مدحت صفوت: الترند جعل «اللايك» و«الشير» المعيار البديل للقيمة الجمالية

المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا

مدحت صفوت، ناقد وباحث شاب في كل خطوة له يثبت أنه ناقد جاد، وصاحب رؤية نقدية وفكرية تخصه، يسعى دائما لتقديم خطاب جديد ومنفتح، ومواكب لقضايا فكرية أصيلة، وليس مجرد متابعات متعجلة لرواية هنا أو ديوان هناك كل كتاب له يمثل لينة مهمة في مشروع نقدي يشيده على مهل، وضمن سياق ومشروع متكامل. بدأها بكتابه "السلطة والمصلحة استراتيجيات التفكيك والخطاب العربي"، ثم فاز كتابه السابق 5×5: أشباح الحقيقة في السرد القصصي المعاصر" بجائزة الدولة التشجيعية، ومؤخرا فاز كتابه الأحدث بلاغة الكود... الفنون والآداب في عصر المخاطر" بجائزة أفضل كتاب نقدي في معرض الكتاب.. عن الجائزة وكتابه المهم كان لنا معه هذا الحوار.

بداية، ما الذي تمثله لك جائزة أفضل كتاب نقدي في معرض الكتاب؟ وكيف ترى فوز كتابك مناصفة مع كتاب للدكتور صلاح السروى؟

الجائزة اعتراف مؤسسى بضرورة الاشتباك النقدي مع القضايا الراهنة والملحة وهو ما أعتز به كثيرا خاصة أن جوائز الدولة في مصر بمختلف فئاتها تظل هي الأعلى قيمة أدبية ومعنوية في الداخل وربما في العالم العربي أجمع لما اتحمله من تاريخ ومصداقية.

وما يضاعف من اعتزازي هو مسمى الجائزة ذاته أفضل كتاب في معرض القاهرة" فهذا المسمى يضع الكتاب في بؤرة الحدث الثقافي الأبرز عربيا ويعنى أن الأطروحة التي قدمتها كمحاولة القراءة الفن في سياق مجتمع المخاطر وجدت صداها عند القارئ والمتخصص على حد سواء.

أما عن فوز الكتاب مناصفة مع أستاذي القدير الدكتور صلاح السروى فهذا هو الفوز الحقيقي واقتران اسمى باسمه في جائزة واحدة تشريف لا يدانيه تشريف لحظة يتجاور جيل الأساتذة واضعى الأسس مع جيل التلاميذ الذين يحاولون الطوير الأدوات المواجهة تحديات العصر الرقمي وسلطة الكود هذا التماس يجسد حيوية الحركة النقدية وقدرتها على التواصل بين الأجيال ويؤكد أن النقد لا يعرف سوى التراكم المعرفي.

بلاغة الكود" يبدو عنوانا متيرا لكن يكتنفه الغموض خصوصا مع العنوان الشارح الفنون والآداب في عصر المخاطر.. فما الذي تقصده ؟

الغموض في العنوان عتبة أولى المحاولة فهم عالم لم يعد يمنحنا إجابات، وعندما أتحدث عن بلاغة الكود فأنا لا أتحدث عن لغة البرمجة بمعناها التقني الجاف بقدر ما أود أن أشير إلى سلطة خفية أصبحت تنظم حياتنا وتصيغ تذوقنا الجمالي وتحدد ما نقرأ وما تشاهد عير الخوارزميات الكود هنا هو البلاغة الجديدة التي تفرض منطقها على النص الأدبي واللوحة الفنية والأعمال الفنية في عمومها.

أما عصر المخاطر فمصطلح استلفته من عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك وطورته في سياق الفن فنحن نعيش في زمن المخاطر المصنعة التي لا ترى بالعين المجردة مثل فيروس كورونا أو التهديدات السيبرانية والذكاء الاصطناعي، وهي مخاطر أسهمت في حالة السيولة والقلق الوجودي.

هنا أحاول أن أصبح سؤالا جوهريا: كيف يمكن للفن والآداب أن يقاوما تنميط الكود؟ وكيف يتحول الإبداع من رفاهية إلى آلية دفاعية أو ملاذ أخير للبحث عن الطمانينة في عالم يعلى بالمخاطر؟ أنا أطرح في الكتاب فكرة أننا انتقلنا من جماليات الطمانينة إلى جماليات الفلق حيث يصبح النص الأدبي نفسه كودا يحتاج إلى تفكيك لفهم شفرات هذا الواقع المعقد

هل انتشار فيروس كورونا لعدة سنوات يمثل حدثا كبيرا جديرا بإحداث تحولات فكرية وثقافية لدرجة المساواة بينه وبين الثورة الصناعية مثلا؟

سؤالك يلمس جوهر الصراع بين الذاكرة القصيرة للإنسان وبين التحولات البنيوية التي لا ترى بالعين المجردة، المبالغة من وجهة نظري تكمن في الاعتقاد بأن الحياة عادت لطبيعتها وليس في تقدير تأثير الجائحة، فالأخيرة لحظة كاشفة أو كود فضح هشاشة الحداثة وليست أزمة عابرة.

المقارنة مع الثورة الصناعية لا تتعلق بشكل الأدوات إنما الأمر أساسه جوهر الوعي، فالثورة الصناعية نقلت الإنسان من الحقل إلى المصنع وكورونا نقلت العالم السريا من الواقع الفيزيائي إلى السيولة الرقمية الكاملة، ورسخت الجائحة ما وصفته بالكونية القسرية فأصبح مصير الفرد في أقصى الأرض مرتبطا بمصير آخر في أدناها وهذا تحول في مفهوم المخاطرة لم يسبق له مثيل.

الاختفاء الظاهري للفيروس لا يعنى زوال أثره فنحن الآن نعيش في مجتمعات تجريبية تتعامل مع الفن والآداب بمنطق ما بعد الصدمة خاصة وأن الجائحة غيرت مفهومنا عن المكان والجسد وساطة الدولة وأعادت صياغة مفهوم الطمأنينة. فالفن الذي ننتجه اليوم يحمل شفرات القلق التي زرعتها سنوات الإغلاق حتى لو تظاهرنا بأن الأبواب قد فتحت ليست مبالغة تكتني أراها محاولة لرصد زلزال لم تتوقف ارتداداته بعد وتحت قشرته تحولات راديكالية في بلاغة تعاملنا مع العالم.

الكتاب منغمس في وعي ما بعد الحداثة .. فكيف ترى تأثير ثورة المعلومات والتقنية على مستقبل الآداب والفنون؟

نحن ننتقل الآن مما أسميه بالمقاعد الحجرية أي الإبداع التقليدي القائم على العزلة والموهبة الفطرية فقط إلى الواقع الهانتولوجي الذي يمتزج فيه الذكاء الإنساني بالفن الاصطناعي ومن ثم الذكاء الاصطناعي في منظور بلاغة الكود هو خطر مصنع بامتياز لأنه نتاج عبقريتنا البشرية التي قد تتجاوز سيطرتنا.

أما عن مستقبل الآداب في ظل الذكاء الاصطناعي فأنا لا أراه نهاية للإبداع بقدر ما أراه إعادة تعريف المفهوم المؤلف فنحن يصدد ظهور "المؤلف السايبورج " Cyborg Writer ذلك المبدع الذي لا يدرك ذاته بشكل مستقل عن التقنية وينسج من الخوارزميات حكايات، ومع ذلك يظل التحدى هو كيفية الحفاظ على الروح في مواجهة المنطق الجاف فالكتابة بالذكاء الاصطناعي قد تنتج نصوصا متسقة لغويا لكنها تفتقر إلى قلق المبدع وتجربة الألم والبحث عن الطمانينة في عالم محفوف بالمخاطر.

مستقبل الفنون يكمن في هذا التزاوج. أن يكون الكود أداة لفتح آفاق جمالية بكر بشرط أن يظل الإبداع ممارسة ضد الموت وضد التنميط الذي قد تفرضه الآلة. فالذكاء الاصطناعي يمكنه محاكاة البلاغة لكنه لا يمتلك بلاغة القلق التي تميز الكائن البشرى في عصر المخاطر.

في كتابك فصل بعنوان "موت الناقد في عصر البابليك فيجر.... فكيف ترى مستقبل النقد والفلسفة أيضا؟

عندما أتحدث عن موت الناقد فأنا لا أعنى نهاية الفعل النقدي في حد ذاته بقدر ما أعنى موت السلطة الأبوية للناقد الذي كان يمنح صكوك الاعتراف من برجه العاجي وأنا لم أردد مرئية تقليدية لنهاية النقد بل رصدت اللحظة الراهنة.

في عصر البابليك فيجر والمؤثرين انتقلت السيادة من الخبرة المنهجية إلى الأرقام وسلطة التريند. فأصبح اللايك والشير هما المعيار البديل القيمة الجمالية، وهو ما أنتج ما يسمى بالرغوة الثقافية وهي حالة من السيولة التي تحتفى بالمنتج الاستهلاكي

أما عن مستقبل النقد والفلسفة فأنا أراه في التحول نحو ما أسميه النقد الانعكاسي فالناقد المستقبلي أن يكون قاضيا يحكم على النصوص بل سيستحيل وسيظا ذكيا يستطيع قراءة بلاغة الكود وفهم خوارزميات العصر الفلسفة والنقد في عصر المؤثرين يجب أن يكونا درعا فكريا يساعد المتلقي على تفكيك الجهل المنظم الناتج عن عجز المؤسسات التقليدية أمام الانفجار الرقمي.

المستقبل يكمن في الاشتباك لا الانسحاب. فالفلسفة يجب أن تغادر غرفها المغلقة التعيد مساءلة الواقع الهانتولوجي الواقع المسكون بالأطياف الرقمية الذي نعيشه.

والنقد لن يموت إذا استوعب أن دوره الجديد هو تفكيك الشفرات التي تصيغ حياتنا ليتحول من دراسة مدرسية جافة إلى نص إبداعي يمارس اللعب الجاد مع العالم ويقاوم محاولات تدجين المبدع .. والمستهلك على حد سواء.

طرحت في الكتاب فكرة أن "النص النقدي" أصبح بديلا لـ "الدراسة النقدية" فما الفارق بين الاثنين؟

الفارق بين الاثنين هو الفارق بين الإبداع والجمود الدراسة النقدية كما تكرسها المؤسسة الأكاديمية تحولت إلى ممارسة مدرسية جافة تلتزم بقوالب جاهزة ولغة تقريرية باردة هدفها الوصف والتحليل الظاهري وتطبيق المناهج كأنها كتالوج فني الأكاديميا تستبعد أي خروج عن هذا النص بدعوى الموضوعية وهي في الحقيقة موضوعية زائفة تقتل روح النص

أما النص التقدي الذي أنجاز إليه فهو فعل إبداعي مواز للنص الأصلي، فالناقد هنا هو مؤلف ثان يمتلك لفته الخاصة وجمالياته ويشتبك مع الأنساق الثقافية والمضمرات لالاجتماعية، النص النقدي هو لعب جاد -Se rious Play يرفض ثبات المعنى ويتحرك. في مساحات التجريب والقلق.

استبعاد المؤسسة الأكاديمية النص النقدي. ينبع من خوفها على سلطتها المعرفية فالنص النقدى يكسر الكود المستقر ويهدد صراحة المنهج الموروث، نحن بحاجة إلى ... استعادة أدبية النقد ليصبح النص النقدي قادرا على مواكبة سيولة الإبداع المعاصر بدلا من أن يظل حبيس الغرف الأكاديمية المطلقة التي لا تقرأ إلا نفسها.

بمناسبة الأكاديمية كيف ترى تعاطى الجامعات مع النقد والإبداع ؟

التعامل الأكاديمي مع النقد والإبداع يعاني من انفصال بنيوي عن الواقع فالجامعات في أغلبها لا تزال تتعامل مع النصوص الأدبية بوصفها جننا قابلة التشريحالمنهجي الجاف وليست كائنات حية تتنفس وتتغير، أما بخصوص قلة عدد النقاد رغم طوفان الخريجين فالتفسير يكمن في أن الأكاديمية تخرج موظفى نقد أو شارحي مناهج ولا تخرج نفاذا.

الناقد يحتاج إلى مغامرة فكرية والقدرة على الاشتباك مع التحولات السوسيو جمالية المعاصرة، وهي أمور تفتقر إليها المناهج التي تقدس النتائج وتخشى التجريب المؤسسة الأكاديمية وضعت تراتبية سلطوية تعلى من شأن الدراسة المدرسية وتستبعد النص النقدي الإبداعي مما دفع الموهوبين إلى الهروب خارج أسوار الجامعة أو الانكفاء على كتابة تقارير وصفية لا تسمن ولا تغنى من جوع نقدي.

نحن أمام أزمة صناعة مبدع داخل المؤسسة، فبينما يفرق الخريج في تفاصيل تقنية عفا عليها الزمن يهرب المشهد الإبداعي الحقيقي نحو السيولة الرقمية والفضاءات المفتوحة، لذا فإن كثرة الخريجين لا تعنى بالضرورة حيوية المشهد النقدي طالما ظل الدرس الأكاديمي يرفض الاعتراف بأن النقد هو في جوهره ممارسة إبداعية حرة وليس مجرد تطبيق الى للنظريات.

ما بعد الحداثة عموما وفي القلب منها التفكيك تواجه اتهامات دائمة بالعدمية... فكيف ترى هذه الاتهامات؟

قبل أن تجيب علينا أن نكف عن التعامل مع العدمية كوصمة أو اتهام يحتاج إلى دفاع فهي في جوهرها تصور وجودی و منطلق معرفی ضروري لمواجهة تزييف الحقائق وتوثين المعنى، في اللحظة التي تدرك فيها أن المراكز الصلبة التي قامت عليها الحداثة قد تأكلت وأننا نقف أمام فراغ يتطلب منا شجاعة المواجهة لا الهروب.

التفكيك في هذا السياق عدم خلاق تصور يسمح لنا برؤية أشباح الحقيقة وهي تتراقص في النص دون أن تدعى امتلاكها، عندما لتبنى العدمية كمنطلق نحن في الحقيقة نحرر الإنسان من الأوهام الكبرى ومن الجهل المنظم الذي تحاول المؤسسات فرضه علينا.

عدمية إيجابية إذا جاز التعبير لأنها ترفض الامتثال لبلاغة الكود الصارمة التي تريد تحويل كل شيء إلى أرقام ويقينيات باردة. أن تكون عدميا بهذا المعنى يعنى أنك تمتلك ترف اللعب الجاد مع النصوص وأنك تعترف بأن الحقيقة طيفية ونسبية وهذا في حد ذاته هو منتهى الإثبات للحرية الإنسانية في عصر المخاطر.

أخيرا ما رؤيتك للمشهد الثقافي الراهن في مصر وتحول الأدب إلى منتج استهلاكي؟

المشهد الثقافي الراهن في مصر يذكرني بوفيه مفتوح في عرس صاحب، فالزخم الإبداعي هائل والكل يغرف من بحر الرواية لأنها أصبحت الوجبة الجاهزة التي تضمن لك مقعدا على طاولات الجوائز فنحن نعيش حالة من التضخم الروائي.

أما كثرة الجوائز فتحولت إلى ما يشبه تطبيقات التوصيل السريع، فالكل ينتظر دوره في القائمة والبعض يكتب روايته وهو يضبط ساعته على توقيت إغلاق باب التقديم. هذا الزخم صنع ما أسميه في الكتاب بالرغوة الثقافية وهي فقاعات كثيرة ومنظر براق لكن بمجرد أن يلمسها النقد الحقيقي تتلاشى

والسؤال عن رؤيتي يذكرني بحكاية الأستاذ نجيب محفوظ فبعد أن عاصر تورة ۱۹۱۹ و دستور ۱۹۲۳ ومعاهدة ٣٦ وثورة ٥٢ وهزيمة ٦٧ وانتصار ٧٣ وكامب ديفيد سأله أحدهم ما الحل الأزمة مصر يا استاذ؟ فرد بسخريته: "تفتكر عندي الحل وما قلتش ؟!".

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...

أبو عبيدة بن الجراح.. أحد المُبشّرين بالجنة والنبى منحه لقب أمين الأمة

رجال حول الرسول «2» ينتمى إلى بنى فهر من قريش وكان من السابقين فى الإسلام وكان زاهداً يعمل من أجل...


مقالات