات كان سيلتقى وزير الخارجية الأمريكي يوم 6 أكتوبر العرض محاولات مصر لحل النزاع دون اللجوء الحرب لكن في الوقت الذي كان يتحدث فيه لنظيره الأمريكي كان الأخير يخبره بأن مصر قد عبرت.

هل كان السفراء على علم بخطة الخداع الاستراتيجي، أم كان الأمر كان يتطلب السرية التامة ؟

السرية التامة هي أساس نجاح الخطة، فحتى القيادات العسكرية الأصغر لم تكن تعلم بها، حتى يوم العبور، كانوا متوجهين على اعتبار أنه يوم تدريب عادي، ففوجئوا بأن المطلوب منهم إقامة الكباري وبدء العبور.

قابلت اللورد كارادون، فهل سألته عن صياغة القرار 242؟

القرار صاغه اللورد كارادون بأسلوب يجعل كل طرف يفسره وفق رؤيته، فهو انسحاب من "كافة" الأراضي كما تراه مصر و انسحاب من "بعض" أراض كما تراه إسرائيل.

وقد اتيحت لي الفرصة لمقابلة اللورد كارادون مرتين الأولى في بوخارست في صيف ١٩٦٨ عندما كلفتني الوزارة وأنا سكرتير ثالث، بأن أمثل مصر في اجتماع مشترك للجنة الخطة، ولجنة التنسيق بالأمم المتحدة. الإعداد برنامج العقد الثاني للتنمية الدولية، والمرة الثانية وأنا وزير مفوض في ألمانيا سنة ١٩٨٥ بعد انتصار أكتوبر في مؤتمر حول الشرق الأوسط، دعت إليه مؤسسة كونراد أديناور، ورأيته يستفز المشاركين من إسرائيل.

ويفسر القرار ٢٤٢ بأنه يعنى الانسحاب من كافة. الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام ١٩٦٧، فسألته: إذا كان هذا هو تفسيرك للقرار ٢٤٢، فلماذا قدمته وقتها بهذه الصياغة المزدوجة المعني؟ فأجاب: "تلك كانت ترجمة توازنات القوى على الأرض في عام ١٩٦٧، فلو صبغ بطريقة أخرى ما تم تمريره، مضيفا أنه كان واثقا من أن مصر لن تقبل باستمرار هذا الخلل، وأنها قادرة على التغيير"، وعبر عن سعادته لحدوث توقعه بحرب أكتوبر.

صف لنا مشهد العبور كما عشته وقتها ؟

التوقيت في البرازيل يتأخر عنه في القاهرة من ٨:٦ ساعات، لذا في ساعة مبكرة من صباح يوم 1 أكتوبر ۱۹۷۳ قرابة الرابعة بعد الظهر بتوقيت القاهرة، دق جرس التليفون بإلحاح رفعت السماعة لأجد الأنسة "إدنا" السكرتيرة السابقة السفارة - وكانت قد تركت العمل سابقا في ظروف متوترة وطلبت منى أن أطلع على الأنباء السارة التي تقول إن القوات المصرية المسلحة تشن عمليات مكثفة للعبور إلى سيناء بالضفة الشرقية القناة السويس، وأنها تحقق نصرا عسكريا غير مسبوق... قلقت العلاقة السكرتيرة السابقة بالسفارة لم تكن في احسن حالاتها، مما جعلني الحفظ في الرد، وخطر لي أنها ربما كانت تتشفى في أمر جلل يحدث في مصر لكن كانت هي تصرخ بفرح "استيقظ يا أخي واستوعب الخير" فبدأت أصدقها على حذر، ولم تكن صحف الصباحقد لحقت بالخبر الفارق التوقيت، ثم بدأت الأخبار تتوالي. ووصل "جوزيف" الساعي المحلي في الثامنة ليقول إنه سمع في الراديو أخبار عبور القوات المسلحة المصرية إلى الضفة الشرقية للقناة، وفي الثالثة عصرا حضر ممثلو قناة أو جلوبو O Globo" التليفزيونية، وطلبوا أن أظهر بعد نشرة أخبار السادسة مساء، الأعلق على .

الأنباء، لكن لم تكن لدينا أنباء موثقة من مصادر رسمية مصرية، ولم يكن بالسفارة لاسلكي أو تليكس أو حتى راديو يعتمد عليه، وكانت الاتصالات التليفونية بالقاهرة من رابع المستحيلات، وبالطبع لم يكن الفاكس والإنترنت قد اخترعا بعد وأجهزة الراديو لم تكن - رغم كفاءتها - تلتقط إذاعات مصرية سوى بصعوبة وفي المساء فاتصلت بالسفارة في برازيليا مستفسرا، ولم تكن أسعد حظا، فلما جاء المساء ركبت سيارتي وصعدت إلى قمة. جبل "الكوركفابو" التي يطل من فوقها تمثال السيد المسيح، متعشما أن يكون المكان مناسبا لالتقاط إذاعات مصر، ولم يخذلني راديو السيارة على هذا الارتفاع في النقاط إذاعة صوت العرب فجاءت رائحة النصر واضحة ونغمة الإعلام المصرى هادئة وواثقة ومدروسة، فكان حديثي بشكل عام عن الحدث، مستر شدا بما جاء في رسالة الرئيس السادات من أن مصر بذات كل المستطاع لاسترداد أراضيها سلما، وأن قواتها المسلحة تقوم الآن بدورها الطبيعي لتحرير أرض الوطن، وجاء أحد الأسئلة حول ما اذا كانت مصر ستصل لتل أبيب لأجيب بأن مصر لن تتخطى حدودها فنحن فقط استرد أرضنا.

وزاد من إحساسنا بالنصر على هذا البعد ۷۰۰۰ ميل التعاطف مع مصر التي تحتل مكانة طيبة لدى الإعلام والرأى العام في البرازيل وإقبال وسائل الإعلام البرازيلية.

كيف تعاملتم كدبلوماسيين مع الأوضاع منذ الاستنزاف للنصر ؟

بتوضيح النقاط لبيان الحق المصري ولمواجهة أي ادعاءات إسرائيلية.. الدبلوماسية المصرية كان دورها محوريا في تصحيح الصورة للمجتمع الدولي، الذي تبرع إسرائيل في خداعه بأن العرب يريدون إلقاءها في البحر مما يخول لها أفعالها، لكن مصر عبر خطاباتها للأمم المتحدة والمجتمع الدولي ومواقفها من القرارات والمبادرات الدولية والتزامها بها، كانت تثبت أنها تجنحالسلام لا الحرب، وأن خيار الحرب يظل مدفوعا بتعنت إسرائيل في تنفيذ الاتفاقات الدولية.

وبعد النصر، أذكر صحفيا بإحدى أكبر الصحف البرازيلية. جاءني وقال إنه بتعليمات من إدارة الصحيفة يحمل تسجيلا لمؤتمر صحفي عقده وزير العمل الإسرائيلي يوسف الموجي والذي كان يزور البرازيل وقتها، وأن الصحيفة غير متعاطفة مع تصريحاته، ولا تصدقها. وتود أن تتيح لي فرصة الاستماع للتسجيل، وبعدها أدلى بحديث مستقل للصحيفة يتضمن الرد المسبق على الأكاذيب التي أطلقها الوزير الإسرائيلي دون أن يظهر انني اطلعت على تصريحاته، وقد نشر حديثي بعناوين كبيرة في صدر الصفحة، بينما جاءت تصريحات وزیر العمل الإسرائيلي تالية ومهدرة القيمة، وهذا يوضحالتعاطي البرازيلي مع قضية مصر وحقها.

موقف آخر حين اتصل بي لاحقا معدو أحد أشهر برامج التليفزيون Fabe Camaro Show، وطلبوا أن أظهر في فقرة من البرنامج الأشرح موقف مصر لكن وقبل الظهور أبلغتنى سفارتنا في برازيليا بأنها تلقت تعليمات من القاهرة بحظر الإدلاء بتصريحات للإعلام إلا بما تبعث به هيئة الاستعلامات، ورغم أنني كنت بدرجة سکرتیر ثان فقد استأذنت السفارة في أن تطلع الوزارة على الكسب الإعلامي الذي تحققه، مع تحملي مسئولية أي خطأ في تصريحاتي التي تستند بالفعل للمواقف المعلنة من الرئيس ومن وزارة الخارجية، وبالفعل ظهرت في البرنامج، وأحدث اللقاء انطباعات جيدة للغاية. ووزارة الخارجية محقة في تخوفها، من أي شطط في التصريحات في ظرف حساس تعلما من أخطاء إعلامية جرت أثناء حرب ١٩٦٧، نتيجة شطط في تصريحات بعض دبلوماسيينا، لكني ما زلت أنصح بأن نطلق حرية الكلام مع ضمان التلقين الجيد وضبط الإيقاع، وإلا فإننا تحرم الدبلوماسية المصرية من أهم أسلحتها، خاصة أننا تدافع عن قضايا وطنية عادلة تحظى بتعاطف عالمي لكن التنسيق الكامل في هذه الأمور له أشد الأهمية. والأهم أننا يجب أن تتحرك وأعيننا على عصا قائد الفرقة والمايسترو "وزير الخارجية".

الجهود الدبلوماسية أيضا قادها الرئيس أنور السادات حينما قرر الذهاب الإسرائيل والكنيست ذاته، وقتها لم أع كيف يحدث ذلك رغم كل الشهداء ومنهم ابن عمى حمدي البيومي أول اسم في لوحة النصب التذكاري بدمياط وشهيد معركة الدبابات الذي أصر على أن ينهى فيها آخر ديابة إلا أنها باغتته.. كيف يذهب لإسرائيل، حتى أن وزير الخارجية وقتها السفير إبراهيم كامل السحب، لكن ما اتضح بعدها أن السادات كانت له اتفاقات دبلوماسية مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر استطاع أن ينتزع بها حق مصر في سيناء.

نمت معاهدة السلام على حل أي خلافات بالتفاوض أو التوفيق وأخيرا التحكيم، فكيف كانت معركة الدبلوماسية في طابا ؟

كانت طابا موقعا استراتيجيا أرادت إسرائيل الاحتفاظ به التوسع نفوذها على خليج العقبة، ومن أشهر معارك استردادها تذكر العلامة ٩١ والتي حركتها إسرائيل لتظهر وكانها جزء من إسرائيل، علامة لا تتجاوز ٦٤ متر، لم تتركها مصر وبالاستعانة بكل الخبرات المصرية في المجالات المختلفة، لإثبات مصريتها وثائقيا حتى لا يكون الإسرائيل مخرج، فكنت وقتها انتقلت الألمانيا. ووجدنا خبيرا مستعدا لمعاونتنا بمقابل لكن في السر. حتى لا يكون في مهب الرواية الإسرائيلية بمحرفة هتلر واعتمدنا على جزئية استنزاف إسرائيل لهم ولأموالهم. بعقدة ذنب هتلر الإنجليز أيضا ساعدونا لكن اشترطوا أيضا ألا يعلم أحد يذلك فحصلنا على وثائق من الأرشيف العثماني والإنجليزي جاء في إحداها أن رحالة بريطانيا تزوج في سيناء وفى وصفه للمكان تحدث عن شجرة دوم تناولا الغداء تحتها، وبتحديد مكانها تم تحديد أن هذه الأرض كانت بالأساس جزءا من مصر لا إسرائيل وأن الأخيرة هي من حركت العلامة، وبعد سنوات عادت طايا ورفع عليها العلم المصري.

كنت مهندس الشراكة المصرية الأوروبية. فماذا عنها؟

بعد معاهدة السلام كانت هناك مساعدات من أوروبا وأمريكا، ودخلنا اتفاقات مشاركة معهم، وأذكر أن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أخذت ٧ سنوات من العمل، أوصلتنا الآن لتكون أكبر مصدري البرتقال والتمور والزيتون وغيرها للاتحاد الأوروبي، لكن كانت هناك عقبات، منها السياسة الحمائية التي كان يتبعها الاتحاد الأوروبي لحماية مصالحه ومزارعيه، خوفا من المنافسة. مريدا تخصيص حصة فقط للصادرات المصرية الزراعية. لكن رفضنا.. فكيف مثلا في البرتقال تصدر مصر ١٧ ألف طن، في حين يسمح لإسرائيل بتصدير ٨٠ ألفا، فتفاوضوا بأن تزيد الحصة ٣ كل سنة، وهنا ضحكت لأن هذا يعنى أن تصل لحصة إسرائيل بعد وفاة الجميع لأنه سيكون بعد ٩٧,٥ عام، ولم يتم ما أرادوا.

 	هبة حسنى

هبة حسنى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

جمال

المزيد من حوارات

غلاق 42 دار أيتام نهائيًا ومحاسبة المسئولين.. بسبب رصد تجاوزات

كشف علاء عبد العاطى مدير عام الرعاية الاجتماعية بوزارة التضامن الاجتماعي عن أرقام ووقائع مهمة تخص الأيتام من نزلاء دور...

الدكتور محمد شطا: طفرة فى زراعات القمح.. لم تحدث منذ العصور القديمة

منظومة ذكية لمنع تسريب الأسمدة إلى السوق السوداء الأسمدة والتقاوى متوافرة.. وأسباب خاصة وراء الشكاوى

استعدادات مكثفة لاستقبال الشهر الكريم.. ورغيف الخبز متوافر على مدار الساعة

رئيس شعبة المخابز بغرف القاهرة التجارية: لا زيادة فى سعر رغيف الخبز المدعم من الدولة فهو ثابت دائمًا عند 20...

إبراهيم السجيني: خطة شاملة لإحكام الرقابة على الأسواق خلال الشهر الكريم

تفعيل منظومة الشكاوى على مدار الساعة.. والتصدى بحزم لأى تلاعب بالأسعار تنسيق كامل مع الأجهزة الرقابية وحملات مكبرة لحماية صحة...