دعـم عـربى ودولـى لخطـة نـزع ســـلاح حزب الله

الجامعة العربية: حصر السلاح فى يد الدولة أحد مبادئ سيادة لبنان جوزيف عون: لبنان تعب من الحروب والأزمات

يشهد لبنان فى الآونة الأخيرة ضغوطا متزايدة من المجتمع الدولى وعلى رأسه الولايات المتحدة وفرنسا، لضبط سلاح حزب الله وإعادة الإعتبار لسيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. وتأتى هذه الضغوط فى ظل تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية مع إسرائيل وذلك ما يضع لبنان أمام تحديات أمنية وسياسية كبيرة جدا تهدد وحدته واستقراره.

وقد أعلنت الحكومة اللبنانية عن موافقتها على أهداف ورقة أميركية تتضمن جدولا زمنيا لنزع سلاح حزب الله وتهدف إلى تمديد وتثبيت اتفاق وقف الأعمال العدائية الذى أنهى الحرب فى نوفمبر  الماضى بين إسرائيل وحزب الله.

إنقسام داخلى

يمثل التصعيد مع إسرائيل على الساحة اللبنانية فى تبادل القصف على الحدود الجنوبية، وسط المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. ورغم أن مثل هذه التوترات ليست جديدة فإن حدتها الأخيرة أعادت ملف سلاح حزب الله إلى الواجهة وطرحت تساؤلات عن مستقبل الاستقرار الداخلى اللبنانى والعلاقات الإقليمية. وفى هذا الإطار أصدرت السلطات اللبنانية  بيانات متكررة تدعو إلى ضبط النفس وتجنب الإنجرار نحو مواجهة واسعة.  ويذكرنا  ذلك بمقولة الرئيس اللبنانى ميشال عون  قبل انتهاء ولايته  حين  أكد على أن لبنان لا يسعى إلى الحرب لكنه يحتفظ بحق الدفاع عن نفسه.

وقال الرئيس اللبنانى الحالى جوزيف عون إن السلطات تعمل على تجنب أى  اضطرابات بعد قرارها تجريد حزب الله من سلاحه والذى قابله الحزب برفض حاد والتحذير من أنه قد يتسبب بـحرب أهلية.

وأضاف قائلا: (لبنان تعب من الحروب والأزمات ونحن سنحاول قدر المستطاع وأكثر تجنيب لبنان أى خضات داخلية أو خارجية)؛ وذلك ردا على سؤال حول التخوف من الاقتتال الداخلي.

 وبالطبع فى  المقابل  يصر حزب الله على أن سلاحه (جزء من معادلة الردع) معتبرًا أن أى حديث عن نزعه يخدم المصلحة الإسرائيلية بالدرجة الأولى. وهو ما يعمق الإنقسام الداخلى بين من يرى فى الحزب قوة ردع تحمى لبنان وبين من يعتبره عبئًا يجر البلاد إلى مواجهات غير محسوبة.

 تدخل إيرانى

أما على صعيد التدخلات الإيرانية فكانت وزارة الخارجية اللبنانية قد أدانت  تصريحات مسؤول إيرانى  عارض فيها نزع سلاح حزب   حزب الله وقال إن مصير ذلك سيكون الفشل. وشجبت الخارجية فى بيان التدخل الإيرانى السافر وغير المقبول كما وصفته فى الشؤون الداخلية للبنان  من قبل على أكبر ولايتى مستشار المرشد الأعلى الإيرانى ورأى ولايتى وهو وزير خارجية سابق لإيران أنها (ليست المرة الأولى التى تُطرح فيها مثل هذه الأفكار فى لبنان، لكنها كما فشلت سابقا ستفشل هذه المرة أيضا، والمقاومة ستصمد فى مواجهة هذه المؤامرات).

كما أكد وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى  أن طهران تدعم أى قرار يتخذه حزب الله بشأن سلاحه وقال: (نحن ندعمه عن بعد لكننا لا نتدخل فى قراراته).

 تضامن كامل

وبالنسبة للموقف العربى تجاه الأزمة اللبنانية فهو دعم دائم للبنان واستقرار وفى نفس الوقت  يحذر من الإنفجار وهناك عدد من الدول العربية وفى مقدمتها مصر والأردن ودول الخليج أعربت عن قلقها من تدهور الأوضاع ودعت الأطراف اللبنانية إلى التمسك بالحوار الداخلى لتجنيب البلاد سيناريوهات خطيرة للخروج من هذا المأذق.

وقد أصدرت جامعة الدول العربية  فى هذا الإطار بيانًا أعربت فيه عن تضامنها الكامل مع لبنان فى مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية مطالبة المجتمع الدولى بلجم تل أبيب ووقف انتهاكاتها. وشدد  الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط  على أن (أمن لبنان جزء لا يتجزأ من الأمن القومى العربي) محذرًا من أن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من الفوضى فى المنطقة، كما أعرب  عن ترحيبه بقرار الحكومة اللبنانية اعتماد خطة عملية لتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة باعتباره سبيلاً  لاستقرار لبنان، وأن مسألة حصرية السلاح فى يد الدولة هو مبدأ اساسى من مبادئ السيادة لا يجوز  تجاهله او خرقه تحت اى ذريعة مؤكدا ان قرار الحكومة اللبنانية باعطاء فترة زمنية للجيش لتطبيقه على الأرض ينبغى ان يلقى تعاونا ومساندة من كل اللبنانيين والحريصين على سيادة لبنان واستقلال قراره. مشددا  على ضرورة قيام القوى النافذة فى المجتمع الدولى بالضغط على اسرائيل للتراجع  عن إحتلالها للأراضى اللبنانية والتوقف عن قصف أهداف داخل لبنان، مشيرا إلى أن التطبيق الدقيق والمتكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الذى تم التوصل إليه فى نوفمبر الماضي، هو الكفيل باستعادة السلم لكل بقاع لبنان.

 الشرعية الدولية  

وأدان البرلمان العربى التصعيد الإسرائيلى المتكرر على الأراضى  اللبنانية معربا  عن بالغ إدانته وإستنكاره للإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضى الجمهورية اللبنانية  واعتبرها إنتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولى وتهديدًا خطيرًا لسيادة الدول وإستقرار المنطقة برمتها، ومشددا على أن إستمرار هذه الإعتداءات المرفوضة ستزيد من حدة التوتر وعدم الإستقرار فى المنطقة وتأتى فى سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض الأمر الواقع بقوة السلاح فى تجاهل تام للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى ذات الصلة.وأكد أيضا على دعمه الكامل والتام للجمهورية اللبنانية  فى الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيهما وسلامة مواطنيهم داعيًا المجتمع الدولى إلى التحرك العاجل والفورى لوضع حد لهذا التصعيد الخطير مجددًا موقفه الثابت والرافض لأى ممارسات تمس سيادة الدول العربية مشيرا فى نفس الوقت   إلى أن الأمن الإقليمى لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الإلتزام الكامل بالقانون الدولى وإحترام سيادة الدول وعدم التدخل فى شؤونها الداخلية.   

 ضغوط وتحذيرات

وأعربت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى عبر عن مخاوفهم من الإنزلاق إلى حرب جديدة. كما  حددت واشنطن  مطالبتها الحكومة اللبنانية بالعمل على حصر السلاح بيد الدولة وإعتبرت أن استمرار حزب الله فى الإحتفاظ بترسانته يشكل تهديدًا للأمن الإقليمي، وفى المقابل، دعت موسكو وباريس إلى التهدئة والحوار مشددتين على ضرورة احترام السيادة اللبنانية وعدم المساس بإستقرار المنطقة. أما الأمم المتحدة  فقد حذرت من (التداعيات الكارثية)، كما عبرت عن وصفها للأوضاع لأى تصعيد  ودعت جميع الأطراف إلى الالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة.

وأمام ذلك يرى محللون لبنانيون أن الأزمة الحالية تعكس مأزقًا مستمرًا منذ سنوات فبينما يشكل سلاح حزب الله عامل ردع ضد إسرائيل فإنه فى الوقت ذاته يشكل مصدر قلق داخلى وإنقسام سياسي. ويشير بعض الخبراء إلى أن إسرائيل قد تستغل الإنقسام الداخلى اللبنانى لتبرير أى عملية عسكرية مستقبلية. وفى المقابل هناك من يعتقد أن ميزان الردع القائم يمنع الطرفين من الإنجرار إلى مواجهة شاملة خصوصًا فى ظل إنشغال إسرائيل بأزماتها الداخلية من جهة بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية فى لبنان من جهة أخرى. 

 حالة ترقب

ولكن إلى أين تتجه الأزمة والمشهد اللبنانى يبدو مفتوحًا على عدة سيناريوهات. فإما أن ينجح الوسطاء الدوليون فى تثبيت التهدئة على الحدود وتبريد الأزمة أو أن تستمر حالة اللاحرب واللاسلم التى تضع لبنان فى دائرة الخطر الدائم.  أما السيناريو الأخطر يتمثل فى إنزلاق الوضع إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تكون نتائجها كارثية على بلد يعانى أصلًا من إنهيار اقتصادى غير مسبوق. وبالمقابل يرى بعض المراقبين أن الأزمة قد تدفع الأطراف اللبنانية إلى إعادة فتح النقاش حول إستراتيجية دفاعية وطنية تعيد تنظيم العلاقة بين الدولة وحزب الله وهو ملف ظل معلقًا لسنوات. وفى كل الأحوال فإن المرحلة المقبلة ستظل حافلة بالترقب وسط إدراك عام أن أى خطأ فى الحسابات قد يشعل مواجهة لا يرغب بها أحد ولكن فى المقابل  يستبعد كثير من المحللين  اندلاع حرب شاملة فى المدى القريب نظرًا للتداعيات الكارثية التى قد تترتب على المنطقة بأكملها، خاصة وأن إسرائيل ما زالت منشغلة بجبهات أخرى.

 معضلة صعبة

لكن على الرغم من هذا الاستبعاد فإن احتمالات التصعيد المحدود تبقى قائمة سواء عبر ضربات متبادلة أو محاولات إسرائيلية لاختبار جاهزية حزب الله. هذا الوضع سيضع الحكومة اللبنانية أمام معضلة صعبة كيفية التوفيق بين الضغوط الدولية المطالبة بفرض سيادتها الكاملة ونزع سلاح الحزب وبين الواقع الداخلى الذى يجعل حزب الله لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه. ولكن مع استمرار التوتر على الحدود مع إسرائيل وإرتفاع حدة التصريحات الإسرائيلية بشأن حتمية نزع سلاح حزب الله يتوقع أن يشهد لبنان مزيدًا من الضغوط الدولية والإقليمية.  

وعلى الصعيد العربى فمن المتوقع أن تزداد وتيرة الوساطات فى المرحلة المقبلة سواء من جامعة الدول العربية أو من دول مثل مصر والسعوديه وقطر بهدف تجنيب لبنان أى مواجهة واسعة. وفى الوقت نفسه قد تحاول بعض القوى الدولية الدفع نحو مقاربة جديدة للملف اللبنانى تربط بين الاستقرار السياسى والإقتصادى من جهة، وبين معالجة ملف سلاح حزب الله من جهة أخرى.

 حوار وطنى

أما على مستوى المشهد الداخلى فإن استمرار الأزمة الإقتصادية سيزيد من هشاشة الوضع وربما يدفع الشارع اللبنانى إلى مزيد من الإحتجاجات ما يضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية ومع ذلك يرى بعض المحللين أن اللحظة قد تحمل فرصا أيضا إذ يمكن أن تشكل الضغوط الحالية حافزًا لإطلاق حوار وطنى واسع يحدد مستقبل العلاقة بين الدولة وحزب الله ويعيد صياغة التوازنات السياسية فى لبنان.

فى النهاية تبقى التوقعات رهينة تطورات الإقليم فإذا تصاعدت المواجهة بين إيران وإسرائيل أو توسعت حرب غزة فإن لبنان سيكون على خط النار بشكل مباشر، أما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية فى احتواء الموقف فقد يتمكن لبنان من اجتياز هذه المرحلة الحرجة بحد أدنى من الخسائر مع بقاء ملف حزب الله مفتوحًا كأحد أعقد القضايا فى المنطقة. نظرا للإنقسام اللبنانى حول الحزب ووجوده وصلاحيته.

Katen Doe

هويدا عبد الوهاب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

انتفاضة عربية ودولية ضد الاعتراف الإسرائيلى ب «صومالى لاند »
6 دول تحصل على جائزة التميز الحكومى العربى بجامعة الدول العربية
رئيس الوزراء اللبنانى: يجب إحياء وتعزيز مشروع التكامل العربى المشترك
رفض عربى وإسلامى لتصريحات نتنياهو حول «إسرائيل الكبرى»
هوي\ا
جامعة
ملتقى دور الإعلام فى ترسيخ ثقافة التسامح
جامعة الدول

المزيد من سياسة

انتفاضة عربية ودولية ضد الاعتراف الإسرائيلى ب «صومالى لاند »

السفير الصومالى: الاعتراف الإسرائيلى ليس مجرد قرار دبلوماسى بل خطوة تهدد استقرار القرن الإفريقى

أخطر 5 تحديات تواجه الأمن القومى المصرى فى 2026

مصر استخدمت ثقلها الدولى لحشد التوافق الدولى لمشروع إعادة إعمار غزة مصر تتحرك وفق خطة متكاملة لحماية حقوها وحفظ أمنها...

خطة الحكـومة للتعامـل مـع المبانى التاريخية والإدارية فى وسط القاهرة

فكري: البيع الكامل يعرض هذه الأصول ذات الأهمية الوطنية والتراثية إلى مخاطر حقيقية سعيد: أى تغيير محتمل فى الحكومة عقب...

تكليفات رئاسية لتحسين حياة المواطـنين وحسم ملف الدين العام

تخفيض معدلات الدين العام بنسب غير مسبوقة.. وتوسيع الإنفاق على الخدمات العامة من حق المواطن مساءلة الحكومة.. وعلينا التعامل مع...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص