تكاد أن تندثر فى عصر الإعلانات أشهرها «يا احمر يا تفاح يا اللى جفنك علم الغزل..وخدك علم الخجل» و«الموز اللوز يا حلاوته يا عزوز» و«آه يا مجنونة وكل ساعة بحال زى الستات يا قوطة» مسعود شومان: هذا إرثنا ويجب جمعه والحفاظ عليه من الضياع
ربما استيقظت من نومك على صوت فى الحارة أو الشارع لبائع يدوى صوته فى الفضاء، إيذانا منه بالمجئ ـ وإعلانا عن بضاعته بطريقة خاصة ومميزة، حتى أنك لا تحتاج لرؤيته، فدوى صوته كفيل بمعرفته، هو وبضاعته، أو صادفك فى طريقك بائع استوقفك صوته وطريقة ندائه، فتتبع الصوت ويعجبك طريقة أدائه فى الإعلان فتشترى وأنت فى غاية السعادة للألفة التى أحدثها النداء على السلعة، وربما تدندن ما قال وأنت تتناول ما اشتريته فتزيد سعادة وبهجة.. إنها نداءات الباعة الجائلين المــــاركتنــج "فـــن الـتســـويق" قبل زمن العولمة.
لست من هواة التسوق للخضار والفاكهة من السوبر ماركت، ولا تبهرنى أشكال الفاكهة فى الصناديق الفاخرة، ويستهوينى المشى بين الناس فى الأسواق الشعبية، أسترق السمع لنداءاتهم، وأحيانا يخطفنى النداء وطريقة الأداء قبل، أن أرى السلعة وهذا ما حدث.
وسط الزحام جاء الصوت يشق الفضاء بمطلع من قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقى سمعتها تنادى بصوت جهورى "يا بت دا ده اللى قال عليه أميرالشعرا أحمد الشوقى "النيل العذب هو الكوثر، والجنة شاطئه الأخضر، ريان الصفحة والمنظر"،
ومشيت وراء الصوت، وأنا لا أعرف ماذا تبيع ؟ وعندما وصلت إلى مصدر الصوت وجدت زحاما شديدا على العربة الخشبية التى تجلس فوقها، وأمامها "عراجين "البلح الأحمر، ثم أخذت تنوع فى النداء على البلح بطريقة "الموال" "أمك طويلة يا بلح وأنا اللى هزيتها، أحمر يا بلحنا ولا حدش جاب الحلو إلا احنا". "بلح جميل وشارب من مية النيل" يلا بـ 30 والمفلس حزين با زباين ، وسيدنا النبى حلو لازم نصلى عليه، السعادة التى كانت تبدو على وجوه الزبائن لطريقة النداء، وهم يبتسمون أثناء تنقيتهم للبلح لا تعادلها إلا الاستمتاع بحلاوة طعمه، وأن هذا الصوت وطريقة الأداء هو من جذب الناس إليها، خاصة أنها ليست الوحيدة فى السوق التى تبيع هذه الفاكهة، ولكن التفرد فى الإعلان كان جديرا بهذا الزحام.
زغاليلو يا بلح
وقفت أتلكأ بين الزبائن، وأنا "أنقى" البلح، حتى أسمع أكثر، اللى عايز ياكل حلو ، "كراملة" بلح جميل وشارب من مية النيل، والنبى كل ما أقول سكر، الحلاوة تكتر، "زغاليلو" سكر فى "البق" سريع الذوبان، واللى يدوق دمه يروق، حلويات والغلا مات"،"ياحلاوة عليك ياللى الهوا هزك، عسلك كتير يا بلح عاص الهدوم منى، وأنا كنت عيانة يا بلح ولا حد سأل عنى".
والنبى دا جلب حبيبى ليا، الولا أبو عيون عسلية، تعالى ميل ع الحنين، حلاوة ربانى وع المداق يا سكر.
وتخرج من النداء والتنغيم إلى موال بمقام آخر تحذر فيه من جريمة الغش فى الميزان :"أنا بقول يارب يا ستار من غمزة الميزان، الآخرة شبر ضيق، وبياع الحرام خسرااااان بياع الطيب يباركله".
وعندما قل الزحام داعبتها "الله صوتك حلو" اسمك ايه؟ قالت لى "سناء اللى خلت العكر راق" قلت لها وعارفة تنادى على كل الفاكهة؟ قالت كل فاكهة ولها موال وأنا ببيع كل فاكهة فى موسمها.
كان بجوارها عربة الجوافة يقف عليها ابنها طلبت منها أن تنادى على الجوافة قالت :-"يا أبيض من العال يا قشطة، حليكى النبى يا قلل الشربات، هو أنت بيضة من حالك ولا غسيل صابون؟ قالت أنا بيضة يا أبو شلاطة وخلللى اللى يقول يقول".. مين شلاطة؟ قالت جوزى اللى علمنى أنادى على الخضار والفاكهة أصل أنا اتجوزته بياع سريح وهو اللى علمنى".
قلت لها واحنا فى موسم العنب تقولى له إيه؟ قالت "أخاف عليك من نقرة العصفور، وم النحلة و الدبور، لتصبح زبيب منى يا عنااااااب، تعالى أدوقك اللى ها يروقك، يوحد الله، وكرييييم يا عناااااب".. قلت لها من زمان لم أسمع هذه النداءات -قالت: "بياعين اليومين دول، الشباب اللى طالع بينادى على البضاعة بأغانى التوكتوك، اللى بيسمعوها، لكن لما اتجوزت المعلم شلاطة كان بياع سريح، وأبوه كان بياع سريح، فاتعلمت منه، وولادى بينادوا على الفاكهة بأغانى التوكتوك، بيقولوا اللى بيسمعوه وملو علاقة بالخضار والفاكهة، سألتها متعلمة يا سناء؟ وجدتك تقولين قصيدة لأحمد شوقى! قالت معايا معهد فنى تجارى.
أبيض شربات -قفلوا الوكايل - غريب وأبيت فين يا عناااااب".
تركتها وأنا أستدعى فى ذاكرتى نداء الباعة البسطاء الذين كانوا يجوبون القرية، وكأنها شفرة يعرف حلها كل من يسمع النداء على سبيل المثال:- ورور يا لوبيا - يا غرض الاهتم يا لوبيا.
من لم يعش هذا الزمن سوف لا يعرف على ماذا ينادى الباعة، وفى أحسن التفسيرات سوف يقول إنها تنادى على "اللوبيا" لكن من يعرف وعاش هذا الزمن يعرف حل الشفرة، "الورور" هو "الفجل" وهو تعبير عن الطزاجة والنضارة، أما تشبيهه "باللوبيا" فهى دليل على طراوته، وغرض الأهتم أى أنه يروق أكله للأهتم وهو الذى سقطت أسنانه فلن يجد صعوبة فى مضغه.
أو التماهى فى السخرية والفكاهة من النداء بالنقيض، وهو ما يوجب الضحك من الزبائن وهو مقصود ومتعمد مثل النداء على الليمون "اللمون اللى بيزغلل العيون، ويضيع الصحة وبجلب الكحة"، وهى كلها صفات مناقضة لفوائد الليمون.
انسى اللى حصل
ولكن رغم هذا الاندثار لهذا التراث مازال نداء الطماطم أو القوطة يتصدر ويتوارث لحضورها الطاغى فى حياتنا "يامجنونة وكل ساعة بحال زى الستات يا قوطة" وفى أقوال أخرى زى النسوان، و"حمرا ومسكرة، وبتصالح الراجل ع المره" و "يا سلام سلم طبق السلطة بيتكلم "تكملة لطبق السلطة – فاندا على "الخيار" مازال متوارثا "يا مطفى الشوب يا خيار، ياللى ما خليت ع القلب نار" "الشوب" يعنى حرقة الجوف، فهو يهدى من الحمو.
أما "المدمس" إرثنا العظيم والذى كتب عنه الكتاب والشعراء "أوبريتات، وأغانى"، فلم يبق من هذا الإرث الشعبى شىء، إذ تم استبدال النداء بجرس أصم يحمله بائع الفول ليعلن عن قدومه فى الحى او الشارع ، أما بالنسبة لأصحاب العربات الثابتة فاكتفوا ببعض الكتابات المقتبسة من الأغانى وتحريفها مثل "ما خطرتش على بالك يوم تفطر عندى" اقتباسا من أغنية أم كلثوم "ماخطرتش على بالك" أو يكتب "كُل فول وبصل وانسى الل حصل" بعد أن كان ينادى عليه باللوز"، ويا أحلى م الفول يا مدمس". والفول هنا المقصود به "الفول السودانى" و "المدمس اللى يدفى البطن ويونس "إشارة إلى استمراره فى المعدة لفترة طوياة يعطى إحساسا بالشبع.
هذه النداءات فى كونها أكثر من مجرد وسيلة للإعلان عن سلعة، فقد كانت فنا شعبيا يعكس ثقافة المجتمع، وروحه المرحة، وقدرته على الإبداع، والارتجال اللحظى، وقد اعتبرها الباحث فى الفلكلور الشعبى الدكتور –"أحمد رشدى صالح" إبداعا شعبيا، يتمتع بالبلاغة وحلاوة الأسلوب، وهى وسيلة فعالة لخلق تفاعل اجتماعى ممتع، وجذب لزبائن،وشكلت تراثا شفهيا يتم توارثه عبر الأجيال".
165 نداء
ألهمت هذه النداءات الفنان "سيد درويش" فى أغانيه، حيث استلهم بعض ألحانه من الباعة، ودعا الكاتب يحيى حقى لى توثيق هذا التراث الجمعى واعتباره تراثا موسيقيا، وفى سنة 1938 قام المستشرق الإنجليزى "جيمس هيوارت" بتسجيل وتحليل مائة وخمسة وستين نداء فى مقالة أكاديمية نشرت باللغة الانجليزية وللأسف لم يتم ترجمتها.
د. عبد الحميد يونس – رائد الدراسات الفلكلورية أشار فى كتاباته لهذا النوع من الفنون بأنها تمثل طقسا اجتماعيا، يعكس ملامح البيئة والثقافة الشعبية، ويحمل قيمة توثيقية للعامية المصرية، حيث تسجل طريقة الناس فى التعبير، والبلاغة الشعبية فى أزمان مختلفة.. هى جزء من النسيج الاجتماعى لللحى الشعبى، هذا ما أكده الدكتور سيد عويس عالم الاجتماع فى دراساته لهذا الفن - حيث أعتبر أن أصوات الباعة لا تعلن فقط عن السلع، بل تربط الفرد بجماعته، وتؤكد على روح المشاركة اليومية فى الفضاء العام.
هى أغانى الحياة اليومية -هكذا أطل عليها -أستاذ الفلكلور د. أحمد مرسى فهى شكل من أشكال الأدب الشفهى، لأنها تعتمد على الارتجال، والايقاع الغنائى، واللغة الشعبية البسيطة، ولا تقل أهمية عن المواويل، أو الأغانى الشعبية، لأنها تعكس إبداع الناس العاديين فى التعبير عن حاجاتهم اليومية.
عيون سود وكحل ربانى
الخلاصة فيما توصل إليه الباحثون فى الفلكلور الشعبى أن نداءات الباعة الجائلين ليست مجرد وسيلة بيع بدائية، بل هى ظاهرة اجتماعية، واقتصادية، تؤدى وظيقة "التسويق" وتحمل بعدا فنيا وقيمة تراثية فى طريقها للاندثار مع اختفاء البائع المتجول فى الشارع والحارة، ويجب الحفاظ عليها باعتبارها تمثل الذاكرة الجمعية للمجتمع المصرى.
الباحث فى الفلكلور الشعبى الدكتور "مسعود شومان" يتندر على هذا النوع من الفن الشعبى متخوفا من ضياعه قائلا :"لا بديل عن جمعه وحفظه من الضياع والاندثار بسبب المدنية الحديثة، وطغيان الصورة البصرية على النداء بالصوت، فهى فى تصنيفها ترقى إلى مرتبة "الشعر الشعبى "لما تتضمنه من معان جميلة، سواء تم أداؤه بالتنغيم أو بالطرب فهو يعطى بعدا جماليا يؤثر تأثيرا وجدانيا مباشرا لمشترى السلعة، إذن النداء له وظيفة إعلانية، وظيفة نفعية، فهو بمثابة الإذاعة التى تقوم باستدعاء الجمهور، والثانية الترنم والغنا، ومعظم من يغنون غناءهم خشن، لكنه لا يبعد عن الجمال رغم خشونته، إلا أنها تؤدى أداء موسيقيا، إلا أن بعض النداءات تحمل نوعا من الغرابة لجذب أذن المستمع، وأتذكر وأنا أقوم بجمع هذه النداءات من الباعة وجدت سيدة تنى للبلح وتقول:"يا أبو العيون السود والكحل ربانى، والنبى لاركب أمك الطويلة، و أعيد الهز من تانى".. أولا الإيقاع شديد الجمال، ثانيا الصورة التى تصور النخلة بوصفها أم ـ والبلح من الواضح أنه "رطب" فعيونه سود، وهو نوع من المماثلة التى يصنعها البائع لجذب الأذن ولفت الأنظار، وهناك كثير من النداءات تنتمى إلى بلدان على سبيل المثال النداء على الرمان بالمنفلزطى، و"الخس" بالمليجى نسبة إلى قرية مليج، الآن بعض الباعة المترجلين يستخدمون نداءات مسجلة يتم تكرارها تلقائيا، وهو نوع جديد من الدعاية، يرجع لطغيان المدنية وتغير شكل الإعلان لوجود السوشيال ميديا، لكن مازال هناك نداءات قديمة، سوق تبقى مادامت السلع التقليدية موجودة والذى يبقى عليها أكثر هو استحسانها من قبل الجمهور".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا
ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...
في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...
لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...