أحمد لطفى: المشهد الشعرى ثـرى.. والتلقى بائس

تجاربى فى شعر العامية محاولات للتجريب وخوض مغامرة إبداعية جديدة / ديوانى الأحدث جرد للحظات آلمت الروح وأسعدتها

صدر حديثا للشاعر والناقد أحمد لطفى ديوان "جرد مفاجئ فى مخازن الروح"، وهو الثالث فى مسيرته الشعرية، فقد صدر له من قبل "احتفالية تقليدية للحزن التجريبى"، و"كما تفعل العصافير فى عطلاتها الرسمية"، تحدثنا معه عن بدايته، وعن ديوانه الجديد ومشروعاته القادمة، وعن رؤيته للمشهدين الشعرى والنقدى، وتفسيره لأسباب عزوف الجمهور عن تلقى الشعر فى هذا الحوار.

كيف كانت بدايتك مع الشعر؟

 بدايتى -على مستوى التلقى- كانت جزءًا من ولعى باللغة العربية، فى المرحلة الابتدائية كنت من الطلاب المواظبين على الذهاب إلى مكتبة المدرسة لأقرأ ما يتيسر من الكتب، كنت أقرأ كتب العقاد وطه حسين ولا أفهم الكثير، ولكننى كنت محبًا لمذاق الكلمة العربية الفصيحة والأسلوب الفخم الرصين، وفى المرحلة الإعدادية بدأت علاقتى بالشعر فى نماذجه التقليدية والرومانسية عند شوقى وحافظ مثلا، وشعراء الرومانسية، وعلى رأسهم محمود حسن إسماعيل، كنا نعانى -نحن المكفوفين- من عدم توفر مطبوعات شعرية بطريقة برايل، ولم تكن إمكانية الوصول الإلكترونى المتوفرة اليوم متاحة عندئذ، فكنا نكتب القصائد لكى نقرأها، كنت مولعًا بموسيقية القصيدة العمودية وبحور الشعر والقوافى، وفى المرحلة الثانوية بدأت رحلتى مع قصيدة التفعيلة، لقد كان برنامج "ألوان من الشعر" الذى كان يقدمه الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة على إذاعة البرنامج الثقافى، بصوته العذب وإلقاؤه الآسر، بالإضافة إلى برنامج "لغتنا الجميلة"، الذى كان يقدمه الأستاذ فاروق شوشة فى إذاعة البرنامج العام نافذتين مهمتين، تعرفت من خلالهما على إبداعات الكثيرين من الشعراء القدامى والمحدثين، دخلت إلى هذا العالم الساحر ولم أخرج منه حتى الآن، أما فيما يتعلق بكتابة الشعر فقد باغتتنى القصيدة، ما زلت أذكر ذلك اليوم الذى غزتنى فيه القصيدة دون مقدمات، توالت الأبيات على ذهنى حتى أنهيت قصيدتى الأولى فى وقت قياسى، وكأنها كانت تُملى على، ومن يومها بدأت رحلة المعاناة الجميلة التى أتمنى ألا تنتهى.

 من أهم الشعراء الذين تأثرت بهم؟

 تأثرت بكل ما قرأت، أحببت الكثيرين من الشعراء، من توجهات وأجيال ومدارس شعرية مختلفة، لكن يظل صلاح عبد الصبور يحتل مكانة خاصة فى نفسى. فى البداية، كنت مفتونًا برواد القصيدة التفعيلية فى مصر والعراق وبمحمود درويش، وعندما درست شعراء السبعينيات فى الماجستير، توقفت أمام بعض التجارب السبعينية المهمة، مثل تجربة الشعراء حلمى سالم ورفعت سلام ووليد منير، هناك أيضًا تجارب ما بعد سبعينية كثيرة مهمة؛ أذكر منها تجارب فتحى عبد السميع والبهاء حسين ومؤمن سمير، أما عن الشعر القديم فى العصور المختلفة فقد شكّل لى زادًا لغويًا وجماليًا مهمًا، فنحن أبناء هذه الثقافة، ننتمى إليها ونمثل امتدادًا لشعرائها القدامى، حتى وإن خرجنا عن ما ارتضوه من قواعد وأسس.

 حدثنا عن ديوانك الجديد "جرد مفاجئ فى مخازن الروح"؟

 هو محاولة لاصطياد لحظات من حياتى الشخصية، والهموم السياسية والاجتماعية والثقافية التى نعيشها، إنه جرد للحظات آلمت الروح وأسعدتها، ومحاولة التعبير عنها شعرًا.

 وما أهم القضايا التى تناولتها فى الديوان؟

 تناولت فى هذا الديوان عددًا من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والشخصية، وإن كان هذا بالطبع بصورة غير مباشرة، كما كانت الكتابة عن الكتابة، أو بالأحرى الكتابة عن القصيدة حاضرة فى هذا الديوان كما كانت حاضرة فى الديوانين السابقين.

 ما الفارق بين ديوانك الأول "احتفالية تقليدية للحزن التجريبى" الصادر عام 2003، وديوانك الأخير الصادر فى 2023؟

ربما كان الفارق "الشكلى" الأوضح بين الديوانين هو تحقيق نبوءة الشاعر الكبير الراحل حلمى سالم فى تعليقه على ديوانى الأول، حين قال إنه ديوان له متن تفعيلى وهامش نثرى، لكنه ينبئ بأن هذا الهامش النثرى سيصبح المتن فى الأعمال التالية، وهذا ما حدث بالفعل، ازدادت مساحة القصيدة النثرية على حساب القصيدة التفعيلية، حتى أصبحت تمثل متن التجربة، كما أن الديوان الأول شابته أخطاء البدايات، ربما أصبحت القصيدة فى الديوان الأخير أكثر هدوءًا. لقد تراكمت لدى خبرات حياتية وإنسانية كثيرة، وآمل أن تكون قد أثرت إيجابًا على التجربة الشعرية الأخيرة.

 لماذا جمعت فى الديوان بين التفعيلة والنثرية والفصحى والعامية؟

 هذا الأمر يمكن ملاحظته فى دواوينى الثلاثة تقريبًا، فأنا أؤمن بأن الشعر كثير ومتعدد، وأنه لا فضل لعمودى على تفعيلى، ولا لنثرى على عامى إلا بالجودة، لكل شكل جمالياته وآليات كتابته، فقط يجب على من يتصدى لكل شكل أن يتقن آليات كتابته ويتذوق جمالياته حتى ينتج نصًا جميلًا، بغض النظر عن نوعه، أؤمن بالتعدد فى الحياة، وبحق الجميع فى التجاور لا التصارع، وبالتالى أحاول أن أعبر عن هذه الفكرة شعريًا فى دواوينى.

 تكتب الشعر بالفصحى والعامية، أيهما تفضل وأيهما يعبر عنك بحرية؟

 أنا فى الأساس شاعر فصحى، ولى بعض المحاولات العامية، لكل منهما مذاق مختلف، والتجربة هى التى تفرض نفسها وتختار الشكل الذى تُكتَب به، تجاربى بالعامية محاولات للتجريب مع شكل جديد من الكتابة وخوض مغامرة إبداعية جديدة، لكن هذا لا يجعلنى من شعراء العامية.

 هل دراستك للنقد أثرت على كتاباتك الشعرية، وهل تغيرت رؤيتك للكتابة بوجه عام؟

 لا شك أن أية دراسة تؤثر على إبداع المبدع، فما بالنا بدراسة الشعر ذاته وتأثيرها على الإبداع الشعرى، منحتنى دراسة الأدب فى البداية فرصة الاطلاع على أشعار عصور ربما ما كنت لألتفت إليها إذا لم أدرسها مما أثرى عقلى ووجدانى، ثم منحنى التخصص فى نقد الشعر فرصة متابعة التوجهات الجمالية المختلفة وفهمها، حتى بغض النظر عن الاستمتاع ببعضها، فدارس الشعر مطالب باستيعاب التوجهات المختلفة، وفهم آليات كتابتها ومبررات وجودها، سواء أحبها أم لم يحبها، لكننى أرى أن الإخلاص فى كتابة أى شكل شعرى سينتج نصًا متميزًا بمعايير كتابة هذا الشكل.

 أيهما يحقق لك المتعة أكثر النقد أم الشعر؟

 الشعر والنقد عملان إبداعيان، الأول هو إنتاج نص من العدم، أما الثانى فهو نص موازٍ للنص الإبداعى. أشعر بنشوة عندما أتمكن من الوصول إلى دلالة جديدة فى النص الإبداعى توازى تلك التى أشعر بها مع كل صورة شعرية أو جملة أو قصيدة أكتبها، ربما كان الأصل هو الشعر، لكن هذا لا ينتقص من حبى واستمتاعى بممارسة النقد، والغوص فى الطبقات المتراكمة لنصوص الآخرين.

 كيف ترى المشهد الشعرى فى مصر الآن؟

 المشهد الشعرى الآن -ومنذ فترة- ثرى على مستوى الإنتاج، توازيه حركة نقدية من نقاد جادين لا يجدون لأنفسهم سوى نوافذ قليلة لمتابعة هذا الإنتاج الشعرى الغزير والمتعدد، لكنه على مستوى التلقى مشهد بائس للغاية، نحن نكاد نخاطب أنفسنا، المهتمون بالشعر قلة، يكفى أن نلقى نظرة على الحضور فى معظم الندوات الشعرية أو توزيع الدواوين الشعرية المنشورة، وانصراف الناشرين عن نشرها، لنعرف حجم المشكلة.

 هل الشعر تراجع عما كان عليه فى الماضي؟ وهل الجمهور انصرف عنه؟

 إذا كان المقصود بتراجع الشعر هو تضاؤل مساحة التلقى فهذا أمر لا شك فيه، لكن إن كان المقصود هو التراجع الفنى فهذا لم يحدث، بل على العكس، فالمشهد الشعرى اليوم ثرى للغاية، ومليء بالشعراء المتميزين والتجارب الجادة المخلصة، لكن مكانة الشعر عند الجمهور تراجعت بلا شك، فالجمهور اليوم يبحث عن المادة السهلة السريعة، لقد اتجه صناع المحتوى -حتى الترفيهي- إلى اختزال محتواهم، فالجمهور يريد مقاطع الفيديو القصيرة التى لا تتخطى الدقيقة، والمنشورات المختصرة، والكبسولات سهلة الهضم، حتى فى مجالات اهتمامهم من كرة القدم أو السينما أو الغناء أو وصفات الطعام، فما بالنا بأكثر أشكال التواصل اللغوى مراوغة وصعوبة فى التلقى، لقد غزت الثقافة الاستهلاكية الوجدان، فلم يعد المتلقى مستعدًا للإسهام فى إعادة إنتاج النص والقراءة المتأنية، واكتشاف الطبقات الدلالية التى تتوارى خلف المستوى السطحى للنص، لكن -على الجانب الآخر- ربما منح انصراف الجمهور عن الشعر حرية أكبر للشعراء للتجريب دون حسابات جماهيرية، أو فلنقل تسويقية، كما حدث مع بعض الشعراء الذين تحولوا إلى نجوم مجتمع.

 ما التحديات التى تواجه الشعر فى مصر حاليا؟

 هى نفسها التحديات التى تواجه كل عمل ثقافى جاد، شبكات التواصل الاجتماعى التى أصبحت تتحكم فى الرأى العام وتوجهه، وتقنع جمهورها بأنهم يحبون كذا ويكرهون كذا، لا تجد فى الشعر مادة خصبة لإثارة الجدل والصراع والتطرف فى الآراء، الذى يعد الغذاء الرئيسى لشبكات التواصل الاجتماعى، وبالتالى فهى تتجاهله، كما أن الجمهور لم يعد يحتمل الاستماع إلى آراء أو أفكار مختلفة، كل شخص يظل محبوسًا داخل ما يطلق عليه "غرفة الصدى"، التى يكرر فيها الأفكار والآراء نفسها مع من يتفقون معه فى الرأى (السياسى أو الرياضى أو الاجتماعى أو الثقافي)، ولا يريد أن يتعب نفسه فى مناقشة أفكار أو آراء أو حتى إبداعات جديدة.

 هل قصيدة النثر وصلت إلى ما تستحقه من مكانة وحضور يفرض نفسه على الساحة الأدبية؟

بالفعل، استطاعت قصيدة النثر أن تحفر لنفسها مجرى بين تيارات الشعر فى النصف الثانى من القرن العشرين وحتى الآن، بل إنها ربما أصبحت الأعلى صوتًا فى الساحة الثقافية اليوم، فبعد أن كانت محاولة للخروج عن المؤسسة الثقافية والنقدية استطاعت أن توجد لنفسها مؤسسة بديلة، وأصبحت -فى كثير من الأحيان- تمارس إقصاء ما عداها من الاتجاهات الشعرية، لقد أسهم الكثير من شعراء قصيدة النثر المتميزين فى وضعها فى المكان الذى تستحقه، من خلال انشغالهم بالقصيدة وإخلاصهم للفكرة التى آمنوا بها.

 كيف ترى الصراع الدائر بين أصحاب القصيدة العمودية وأصحاب قصيدة النثر؟

الصراع بين التوجهات الإبداعية والأفكار موجود منذ زمن بعيد، ويرجع -فى معظمه- لصراع أزلى بين من يحاول الحفاظ على وضع قائم ومن يحاول الخروج عليه، وعادة يكون هذا الصراع مفيدًا للثقافة وللإبداع، إذا احترم كل طرف خصمه، ولم يخرج بالنقاش عن موضوع الخلاف إلى سجالات جانبية لا فائدة منها سوى الإساءة، وإذا لم يحاول كل طرف نفى حق الطرف الآخر فى الوجود. وفيما يتعلق بالإبداع عمومًا، يجب أن تتجاور الأشكال والتوجهات المختلفة، لا أن تتصارع، فلكل ذائقة الحق فى أن تجد ما يشبعها ويقدم لها ما يثرى وجدانها. وكما قلت، فمحبو قصيدة النثر لا يتميزون عن جمهور الشعر العمودى مثلا لمجرد أنهم يفضلون هذا الشكل، على الجميع أن يحترم حق الآخر فى إنتاج وتلقى ما يراه معبرًا عن وجدانه.

 البعض يتهم قصيدة النثر بأنها فى متناول أى شخص يريد الكتابة رغم عدم علمه بأصول وأدوات الشعر. فما رأيك؟

 قصيدة النثر فى الأساس خروج عن قيود القصيدة العمودية والتفعيلية، ولا أجد مبررًا للخروج على شيء لا أستطيع الالتزام به من البداية، لا أحب التعميم، ولكننى أظن أن معظم الشعراء المجيدين من شعراء قصيدة النثر بدأوا مسيرتهم الشعرية بكتابة قصيدة التفعيلة أو الشعر العمودى، أى أنهم يدركون مبرر الخروج عن هذا الشكل وضرورته. ربما لا ينطبق هذا الأمر على كل التجارب الجيدة، ولكن المنطق يقول إن الشاعر الذى يجيد الكتابة بطريقة ما يكون الأجدر بالخروج عنها. هناك الكثير من النتاج الشعرى من قصيدة النثر، الكثير من النصوص الرائعة والكثير من النصوص الرديئة، وهذا أمر لا يقلقنى، فالكثرة دليل على قوة هذا الشكل وقدرته على الاستمرار، والنصوص الرديئة لن تطغى على النصوص الجيدة على المدى البعيد، حتى وإن علا صوتها وصوت أصحابها لأسباب غير شعرية، فى ظل حالة انقلاب المعايير "بل وانعدامها أحيانًا" التى نحياها اليوم.

 كيف ترى حال النقد والنقاد فى مصر حاليا؟

لا يختلف المشهد النقدى كثيرًا عن المشهد الشعرى، هناك العديد من النقاد المتميزين الذين يمتلكون أدواتهم النقدية والموهبة والحس النقدى، لكنهم لا يجدون المنصات الكافية التى تستوعب نتاجهم النقدى، كما لا يجدون الوقت لملاحقة الدواوين الشعرية التى تصدر بكثافة، علاوة على ذلك فهم لا يجدون التقدير المادى ولا المعنوى الذى يتناسب مع ما يبذلون من جهد صادق فى استنطاق النصوص الشعرية وسبر أغوارها، مما جعل البعض ينصرف عن المتابعات النقدية إلى أمور أخرى، ليحققوا لأنفسهم حياة أفضل. ونظرًا لعدة أسباب، لم يقم النقد بدوره فى تقريب النص الشعرى المراوغ والغامض أحيانًا من القارئ العادى، أسباب بعضها يتعلق ببعض الممارسات النقدية التى يغرق أصحابها فى استخدام مصطلحات متخصصة، يصعب على المتلقى العادى فهمها، ومن ثم لا يتفاعل معها الجمهور، وبعضها أسباب تتعلق بأزمة النشر والمجلات الثقافية والفعاليات الثقافية بوجه عام، وبعضها أسباب تتعلق بانصراف الجمهور التام عن الأدب بوجه عام، وعن الشعر على وجه الخصوص، وبحثه عن سبل الترفيه الأسهل التى لا تتطلب منه جهدًا فى تلقيها.

 

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...

أبو عبيدة بن الجراح.. أحد المُبشّرين بالجنة والنبى منحه لقب أمين الأمة

رجال حول الرسول «2» ينتمى إلى بنى فهر من قريش وكان من السابقين فى الإسلام وكان زاهداً يعمل من أجل...


مقالات