حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع مقطوعات بيتهوفن فقد بصره وعمره سنة واحدة بسبب الحسد سافر إلى القاهرة وهو طفل صغير بعد نصيحة النقشبندى كان يرى أن الشيخ على محمود هو «كبير دولة الإنشاد»

هذا حوار مختلف مع محمود محمد عمران ابن الشيخ القارئ والمبتهل محمد عمران أحد أبرز العباقرة في دولة التلاوة والإنشاد والذي وهبه الله صوتا ساحرا شجيا جميلا .. له حلاوة وطلاوة وطعم نتذوقه فنشعر بالنشوة والتجلى الروحي في عالم القرآن وفي دنيا الإنشاد...

اشتهر الشيخ محمد عمران بتلاوته الجميلة وبابتهالات الفجر العظيمة الباقية، وبقيت في ذاكرة وفي أسماع الملايين أناشيده وابتهالاته مثل أسماء الله الحسنى، وسبحان من عنت الوجوه لوجهه، ويا أيها المختار، وأدركنا يا الله وكم لله من لطف خفى وغيرها من روائع الابتهالات...

في رحاب الشهر الكريم يحدثنا ابنه محمود عمران الحاصل على ليسانس الحقوق والموظف بقطاع التنمية البشرية بإحدى شركات البترول يقول محمود محمد عمران ولد الشيخ محمد أحمد عمران في مدينة طهطا بسوهاج فى الخامس عشر من أكتوبر عام ١٩٤٤، وفقد بصره بعد عام واحد من ولادته.. وعن مسألة كف بصره بعد أن أتم السنة الأولى من عمره قالت لنا جدتي لأبي: إن الشيخ عمران كان يتمتع بصحة ممتازة بشكل لافت، وكان جسده كبيرا يناسب من في عمر الرابعة أو الخامسة فرأه أحد أقاربه من الدرجة الأولى، وقال: ايه الصحة دى ده لما ها يكبر ها يهد جبال وبمجرد أن خرجت هذه الكلمات الحاسدة من لسانه وضع الطفل محمد عمران يده على عينيه وهو يبكى وجعل يفرك في عينيه بسرعة وقوة ليفقد بصره بعدها ...

يضيف محمود عمران: قيل لنا أيضا إنه كان هناك فيروس يصيب العين ويفقد البصر إذا لم يعالج المصاب به جيدا فى ذلك العام ١٩٤٥، وأن الطفل محمد عمران أصيب به دون أن تنتبه أسرته، وكان الذهاب لطبيب متخصص من قبل أسرة فقيرة ضربا من الخيال في ذلك الوقت ناهيك عن أن طب العيون لم يكن بذات التقدم الذي نشهده الآن، بالإضافة إلى ندرة الأطباء بشكل عام في ذلك الزمان البعيد.

وبعد أن فقد أبى بصره طفلا صغيرا دعت له والدته دعاء استجابه الله وهو أن يكون من حفظة القرآن الكريم...

بدأ أبي في حفظ القرآن الكريم صغيرا وأتم حفظه وهو في سن العاشرة، ومن حسن حظه أن الشيخ سيد النقشبندى كان يعمل آنذاك في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات بمدينة طهطا - ولم يكن قد اشتهر بعد وتعلق الطفل محمد عمران بالنقشبندى وبصوته وبابتهالاته كثيرا إلى درجة أنه حين كان يختفى من منزله وهو في عمر السادسة أو السابعة كانت والدته تقول: ها تلاقوه عند الشيخ سيد..

حفظ أبي القرآن في طهطا وجوده، ونال إجازته في مدينة طما المجاورة على يد الشيخ محمود المصرى وهو في سن العاشرة، وحينها قال له الشيخ سيد النقشبندي : لازم تنزل القاهرة .. مكانك هناك.. سيكون الك مستقبل كبير هناك ... وأنا أتتها لك بمستقبل مشرق في دولة التلاوة وفي عالم الابتهالات.. ولم يكذب الطفل محمد عمران خبرا، وسافر إلى القاهرة وحيدا كفيقا في سن الحادية عشرة ليجد عمران محطة انطلاقه في العاصمة.

ماذا حدث في بداية سفر الطفل الشيخ الناشئ محمد عمران للقاهرة؟

يواصل محمود عمران : رسم الله الطريق لأبي فبمجرد وصوله للقاهرة تعرف بالصدقة على رجل طيب يسكن حي مصر القديمة اسمه الحاج على توفل عرف حكايته واستمع إلى تلاوته وانشاده واخذه إلى بيته وبيت والدته الحاجة أم على وقال لها بالحرف الواحد: أنا جایب ليكي هدية القارئ الشيخ الناشئ حافظ كتاب الله محمد احمد عمران ليقيم معك في البيت، فاعتبرته الحاجة أم على هدية من الله وليس من ابنها .. ومن يومها أقام الشيخ محمد عمران مع الحاجة أم على وكبر في بيتها وتزوج في بيتها والجبنا نحن أولاده في بيتها وكبرنا نحن أبناءه في بيت الحاجة أم على وصارت بالنسبة لنا جدتنا الثانية، وكان أولاد الحاج على يعتبرون الشيخ محمد عمران خالهم أو عنهم ... وإلى الآن ما زال الود موصولا بيننا نحن أبناء الشيخ محمد عمران وبين أبناء الحاج على توفل وأحفاده.

بين الإنشاد والموسيقى

وماذا عن مسيرة الشيخ محمد عمران بعد أن استقر به المقام في مصر القديمة ؟

يجيب محمود عمران في بدايات وجوده في القاهرة التحق الشيخ محمد عمران بمعهد المكفوفين الموسيقى، وفيه تعلم المقامات والنوتة الموسيقية. ومن حسن حظه أيضا أن الشيخ سيد موسى كبير البطانة التي كانت تردد وراء كبار المنشدين في ذلك الوقت كان جارا له في مصر القديمة، ومنه تعلم الشيخ عمران وجود عليه القرآن الكريم وأعطاه الإجازة. لينطلق بعدها الشيخ عمران في عالم الابتهال والإنشاد ثم حصل بعدها على وظيفة قارئ مسجد شركة حلوان المسبوكات، وهي وظيفة أمنت له دخلا ثابتا في بداياته واستمر بها فترة إلى أن تركها بعد أن كثرت مشاغله وبات واحدا من كبار المنشدين الذين يطلبهم الناس الإحياء المناسبات المختلفة في عموم القطر المصري...

يضيف محمود عمران استفاد أبي من دراسته الموسيقى في التجويد والترتيل والإنشاد وكان يرى أن علم النغم والمقامات الموسيقية لازم للقارئ والمنشد والمبتهل، ولذلك كان حريصا على سماع كبار المطربين في مصر والعالم العربي وإلى سماع الموسيقى التركية والإيرانية واللبنانية والسورية بل كان يقتني أشرطة واسطوانات موسيقية المقطوعات كبار الموسيقيين في العالم مثل بيتهوفن، وإلى درجة أنه ترك أكثر من 14 ألف

شريط موسيقى بعد رحيله

ويواصل محمود عمران أبي كان يدرك حقيقة مهمة هي أن فهم الموسيقى وتذوقها لازم للمبتهل والمنشد ويساعدة على الإبداع، وكان يري أن من يتعلم النهم ويتذوقه يستطيع أن يطلع قوالة أحسن وأجمل ممن لا يتذوق الموسيقى أو يفهم أصولها، واحبه في الموسيقى وشفقه بها كان صديقا شخصيا للشيخ سيد مكاوي الذي تعاون مع الشيخ عمران في برنامج رمضاني من ۲۰ حلقة وعمار الشريعي وكمال الطويل، وحلمي أمين الذي تعاون معه في كثير من البرامج مثل أسماء الله الحسنى ودعاء الصالحين، ثم كانت صداقته الكبرى بموسيقار الأجيال الأستاذ محمد عبد الوهاب، وكان هناك اتفاق على مشروع فني كبير بينهما في أواخر أيام عبد الوهاب، وقبل رحيل عمران بسنوات قليلة حيث يلحن موسيقار الأجيال ويغنى ويبتهل الشيخ عمران، ولكن رحل عبد الوهاب قبل تنفيذ المشروع وبالمناسبة كان أبي يحب كثيرا سماع عبد الوهاب وأم كلثوم ونجاة وصباح فخرى وكان يمتلك عودا في بيتنا لم يكن يعزف عليه، لكنه كان يسمع عزف صديقه مصطفى السيد عازف العود القدير ومنه استفاد كثيرا.

وهنا لا يمكن أن أنسى أيضا تلك الجلسات الخاصة التي جمعت بين صوت وإنشاد الشيخ عمران وألحان الموسيقار عبده داغر و منها ما هو موجود على اليوتيوب، وهي أعمال في قمة الروعة لا تتكرر ويجب أن يتعلم منها أهل الإنشاد وأهل الموسيقى أيضا، وقد قام والدى بتسجيل هذه الجلسات الفنية للتاريخ.

ومن من أهل القرآن وأهل الابتهال والإنشاد كان الشيخ عمران يحب سماعه ؟

كان يحب سماع الجميع ولكنه كان مغرما بشكل خاص بابتهال الشيخ على محمود، وكان يقول عنه دائما إنه الكبير بتاعنا وإنه تعلم منه الكثير سواء في الابتهال أو القراءة، كما كان يحب سماع الشيخ طه الفشني والشيخ محمد محمود ندا والشيخ محمود محمد رمضان الذي كان يرافقه في قراءة القرآن في عزاء عبد الحليم حافظ وهو أحد القراء الكبار لكنه لم ينل حظا من الشهرة.

ويضيف محمود عمران أستطيع أن أقول إن أبي كان واحدا من كبار المجددين فى عالم الابتهالات والإنشاد الديني، وكان يرى دائما أنه لكى يحقق المبتهل النجاحوالقبول والحضور لدى الناس فلا بد أن تكون له شخصيته وروحه الخاصة، وأن يكون له لون خاص به يعرفه به جمهور المستمعين والمحبين لفن الإنشاد وقد تجلى هذا الأمر في أشهر ابتهالاته مثل سبحان من عنت الوجوه لوجهه والليل أقبل والوجود سكون وكم لله من لطف خفى ويا أيها المختار وغيرها من ابتهالاته العظيمة، وكان يتجلى أجمل التجلى في الإنشاد حين ينشد إنشادا حيا في الموالد.. وحرص أشد الحرص على المشاركة في إحياء مولد سيدنا الحسين وسيدتنا السيدة زينب والسيدة نفيسة رضى الله عنهم، وأذكر أن الحاج سعيد العيلى مدير إذاعة صوت العرب كان ينصب شادرا في موالد أولياء الله، وكان الشيخ عمران من رواد هذا الشادر ينشد ويتجلى ويبدع، وهكذا كان أمره أيضا في ليالى الصعيد الكثيرة جدا التي أحياها بمحبة وتجل أيضا وهو يشعر بتفاعل الجمهور معه، والحقيقة أن الشيخ عمران كان واحدا من أكثر المنشدين والمقرئين الذين جابوا عموم القطر المصرى الإحياء المناسبات المختلفة ومن نعم الله عليه أنه حظى بالقبول وحب الناس، وقد كان الشيخ عمران شديد التواضع يعرف تماما أن ما اشتهر به من حلاوة وطلاوة صوت هو هبة ومنحة من الله الخالق الوهاب.

وأسأل محمود عمران لماذا لم يسافر الشيخ عمران كثيرا خارج مصر ليجيب كان قلب والدي متعلقا بحب

وطنه وأهله كثيرا .. كان حبه لمصر و أوليائها الصالحين ومساجدها بلا حدود.. يقضى أغلب وقته في إحياء المناسبات على أرض مصرنا العزيزة ويذهب راضيا مرضيا سعيدا إلى أبعد مكان فيها، وأذكر أنه ذهب كثيرا ولمرات متعددة للإنشاد في مولد سيدي أبي الحسن الشاذلي بمحافظة البحر الأحمر مع ما كان يتكبده السفر إلى المقام الطاهر في صحراء حميثرة من عناء فأبي كان رجلا صوفيا من الطراز الأول.. لذلك كله لم يحب الشيخ عمران السفر خارج مصر ولم يسافر إلا قليلا لإحياء نصف شهر رمضان وليس الشهر كله، وأذكر أنه جاءته دعوة للتلاوة بالمسجد الأقصى، لكن الأمر لم يتم كما دعاه أحد الأمراء بالمملكة العربية السعودية ليكون قارئ ومبتهل أحد المساجد الكبرى هناك وعرض عليه أن يمنحه قصرا للإقامة وامتيازات أخرى هائلة، لكن الشيخ عمران رفض فقد كانت روحه في مصر، ولم يكن يبحث عن مال ولا قصور وكان صوفيا حقا.. وطوال سنوات عمره الذي لم يتجاوز الخمسين كان أبي يذهب إلى الأرض المقدسة ليحج عاما ويعتمر عاما آخر.

أخيراً حدثنا عن الشيخ محمد عمران بعيدا عن الإنشاد؟

يجيب محمود عمران : كان الشيخ محمد عمران ابن نكتة سريع البديهة حاضر الذهن لكن الحزن المقيم عرف طريقه إلى قلبه حينما رحل شقيقى الأصغر عام ٨٦ وهو في عمر الخامسة .. ومن يوم رحيل ابنه وحتى آخر يوم في حياته كان أبي ينام باكيا حزنا على فقد أخي... وقد سجل له شريط كاسيت قبل رحيله لم يفارق جيبه وكان يسمعه يوميا، وكان الشيخ عمران بارا بوالدته وإخوته وإلى الآن ما زال أهلنا يقيمون فى طهطا بسوهاج، وأذكر أنني سافرت معه وأنا طالب في المرحلة الإعدادية وقضينا أياما في دوار العائلة هناك وكانت أمه (جدتي) تجلس وينام على قدميها وكأنه طفل صغير، كما كان أبي زملكاويا متعصبا يحب الزمالك بشكل غير عادي، وكان هو من يقرأ القرآن في مفتتح أي مناسبة يقيمها النادي وحصل على عضوية النادى الشرفية، وقد حكيت كثيرا حكاية طريفة حدثت في بيتنا بسبب مباراة للزمالك مع الأهلى كان اليوم الأخير قبل بدء امتحان الثانوية العامة وكنت أعيد الامتحان لأننى رسبت في العام السابق وأذاكر مادة اللغة العربية وجلس أبي في حجرته يسمع المباراة بينما جلست أنا أذاكر في غرفتي وأنا أشجع الأهلى وأحرز الأهلى هدفا فخرج من حجرته وجاء إلى قائلا كويس كده خليك تذاكر وانت مبسوط ومستريحنفسيا) ثم دخل حجرته وبعد مرور بعض الوقت سجل الزمالك هدف التعادل فجاءني والفرحة تبدو على وجهه وهو يقول الحمد لله جبنا جول.. وطظ فيك وفي الثانوية العامة.. رحمه الله.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات