خطة «اقتصاد الحرب » لتحقيق الانتصار على العدو فى حرب «العزة والكرامة»
فى هذه الأيام.. أشعر بسعادة غامرة عندما أجدنى أدندن بأغنية العظيمة الراحلة شريفة فاضل وهى تصدح بأغنية "أم البطل" التى شدت بها بعد ثلاثة شهور من استشهاد نجلها. تلك الأغنية التى جسّدت مشاعر كل المصريات اللاتى فقدن أبناءهن فى حرب العزة والكرامة، والتى تقول فى أحد مقاطعها" ابنى حبيبى يا نور عينى .. بيضربوا بيك المثل.. كل الحبايب بتهنينى .. طبعا ما أنا أم البطل.. يا مصر.. ولدى الحر .. اتربى وشبع من خيرك.. اتقوى من عظمة شمسك .. اتعلم على ايد أحرارك.. اتسلح بايمانه واسمك".
ويقشعر جسدى حينما أسمع "أم البطل" وهى تصدح بمقطع "شد الرحال .. شق الرمال .. هد الجبال .. عدى المحال.. زرع العلم .. طرح الأمل .. وبقيت أنا .. أم البطل".
نشوة النصر على العدو
فى هذه الأيام أشعر بالفخر والعزة والكرامة، عندما أسمع صوت الرئيس الراحل أنور السادات يقول فى خطابه يوم 16 أكتوبر 1973: " لست أتجاوز إذا قلت إن التاريخ العسكرى سوف يتوقف طويلاً بالفحص والدرس أمام عملية يوم الـ٦ من أكتوبر ٧٣ حين تمكنت القوات المسلحة المصرية من اقتحام مانع قناة السويس الصعب واجتياز خط بارليف المنيع وعبور الضفة الشرقية من القناة بعد أن أفقدت العدو توازنه فى 6 ساعات".
مثل هذه الكلمات تمنحنى مثل الكثيرين من أبناء جيلى طاقة إيجابية، وتفجر بداخلى شعورًا غامرًا بنشوة النصر على العدو الذى كثيرًا ما تغنى بأن جيشه لا يقهر.
اعتادت مسامعنا على عبارات " تعالى يا وحش"، و"أهلا بالبطل " و"مرحبًا بالفدائي".. وترعرعنا على أغانى العندليب الوطنية، وتحديدًا "عاش اللى قال" :
عاش اللى قال الكلمة ......... بحكمة وفى الوقت المناسب
عاش اللى قال لازم ............ نرجع أرضنا من كل غاصب
عاش العرب اللى فى ليلة ......... أصبحوا ملايين تحارب
عاش اللى قال ............ للرجال عدوا القنال
عاش اللى حول ........... .صبرنا حرب ونضال
عاش اللى قال ............ يا مصرنا مافيش محال
شبت أجيال الستينات والسبعينات على عبارات ذات مغزى وقدسية مثل "الجيش المصري" و"البطل" و"الوحش" و"الحرب" و"النصر" و"العدو" و"إسرائيل"، والهزيمة و"النكسة".
وقد دفع المصريون ثمن النصر وتحرير الأرض غاليًا، فإلى جانب الدماء الزكية التى ارتوت بها رمال سيناء خلال معركة التحرير؛ تحمّل الاقتصاد فاتورة قاسية فى سبيل الاستعداد لحرب العزة والكرامة، وإعادة بناء وتسليح الجيش خلال الفترة ما بين عامى 1967 و1973.
وفق تقديرات رئيس وزراء مصر الأسبق الدكتور عزيز صدقي، فقد بلغت خسائر الاقتصاد المصرى جراء نكسة 1967، نحو 11 مليار جنيه مصري، بما يوازى 25 مليار دولار (بأسعار تلك الفترة، حيث كان الجنيه المصرى يساوى نحو 2.3 دولار).
وتمثلت تلك الخسائر في:
ـ فقدان مصر 80 % من معداتها العسكرية، وكان عليها أن تعيد تسليحها من جديد، وهى فاتورة قاسية دفع ثمنها الشعب المصرى بجميع أطيافه وطوائفه.
ـ فقدت الدولة المصرية ثرواتها البترولية والمعدنية فى سيناء، بعد أن استحلتها وسرقتها إسرائيل بعد الهزيمة.
ـ فقدت مصر إيرادات قناة السويس التى كانت قد بلغت نحو 95.3 مليون جنيه عام 1966م، أى نحو 219.2 مليون دولار، بما يوازى نحو 4 % من الناتج المحلى الإجمالى فى ذلك العام.
ـ فقدت مصر جانبًا هامًا من الإيرادات السياحية يقدر بنحو 37 مليون جنيه سنويا، توازى قرابة 84 مليون دولار فى ذلك الحين.
ـ كما فقدت مصر فى الحرب أصولا إنتاجية تم تدميرها أو تعطيلها بشكل دائم أو مؤقت، حيث حدث تدمير فى 17 منشأة صناعية كبيرة، وبلغت قيمة الدخل المفقود نتيجة تعطل هذه المصانع نحو 169.3 مليون جنيه مصري، أى نحو 389.4 مليون دولار. وبالإضافة لكل تلك الخسائر تعرضت مصر لدمار كبير فى المنشآت الاقتصادية والأصول العقارية فى مدن القناة التى تعرضت للعدوان والتدمير بشكل مكثف.
لقد كانت الخسائر جسيمة، ولم يكن الاقتصاد المتهالك المنهك يقوى على تعويضها، ولم يكن يمتلك القدرة على إعادة بناء القوات المسلحة من جديد، وهنا ظهرت عبقرية المخطط المصرى فى تجهيز الاقتصاد الوطنى لمواجهة تلك التحديات، وتجهيز ما يُعرف عسكريًا بـ"اقتصاد الحرب".
لقد أدركت القيادة السياسية أن الأوضاع صعبة والتحديات قاسية، وأنه لا مفر من اتباع إجراءات اقتصادية غاية فى الشدة للخروج من النفق المظلم وتحرير الأرض المغتصبة من العدو الإسرائيلي.
وتجسدت تلك الإجراءات فى فرض ضرائب جديدة وزيادة معدلات الضرائب القائمة، لمواجهة التزايد السريع فى الإنفاق اللازم للاستعداد لخوض جولة جديدة من الصراع العسكرى مع المحتل الإسرائيلي.
ولأن الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات يتحملها السواد الأعظم من الشعب ، فانه يمكن القول إن القطاعات العريضة من أبناء الشعب تحملت عبء تمويل الاستعداد لمعركة أكتوبر فى الفترة ما بين 1967 و1973. وكان الشعب الثائر لوطنه وكرامته يقدم التضحيات دون حساب.
إلى جانب الضرائب، عملت الحكومة على طبع "البنكنوت" كآلية لتمويل الإنفاق العام, كما زادت قيمة أذون الخزانة من 164 مليون جنيه فى العام المالى 59/1960 إلى نحو 375 مليون جنيه عام 69/1970 ، ثم إلى 459 مليون جنيه فى عام 1972. وتلك السياسة النقدية تعتبر عاملا رئيسيا مغذيا للتضخم، الذى ما زلنا نعانى آثاره إلى الآن.
كذلك تميزت السياسة الاقتصادية المصرية بين الحربين بإعطاء أولوية للاستثمارات التى تخدم المعركة على كل ما عداها من استثمارات. وبداية من عام 1972 تم إيقاف استيراد السلع الكمالية، حيث صدر قرار بحظر استيراد تلك السلع ومن بينها الملبوسات والأقمشة الصوفية الفاخرة وأجهزة التليفزيون والراديو والسجائر والثلاجات والغسالات والسجاد الفاخر.
كما تقرر زيادة الرسوم الجمركية على السلع الكمالية الواردة للاستعمال الشخصى بنسبة 50 %، كما تم قصر تجارة الجملة فى المواد والسلع التموينية الأساسية على القطاع العام. وكان الهدف من ذلك هو منع أى تلاعب فى تلك السلع وضمان وصولها إلى جماهير الشعب بأسعار مقبولة باعتبار أن توفيرها عنصر مهم فى تحقيق الاستقرار السياسي.
وإذا كان القطاع العام قد قام بالدور الرئيسى فى تمويل الاستعداد للمعركة، فان القطاع العائلى الذى كان مهيمنا على مجال الزراعة وفى الكثير من الخدمات، ساهم بدوره بشكل فعال فى دعم استعدادات مصر للحرب سواء من خلال ما تحمله من ضرائب أو من خلال مساهمته الفعالة فى الإنتاج والتنمية فى تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر. لكن القطاع العام وقاعدته الصناعية الثقيلة كان لهما الفضل الأكبر فى انجاز استعدادات مصر لحرب أكتوبر بعد هزيمة 1967.
نجحت الخطة الاقتصادية، فى تمويل إعادة بناء القوات المسلحة من جديد، وخاض رجالنا البواسل المعركة وتحقق النصر بفضل الإرادة المصرية التى تحطمت على صخرتها الصلبة أسطورة الجيش الإسرائيلى الذى لا يٌقهر.
لقد تحمل الشعب المصرى البطل ما لا يطيقه بشر فى سبيل تحقيق النصر واستعادة الأرض المغتصبة من العدو الإسرائيلي، وحتى تعلم الأجيال الحالية مدى الرغد والرفاهية التى تنعم بها فى الوقت الراهن، وجدنا لزامًا استعراض بعض ملامح معيشة المواطن المصرى خلال فترة الستينات حتى منتصف الثمانينات، لتكون بمثابة
رسائل خاصة من جيل الحرب إلى الأجيال الحالية والقادمة.
ـ حتى منتصف الثمانينات، لم تكن هناك وسائل مواصلات بالشكل الذى نراه حاليًا، ففى المدن كان الأمر مقتصرًا على المواصلات العامة المتهالكة إن وجدت، وكان الزحام الشديد داخل تلك المواصلات هو السمة السائدة لدرجة أن البعض كان يعلق فى الهواء أثناء استقلال تلك الوسائل.
أما فى القرى فكانت الدواب هى وسيلة الانتقال المتوافرة، وعندما تطورت الأمور شيئًا ما؛ تم تسيير أتوبيسات عامة على فترات متباعدة من اليوم، وكانت حركة الحياة تتوقف تمامًا بعد المغرب.
ـ خلال تلك الفترة كان يتم توزيع "الجاز" على سكان المدن بالكوبونات عبر مستودعات تابعة للحكومة، ولمن لا يعرف فإن "الجاز" كان هو وسيلة الإنارة والتدفئة والطهي، أما فى القرى والنجوع فكان الاعتماد على مخلفات المواشى هو الوسيلة الوحيدة لتسيير حياة أهالينا هناك.
ـ فى المدن.. كانت الطرق الممهدة ـ المسفلتة ـ مقتصرة على الشوارع الرئيسية فقط، أما القرى فلم تعرف الطرق الممهدة حتى إطلاق مبادرة الرئيس السيسى فى هذا الشأن.
ـ كانت المدن فى الفترة التالية لحرب أكتوبر وحتى منتصف الثمانينات تعانى نقصًا شديدًا فى الكهرباء، وكان الانقطاع المستمر للتيار هو السمة الغالبة، أما ريف الدلتا والصعيد فلم ينعم بالكهرباء إلا فى أوائل التسعينات.
ـ فى المدن كان الحصول على رغيف العيش ـ بشكل عام ـ صعب المنال، حيث كانت المخابز تغلق أبوابها بعد الانتهاء من صناعة حصة الدقيق المخصصة لها، وكان هذا لا يستغرق سوى سويعات قلائل بعد صلاة الفجر، أما القرى فكانت أفضل حالاً بفضل اعتماد أهالينا هناك على طحن الدقيق وخبزه داخل الأفران المنزلية.
ـ كانت السجائر المحلية توزع على محلات البقالة على فترات متباعدة خلال الشهر، وكانت السمة الغالبة فى تلك الفترة هى المعاناة للحصول على علبة دخان كما كان يطلق عليها.
ـ توزيع السلع الغذائية( اللحوم ـ الأسماك ـ المعلبات... الخ) كان مقتصرًا على الجمعيات التعاونية، وكانت الطوابير الممتدة أمام تلك المنافذ علامة مميزة لأهالى المدن، أما أهالى القرى فكانوا يوفرون احتياجاتهم الغذائية عبر التربية المنزلية، وما يزرعونه فى الأرض.
ـ كان صابون الغسيل(ماركة الشمس) يوزع على بطاقات التموين، أما صابون الوجه( أبو ريحه) فقد كان مقتصرًا على الفئات الميسورة من المجتمع، أما فى الريف فلم يكن متوافرًا هذا أو ذاك.
ـ لم يعرف أهالى المدن انتشار خدمة التليفون الأرضى إلا فى نهاية الثمانينات، أما القرى فكان التليفون مقتصرًا على بيوت معدودة من بينها دوار العمدة.
تلك كانت صورة محدودة المعالم لطبيعة الحياة التى كان يعيشها أهل مصر فى فترة الستينات حتى نهاية الثمانينات، ولا شك أن فاتورة الحروب التى خاضتها مصر فى فترة ما بين الأربعينات حتى عام 1973 كان لها بالغ الأثر على تراجع معدلات التنمية فى كافة ربوع البلاد حتى وقتنا هذا، ومن ثم كان من الطبيعى أن يعانى أهالينا من نقص الخدمات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج
3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...
خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى
لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...