توابع موافقة الكنيست الإسرائيلى على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

رغم الإدانات الدولية الواسعة، يواصل العدو الصهيونى جرائمه بحق الشعب الفلسطيني، والتي كان آخرها موافقة الكنيست على القراءة الأولية لقانون يقضى بإعدام الأسرى الفلسطينيين.

 وتأتى محاولات اليمين الإسرائيلي لإقرار هذا القانون لشرعنة الحكم بإعدام الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون محاكمات تفتقر لأبسط معايير العدالة، ويتعرضون لأبشع أنواع التعذيب ويجبرون على الاعتراف بجرائم لا علاقة لهم بها. وقد صدم العالم وهو يتابع صور الأسرى المفرج عنهم مؤخرا من سجون الاحتلال وقد فقد بعضهم بصره وبعضهم محمولا على محفة أو على كرسى متحرك، ما يؤكد تعرضهم لصنوف التعذيب الممنهج داخل السجون الإسرائيلية.

ورغم الإدانات الدولية يواصل العدو الصهيونى نهجه لإقرار هذا القانون العنصرى والذى يهدف إلى إعدام الأسرى الفلسطينيين بعد محاكمات صورية وبتهم فضفاضة مثل "تهديد أن دولة إسرائيل" وهى تهم يسهل للمحقق الإسرائيلى إثباتها على الأسير الفلسطينى حال تمسكه بمواقف وطنية فلسطينية، فكل أسير فلسطينى متمسك بإقامة دولته المستقلة يمكن اعتباره مهددا لأمن دولة الاحتلال.

  القانون موجود مسبقا

وفى هذا يقول الكاتب الفلسطينى وأستاذ العلوم السياسية الدكتور محمود محارب إن إسرائيل لا تحتاج إلى سن قانون بإعدام الأسرى الفلسطينيين لعدة أسباب أولها أن هذا القانون موجود بالفعل لكنه يجيز للقاضى الحكم بإعدام الأسرى وسبق أن استخدم لكن فى حالات قليلة ولم ينفذ الحكم لاعتبارات سياسية ولأن الحكومة الإسرائيلية قد فضلت مبادلة هؤلاء الأسرى بعناصر إسرائيلية أو عملاء لمخابراتها كما حدث مع اثنين من عناصر حركة التحرير الفلسطينى (فتح) المشاركين فى عملية الشهيدة دلال المغربى فى 11 مارس سنة 1978، والذين ظلوا فى السجون الإسرائيلية حتى مبادلتهم فى صفقة شهيرة بين إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فى .1985 مضيفا أن اليمين الإسرائيلى يضغط حاليا لا لإقرار قانون الإعدام بل لتحويل حالة الجواز إلى حالة الوجوب، فيسحب من القاضى سلطة تخفيف الحكم ويصبح الحكم بالإعدام وجوبيا.

وأضاف محمود محارب أن المعركة البرلمانية الدائرة حاليا فى إسرائيل هى محاولة من اليمين لتغيير طبيعة الدولة الإسرائيلية، فهذه الدولة وفق أدبيات مؤسسيها هى دولة يهودية ديمقراطية ليبرالية، وهو ما لا يريده اليمين، فهو يريد دولة يهودية أكثر عنصرية للدين والقومية اليهودية. كما يريد اليمين نزع صلاحيات القضاء فى محاسبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها، خاصة وأن هذا اليمين مشارك رئيسى فى الحكومة الحالية، وتشير استطلاعات الرأى إلى أن سيشارك بقوة فى الحكومات المقبلة، مع اتجاه الشارع الإسرائيلى إلى مزيد من التطرف والجنوح لليمين.

وأوضح محمود محارب أن معارضى قانون إعدام الأسرى لا يختلفون كثيرا عن مؤيديه، فهؤلاء المعارضون يرون تنفيذ حكم الإعدام فى الميدان، وخلال الاشتباك مع أى عناصر فلسطينية وهو ما يحدث بالفعل ويشاهده العالم، فالجيش الإسرائيلى الذى قتل 70 ألف فلسطينى فى غزة لا يتردد فى قتل أسير أو جريح فلسطينى خلال المواجهات، بل وفى كثير من الحالات يكون الشهيد الفلسطينى شخص مدنى لا علاقة له بالاشتباكات مع عناصر الجيش الإسرائيلى وشاهدنا عمليات قتل قامت بها المسيرات الإسرائيلية لأطفال فى قطاع غزة، لا ذنب لهم إلا أنهم فلسطينيون.

وأوضح محمود محارب أن معارضى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ينظرون للأمر بعيون سياسية فهم يرون صورة إسرائيل المتأثرة بشدة بسبب الحرب على غزة، ويرون أن مثل هذا القانون سيزيد من انهيار التأييد لإسرائيل فى الشارع الغربى. وبعضهم يرى أن الحفاظ على الأسرى الفلسطينيين يعطى السلطة الإسرائيلية فرصة التفاوض مع المقاومة الفلسطينية حال نجاحها فى أسر عناصر إسرائيلية.

  أخطر قرارت القمع

من جانبه يقول عضو المجلس الوطنى الفلسطينى ورئيس المجلس الإدارى للإتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين دكتور عبدالرحيم جاموس إن مشروع القانون الإسرائيلى الذى يقضى بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين هو الخطوة الأخطر فى مسار قمع الأسرى داخل سجون الاحتلال. فقرار الكنيست بتمرير هذا المشروع نحو القراءة الأولى ليس خطوة تشريعية عادية، بل هو خطوة لتحويل القانون من أداة مفترضة للعدالة إلى غطاء للقتل الممنهج باسم "الأمن." فهذا القانون العنصرى يستهدف الفلسطينيين وحدهم بمعايير فضفاضة وغامضة، مستخدما عبارات واسعة ويمكن تفسيرها بألف معنى مثل عبارات "نية الإضرار بالدولة" أو "الدافع القومي"، ما يجعله قانونا عنصريا بامتياز، يسقط أى مظهر للحياد القضائى، هذا على افتراض أن القضاء الإسرائيلى به شيء من الحياد أصلا عندما يقضى فى قضية أحد أطرافها فلسطينى.

وأضاف عبدالرحيم  جاموس  أن  هذا  القانون يقوم على الهوية لا على الفعل، وعلى الانتماء لا على الجريمة، وهو ما يحول المحاكمة إلى مسرح سياسى لشرعنة الإعدام لا لتحقيق العدالة، أو حتى تحقيق شيئ منها. خاصة وأن هذا المشروع يأتى استكمالا لمنهج كامل من القمع والتعذيب للأسرى الفلسطينيين،  وهو  ما توثقه منظمات دولية منذ سنوات، فالأسير الفلسطينى يعتقل بلا تهمة، ويوضع فى عزل انفرادى طويل، فضلا عن حرمانه من جميع أشكال الرعاية الطبية، ويتعرض يوميا تعذيب ممنهج جسديا ونفسيا. ثم يأتى اليمين الإسرائيلى ليطالب بإتمام هذه الجريمة بإعدام الأسير الفلسطينى بدل من توفير الحد الأدنى من المحاكمة العادلة.

  انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف

أوضح عبدالرحيم جاموس أن مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف التى تضمن الحماية للأسرى والمعتقلين، وتحظر التمييز فى المعاملة. وهو انتهاك واضح للقانون الدولى ولعل ذلك ما يدركه معارضو القانون فى الداخل الإسرائيلى فهم يدركون أن العالم لن يسمح بمثل هذا القانون. فضلا عن محاكمة الأسرى فى محاكم الاحتلال داخل أراضيه (المحتلة فى عام )1948، ونقلهم من الأراضى المحتلة فى 1967، يشكل خرقا واضحا لتلك الاتفاقيات، ويعرض القائمين على هذا التشريع للمساءلة الدولية، وذلك إن وجدت إرادة حقيقية لتفعيلها، وأعتقد أن هذه الإرادة متوفرة الآن، أو جزء منها بعد حرب غزة.

ولفت عبدالرحيم جاموس إلى إن خطورة هذا القانون لا تتوقف عند حدوده القانونية، بل تتعداها إلى آثاره السياسية والإنسانية. فهو يجهز على أى أمل فى تسوية أو تبادل للأسرى مستقبلا، ويفتح الباب أمام منطق الثأر والانتقام، فهذه الدولة تشرع القتل لمن يقاوم احتلالها وتتحول إلى كيان مارق على القيم الإنسانية. داعيا المجتمع الدولى إلى اتخاذ مواقف جادة وقوية، أكثر من بيانات القلق والإدانة. وعليه أن يتحرك فعليا لمنع تمرير هذا القانون العنصرى، ومحاسبة من يروج له ويدعمه من مجرمى اليمين الإسرائيلى. فالدفاع عن الأسرى الفلسطينيين ليس قضية وطنية فحسب، بل قضية إنسانية تمس جوهر العدالة الدولية، وكرامة الإنسان أينما كان.

  قانون شرعنة جرائم الحرب

فى ذات الإطار يقول الباحث فى الشئون السياسية الدكتور ماهر صافى إن مشروع قانون الإعدام للأسرى الفلسطينيين، إن تم اعتماده بصورة نهائية فى الكنيست الإسرائيلى، سيمثل انتهاكا جسيما للقانون الدولى الإنسانى وشرعنة لعمليات الإعدام الميدانى ضد الفلسطينيين تحت غطاء قانونى. وستكون هذه المصادقة جريمة حرب وانتهاكا سافرا وصارخا لكل قيم الإنسانية وأحكام القانون الدولى التى تكفل وتنص على حماية أسرى الحرب، وهذا القانون العنصرى الصهيونى ليس مستغربا فهو يمثل نتاجا مباشرا لتوجه رسمى داخل الحكومة الصهيونية ووزرائها المتطرفين لتحويل السجون إلى ساحات للقتل والمجازر والإبادة بإشراف سياسى ومن وزراء

الحكومة اليمينية المتطرفة فى حكومة نتيناهو العنصرية

وأضاف ماهر صافى أن إقرار هذه العقوبة الظالمة يتعارض مع الحق فى الحياة، وهو أحد أهم حقوق الإنسان المنصوص عليها فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان. لكن رد الفعل الأممى حتى الآن هو أقل من المتوقع لأنه رهينة للسياسات الأمريكية التى تتحكم فى القرارات الأممية ومجلس الأمن والمؤسسات الحقوقية العاملة وتتعامل مع هذا الملف وكل الملفات التى تتعلق بالقضية الفلسطينية وبالفلسطينيين بازدواجية واضحة وانحياز واضح لصالح دولة الاحتلال.

وأوضح ماهر صافى أن مواصلة الاحتلال الإسرائيلى لارتكاب انتهاكات وجرائم ممنهجة وفاضحة للقوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية حقوق الأسرى الفلسطينيين، السبب الرئيسى فيها هو غياب شبه كامل لآليات المحاسبة والردع الدولى الفعال، لأن هناك من يستخدم الفيتو ضد أى قرار يتعلق بالحقوق الفلسطينية، وهذ الطرف هو الإدارة الأمريكية والتى تتحمل مسئولية مباشرة عن جرائم الاحتلال لأنها أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل فى الاستمرار لمواصلة تلك الانتهاكات ضد الأسرى الفلسطينين والشعب الفلسطينى بشكل عام.

ولفت ماهر صافى إلى أن هناك محاولات عديدة لملاحقة مجرمى الحرب الإسرائيليين مثل قيام جنوب أفريقيا باللجوء إلى المحكة الجنائية الدولية ضد إسرائيل لكن هذه الإجراءات القضائية الجارية تصطدم بعقبات سياسية كبيرة مثل الموقف الأمريكى الموالى لدولة الاحتلال، وغياب الإرادة السياسية الدولية، ما يحول دون اتخاذ إجراءات رادعة وفعالة ضد دولة الاحتلال. كما يمنع ملاحقة مجرمى الحرب أمثال رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فى قطاع غزة، بما فى ذلك التجويع المتعمد للمدنيين والقتل العمد والاضطهاد.

ويشير ماهر صافى بأصبع الات�ه�ام إل��ى الإدارة الأمريكية لأنها تعطى ضوءا أخضر وغير مشروط لكل تصرف إسرائيلى، فهذا الدعم الأمريكى الثابت والحماية الدبلوماسية يوفران البيئة التى تشعر فيها اسرائيل بالحصانة الكافية لمواصلة جرائمها فى الأراضى الفلسطينية وانتهاكاتها لحقوق الأسرى دون خوف من ردع دولى فعال لأن جميع القرارات الأممية التى تصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة غير قابلة للتنفيذ ضد إسرائيل وقادة جيشها.

  محاولة لإفشال جهود إعادة إعمار غزة

وأوضح ماهر صافى أن توقيت مناقشة هذا القانون العنصرى تأتى بالتزامن مع بدء الجهود المصرية لإعادة إعمار غزة، فرئيس وزراء العدو الصهيونى يعمل دوما على إفشال أى جهود تتعلق بالحل فى الأراضى الفلسطينية ولاسيما موضوع إعادة الإعمار أو إدخال الإنسانية لسكان قطاع غزة أو أى جهود تبذل من أجل تخفيف من الوضع المأساوى الذى نتج عن الحرب، لذلك تأتى هذه القضية للفت الأنظار عن جهود إعادة إعمار غزة بل ومحاولة إفشال هذه الجهود وربما التخطيط لما هو أبعد من ذلك وهو العودة للحرب الواسعة فى قطاع غزة خاصة وأن إسرائيل تمارس خروقاتها اليومية لاتفاق شرم الشيخ. موضحا أن نتنياهو يجيد الهروب من الاستحققات الملزمة من جانب المفاوصين والوسطاء لأنه يعلم جيداً أن أى حلحلة للوضع الراهن سيكون مردودها سلبيا على مستقبلة السياسى لانه يواجه تهم بالفساد والإخفاق فى مواجهة أحداث 7 أكتوبر، كما أنه متهم بالتسبب فى مقتل الأسرى الإسرائيليين الذين كانوا بيد المقاومة الفلسطينية فى غزة.

وشدد ماهر صافى على أن الهدف الأساسى من سن هذا التشريع الفاشى هو إضفاء غطاء قانونى وشرعى على سياسات القتل والإعدامات الممنهجة التى تنفذ بالفعل خارج نطاق القضاء من خلال الإعدامات الميدانية التى يطلق عليها الجيش الإسرائيلى مصطلح تحييد المنفذين. أو إعدام الأسرى بعد اعتقالهم وسرقة أعضائهم كما كان يحدث فى قطاع غزة أثناء العدوان الإسرائيلى منذ السابع من أكتوبر عام 2023، فهذا التشريع الفاشى يوفر حماية سياسية وقضائية للمسؤولين والجنود المتورطين أمام المحاكم الدولية، كما أن سن القوانين المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين ورقة رابحة فى السياسة الإسرائيلية الداخلية  المتطرفة،  التى  يتزعمها زعيم عصابة قطعان المستوطنين إيتمار بن غفير، والمعروف بمواقفه المتشددة ضد الفلسطينيين، فهو الذى قام بتسليح آلاف المستوطنين وشجعهم على شن هجمات ضد الفلسطينيين فى الضفة الفلسطينية والقدس والمسجد الأقصى.

 	ناصر حجازي

ناصر حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

اللجنة الوطنية لإدارة غزة
اللجنة الوطنية» لإدارة قطاع غزة
تنسيق مصرى - أمريكى لتحصين اتفاق وقف الحرب فى غـــزة..
قمة شرم الشيخ كللت جهود القاهرة فى رفض التهجير أو تصفية القضية
مصر تجهز لإجراء حوار فلسطينى لمناقشة مستقبل غزة
«القاهرة» تحدد آلية «عربية ـ إسلاميــة» لمواجهــة غطرسـة الاحتـلال
الجمعية العامة للأمم المتحدة
التصويت فى نيويورك.. انتصار معنوى وضغط دولى لعزل الاحتلال الإسرائيلي

المزيد من سياسة

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...

منتدى التعاون العربى الهندى فى دورته الثانية:إعادة تشكيل الشراكة فى عالم متغير

بدعوة من وزارة الشؤون الخارجية الهندية شارك مؤخرا أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في عدد من الفعاليات...

مصر تتصدر مؤشر الشعور بالأمن على مستوى العالم

سالم: ارتفاع تصنيف مصر فى مؤشر الأمن يعكس جهود القيادة السياسية التى تحركت فى كل الاتجاهات داخلياً وخارجياً


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص