منتدى التعاون العربى الهندى فى دورته الثانية:إعادة تشكيل الشراكة فى عالم متغير

بدعوة من وزارة الشؤون الخارجية الهندية شارك مؤخرا أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في عدد من الفعاليات السياسية والاقتصادية التي عقدت في العاصمة الهندية نيودلهي

 وأبرزها الدورة الثانية للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الهندي، بعد سنوات عديدة من التوقف منذ الانعقاد الأول وذلك بحضور ريم الهاشمي، وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولى بدولة الإمارات الرئيس الحالي لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، إلى جانب (سوبر امانیام جايشنكار)، وزير الشؤون الخارجية لجمهورية الهند، ومشاركة واسعة من الوزراء العرب.

وتأتى الزيارة فى سياق تنامى الاهتمام المشترك بتعزيز الشراكة العربية الهندية على المستويات السياسية والاقتصادية والفكرية، في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

استثمارات متبادلة وتضمن جدول الزيارة افتتاح غرفة التجارة والصناعة والزراعة العربية الهندية بحضور كيرتي سينج وزیر الدولة للشؤون الخارجية والبيئة والغابات وتغير المناخ بالهند ود وائل عواد المكلف بإدارة الغرفة، إضافة إلى السفراء العرب في نيودلهى وعدد من كبار رجال الأعمال وممثلى الشركات من الجانبين العربي والهندي ويعد تدشين الغرفة خطوة مهمة لتعزيز التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المتبادلة بين الدول العربية والهندية، كما عقد على هامش الزيارة، لقاء جماعياً مع رئيس الوزراء الهندى نارندرا مودي بمشاركة عدد من الوزراء العرب؛ لبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، كما شارك ابو الغيط في ندوة فكرية بعنوان (المشهد العالمي المتغير وتأثيره على المنطقة العربية، التي نظمها مركز أبحاث المجلس الهندى للشؤون العالمية، في إطار الحوار حول التحولات الدولية وانعكاساتها على العالم العربي.

تعزيز التعاون

وقال أحمد أبو الغيط في كلمته التي ألقاها في افتتاح المنتدى: إن هذا الاجتماع ينعقد في وقت يمر خلاله العالم بفترة مضطربة ومقلقة ويمر فيها بتغيرات قد تكون عميقة الأثر فتتصاعد التوترات الجيوسياسية والتحديات الاقتصادية وتتفاقم الأزمات الإنسانية وتتراجع الثقة في النظام العالمى مع زيادة مستوى انعدام اليقين وربما يعكس إصرار كلا الطرفين على عقد هذه الدورة إدراكا بخطورة اللحظة، وما تفرضه من ضرورات التنسيق والتشاور بل وتعزيز العمل المشترك والأمانة العامة حريصة على توفير الدعم اللازم لتعزيز التعاون العربي الهندي على كافة المستويات وسوف نستمر في بناء علاقات مؤسسية متينة مع جمهورية الهند وضعت لبنتها الأساسية في ضوء مذكرتي التفاهم الموقعتين بين الجانبين عامي ۲۰۰۸ و ۲۰۱۳ بحيث صار منتدى التعاون العربي الهندي يضم عددا من آليات وأنشطة التعاون في مختلف المجالات التي تعقد سواء في الهند أو الدول العربية لذلك تتطلع إلى تحقيق مخرجات إيجابية خلال هذه الدورة الثانية للاجتماع الوزاري للمنتدى، والتي ستمثل بلا شك محطة مهمة في طريق بناء علاقة استراتيجية فإننا نأمل أن تسهم إيجابا في تحقيق الازدهار والرخاء والاستقرار لشعوبنا.

قلب العالم

ويضيف ولا يخفى على الجميع تأثير إنشاء منتدى التعاون العربي الهندي في توطيد العلاقات بين الجانبين حيث بلغ حجم التبادل التجارى بين الهند والدول العربية نحو ٢٤٠ مليار دولار بالإضافة إلى عقد عدة دورات المؤتمر الشراكة العربية الهندية الذي يشهد مشاركة فعالة من رجال الأعمال العرب والهنود فضلا عن بعض الفعاليات التي عقدت في مجالات الثقافة والإعلام وتنمية الموارد البشرية مثل مهرجان الثقافة العربية الهندية وندوة الإعلام، ومؤتمر رؤساء الجامعات العربية الهندية ولا حاجة بنا إلى إعادة التأكيد على ما يمثله استقرار المنطقة العربية من أهمية كبرى للاستقرار العالمي إن منطقتنا تقع في قلب العالم، جيوسياسيا وجيو اقتصاديا واضطرابها وزيادة التوترات فيها، على نحو ما جرى ويجري، يؤثر سلباً على حركة التجارة وسلاسل الإمداد بل على الأمن العالمي في مجمله، من دون أدنى مبالغة.

قضية عادلة

ويستطرد في حديثه قائلا: وقد شهدت منطقتنا حربًا، عبر عامين كاملين تجاوزت كل حدود القانون وكسرت كل قيود الأخلاق والإنسانية حرباً شنتها إسرائيل على قطاع غزة وسكانه راح ضحيتها ما يقرب من ٧٢ ألف فلسطيني ودمرت مقدرات مجتمع بأكمله حتى صار سكانه اليوم وفي برد الشتاء يفترشون العراء ويحتمون بخيام لا تصمد أمام الأمطار ويعيشون بلا خدمات ولا نظم صحية عرضة للأمراض وهدفا لليأس والإحباط الكامل. وهذا الوضع غير قابل للاستمرار ومن الضروري التحرك فورا نحو تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة السلام بعد أن تم تشكيل لجنة وطنية من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة القطاع بالتعاون مع مجلس السلام وصار الطريق ممهدا لمعالجة مشكلة السلاح التابع للمنظمات وكذلك تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل والبدء فوراً في جهود التعافى المبكر وإعادة الإعمار ولا يجب أن يسمح للاحتلال الإسرائيلي أن يعرقل هذه العملية تنفيذا لأجندة متطرفة تسعى إلى استدامة الاحتلال بكل الوسائل الممكنة. ولا شك أن غزة ليست سوی جزء من قضية أكبر وأخطر هي قضية الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة. وطالما ظلت الدولة الفلسطينية واقعا مؤجلاً، فإن منطقتنا ستبقى عرضة لموجات من التوتر والأزمات. إننا هنا تسجل تاريخاً طويلاً للهند في مناصرة حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال وتعول على صوتها المبدئى العالى والواضح في الدفاع عن تلك القضية العادلة باعتبار أن تسوية هذا النزاع على أساس حل الدولتين لا يعد فقط ضرورة استراتيجية، بل هو التزام أخلاقي، وواجب إنساني.المنتدى العربى الهندى

ثقة متبادلة

واختتم حديثه مؤكدا إن التنسيق العربي الهندي في المحافل الدولية بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك يستند إلى الثقة المتبادلة بين الجانبين والتلاقي في المنطلقات والسعى لعالم أكثر تعددية يسع الجميع ويتأسس على مبادئ العدالة، لا منطق القوة مشيرا إلى التطلع في هذا الإطار إلى تحقيق المزيد من التقارب بين الرؤى العربية والهندية عبر تكثيف تبادل وجهات النظر سواء خلال هذه الدورة أو بعدها، بما تشكله من فرصة سائحة للجانبين لعرض رؤيتهما ومواقفهما حيال مختلف القضايا الدولية قائلا أيضا: إننا ننشد تعاوناً حقيقياً نشطا يستند إلى الاحترام المتبادل والندية، وبإرادة سياسية تحول التفاهمات إلى مشاريع عمل والخطط والأفكار إلى برامج مستمرة ومستدامة وستظل جامعة الدول العربية شريكا فاعلا في دعم كل ما يؤدى إلى استقرار الدول وتقوية مؤسساتها الوطنية، وحماية حقوق مواطنيها، وتمكينهم من العيش بكرامة وأمل حيث إن الطريق إلى الاستقرار العالمي يمر عبر تجسيد العدالة في قضايا جوهرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطيني والنظام العالمي لا يمكن أن يتأسس إلا على عمل متعدد الأطراف منسق يحقق مصالح الشعوب جميعاً دون تمييز أو إجحاف فجميعنا يسعى إلى أن يعيش أبناؤنا في عالم أكثر سلما وازدهارا.

إدخال المساعدات

كما عقد أبو الغيط لقاء ثنائيا مع وزير الشؤون الخارجية الهندي، سوبر جایشانكار حيث تناول اللقاء سبل تعزيز التعاون العربي الهندي. كما تناول اللقاء مناقشة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك والتحديات والأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والأوضاع في السودان والصومال واليمن وليبيا وسوريا. وشدد أبو الغيط على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، وبدء التنفيذ الفورى لاستحقاقات المرحلة الثانية من خطة السلام، تمهيدا للتعافى المبكر وإعادة الإعمار.

رؤى عربية

كما شملت تحركات أبو الغيط لقاءات أخرى مع مسؤولين هنود وممثلى مراكز فكر وبحث في محاولة لتوسيع دائرة الحوار لتشمل البعد الأكاديمي والاستراتيجي. كما شهد المنتدى مشاركة عربية لافتة عكست تنوعا في الرؤى، لكنه تنوع يصب في نهاية المطاف في مصلحة واحدة، تتمثل فى بناء شراكة متوازنة مع الهند. وقد أكد عدد من الوزراء العرب في كلماتهم، أهمية الاستفادة من التجربة الهندية في مجالات التكنولوجية والصناعة والابتكار والطاقة المتجددة والبنية التحتية مؤكدين على أن الاقتصاد يمكن أن يشكل مدخلا عمليا لتعزيز العلاقات السياسية، وبناء شراكات طويلة الأمد تقوم على المصالح المشتركة، وليس فقط على التفاهمات الظرفية

علاقات تاريخية

والجدير بالذكر أن الحوار العربي الهندي تعود جذوره إلى إدراك متبادل لأهمية التعاون بين الجانبين، في ظل علاقات تاريخية قديمة امتدت عبر التجارة والثقافة والهجرة إلا أن الإطار المؤسسي للحوار لم يتبلور إلا في السنوات الأخيرة مع تصاعد الدور الهندي عالميا، وبحث الدول العربية عن شركاء دوليين خارج الأطر التقليدية وقد انعقدت الدورة الأولى للحوار في سياق دولى مختلف نسبيا حيث كان التركيز انذاك منصبا على التعاون الاقتصادي والتجاري دون بلورة رؤية سياسية شاملة ومع مرور الوقت، واجه الحوار حالة من الجمود نتيجة تغير الأولويات الدولية، وتفجر أزمات إقليمية متلاحقة، فضلا عن جائحة كورونا التي أعادت ترتيب أجندات الدول

ويأتي إحياء الحوار في دورته الثانية في توقيت بالغ الحساسية. فالعالم يشهد إعادة اصطفاف دولي وتراجعها نسبيا للهيمنة الغربية التقليدية، مقابل صعود قوى أسيوية، وفي مقدمتها الهند وفي المقابل، تسعى الدول العربية إلى تنويع شراكاتها الدولية، وتجنب الارتهان المحاور بعينها. من هنا، يمكن قراءة العقاد الدورة الثانية باعتباره استجابة مباشرة المتغيرات دولية متسارعة.

ومحاولة لبناء شراكة متوازنة تقوم على المصالحالمتبادلة، وليس على التبعية أو ردود الفعل

شراكة استراتيجية

وأخيرا فإن الهند تنظر إلى العالم العربي باعتباره شریکا استراتيجيا في تأمين احتياجاتها من الطاقة، وسولا واعدة للاستثمارات وممرا جغرافيا حيويا يربطها بأفريقيا وأوروبا، كما تسعى نيودلهي إلى تعزيز حضورها السياسي في الشرق الأوسط في إطار سعيها للعب دور عالمی اکبر وفي المقابل يسعى العرب إلى الاستفادة من الخبرة الهندية في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي والصناعات الدوائية والتعليم إضافة إلى جذب الاستثمارات الهندية وبناء شراكات تقلل من حدة

الاستقطاب الدولي. ألية للحوار

ورغم أن الحوار لم يخرج بقرارات تنفيذية فورية، إلا أنه أسس المرحلة جديدة من التنسيق، ووضع أمنا التعاون أكثر عملا في المستقبل، ويمكن اعتبار تثبيت آلية الحوار وتوسيع نطاقه، من أبرز إنجازات الدورة الثانية.

ا دلالات استراتيجية ومستقبل مفتوح

تعكس الدورة الثانية للحوار العربي الهندي إدراكا مترابنا لدى الطرفين بأن النظام الدولى يشهد تحولا جذريا وبينما لا تزال التحديات قائمة، فإن هذا الحوار قد يشكل نواة الشراكة استراتيجية، إذا ما تم البناء عليه بخطوات عملية واضحة.

وأخيرا فإنه في زمن التحولات لم يعد الحوار العربي الهندي خيارا ثانويا، بل ضرورة استراتيجية فرضتها التحولات الدولية وبين الطموح السياسي والمصالحالاقتصادية، يقف هذا الحوار على مفترق طرق، إما أن يتحول إلى شراكة حقيقية، أو يظل مجرد إطار دبلوماسي والكرة الآن في ملعب الطرفين.

منتدى التعاون العربى الهندى

 	هويدا عبد الوهاب

هويدا عبد الوهاب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

اعتماد برامج لتمكين الشباب العربى فى مواجهة التحديات
انتفاضة عربية ودولية ضد الاعتراف الإسرائيلى ب «صومالى لاند »
6 دول تحصل على جائزة التميز الحكومى العربى بجامعة الدول العربية
رئيس الوزراء اللبنانى: يجب إحياء وتعزيز مشروع التكامل العربى المشترك
دعـم عـربى ودولـى لخطـة نـزع ســـلاح حزب الله
رفض عربى وإسلامى لتصريحات نتنياهو حول «إسرائيل الكبرى»
هوي\ا
جامعة

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م