متلازمة المناسبات السعيدة: لماذا نحزن حين يُفترض أن نفرح؟

لأن التوقعات الثقيلة قد تسرق بهجة اللحظة.

في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين يعيشون هذه اللحظات بشيء آخر مختلط ضيق غير مفهوم، حزن خفيف، أو شعور داخلي بأنهم ليسوا كما ينبغي أن يكونوا

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

وهنا تظهر ظاهرة يمكن أن نسميها: متلازمة المناسبات السعيدة…
حين تتحول الأيام التي يُفترض أن تمنحنا البهجة إلى مساحة ضغط نفسي، ومقارنة، وذكريات، وتوقعات تثقل القلب بدل أن ترفعه.

فلماذا يحدث ذلك؟


حين تصبح الفرحة واجبًا

المشكلة لا تكون في المناسبة نفسها، بل في الفكرة المرتبطة بها

في كثير من الأحيان نشعر أن علينا أن نفرح، لا أن نختبر الفرح فعلًا
أن نبدو سعداء، أن نشارك الصور، أن نعيش اللحظة “كما يجب”

وهنا تتحول المناسبة من تجربة إنسانية إلى اختبار غير معلن
هل أنا سعيد بما يكفي؟
هل حياتي كما ينبغي؟
هل أعيش ما يعيشه الآخرون؟

وحين تصبح الفرحة واجبًا، يفقد القلب عفويته.

التوقعات… العدو الصامت للمناسبات

كل مناسبة تحمل توقعات مسبقة:
أن يكون البيت مثاليًا
أن تكون العائلة متماسكة
أن يكون الحب حاضرًا
أن نكون ممتنين
أن نشعر بالسلام
لكن الحياة لا تسير بهذه المثالية

وحين نصنع في أذهاننا نسخة مثالية من المناسبة، ثم نصطدم بالواقع…
لا نشعر بخيبة من اليوم، بل من الفجوة بين ما تمنيناه وما حدث

التوقعات العالية لا ترفع الفرح… بل تضعه تحت ضغط

الذكريات التي تعود دون استئذان

في المناسبات، لا يحضر الحاضر وحده… بل يحضر الماضي أيضًا.

رمضان قد يوقظ ذكرى بيت قديم
العيد قد يذكّرنا بمن غابوا
زفاف أحدهم قد يعيد جرح تأخر أحلامنا

ولهذا، قد نحزن لا لأن المناسبة سيئة
بل لأنها تفتح أبوابًا لمشاعر قديمة لم تُغلق تمامًا

المناسبات ليست مجرد أيام…
إنها محفزات عاطفية قوية

المقارنة: حين تسرق فرحتنا بصمت

في التجمعات والمناسبات، تصبح المقارنة أكثر حضورًا

لماذا حياتهم تبدو أسهل؟
لماذا هم أكثر استقرارًا؟
لماذا تحقق لهم ما لم يتحقق لي؟

ومع انتشار السوشيال ميديا، لم تعد المقارنة داخل المكان فقط
بل مع عالم كامل من الصور اللامعة

فننسى أن ما نراه هو لحظة مختارة
ونقيس عليها حياتنا بكل تعقيدها

وهكذا تتحول المناسبة إلى مرآة قاسية بدل أن تكون مساحة فرح

 

الوحدة وسط الزحام

من أغرب مشاعر المناسبات
أن تشعر بالوحدة وأنت بين الناس

قد يكون السبب أنك حاضر جسدًا، لكنك غائب شعوريًا
أو لأن العلاقة مع من حولك ليست آمنة بما يكفي
أو لأنك تبتسم بينما في داخلك شيء غير مُقال

بعض الحزن لا يأتي من غياب الناس…
بل من غياب الاتصال الحقيقي معهم

 

لماذا يشعر البعض بالضغط بدل البهجة؟

لأن المناسبات تكشف أحيانًا ما نحاول تجاهله طوال العام

فراغ داخلي
علاقة متعبة
فقد لم يُعالج
حلم مؤجل
احتياج لم يُسمع


ولهذا لا يكون الحزن علامة ضعف
بل إشارة إلى شيء أعمق يحتاج إلى انتباه

 

كيف نتعامل مع هذه الظاهرة بوعي؟

ليس الهدف أن نكره المناسبات
بل أن نخفف الضغط عنها ونستعيد معناها الحقيقي

ومن الخطوات التي تساعد

خفّف توقعاتك
لا تبحث عن “مناسبة مثالية”، بل عن لحظة صادقة.

اسمح بمشاعرك كما هي
ليس مطلوبًا أن تكون سعيدًا طوال الوقت
المشاعر ليست خطأ

لا تجعل المقارنة معيارًا
لكل إنسان توقيته ومساره المختلف

اصنع معنى صغيرًا خاصًا بك
بدل أن تكون المناسبة عرضًا اجتماعيًا، اجعلها لحظة شخصية

انتبه لما توقظه المناسبة داخلك

ربما الحزن ليس بسبب اليوم… بل بسبب ما يذكّرك به

اطلب دعمًا إن كان الألم أعمق
بعض الذكريات تحتاج مساحة آمنة للحديث والفهم


المناسبات السعيدة ليست دائمًا سعيدة للجميع…
وهذا لا يعني أننا جاحدون أو ضعفاء، بل بشر.

أحيانًا نحزن لأننا نتذكر
أو لأننا نقارن
أو لأننا نحمل توقعات أكبر من قدرتنا على الاحتمال

لكن حين نخفف الضغط عن الفرح
ونسمح للمشاعر أن تكون إنسانية
يمكن للمناسبة أن تعود إلى معناها الحقيقي

لحظة بسيطة… لا اختبارًا
وطمأنينة صغيرة… لا عبئًا

فالفرح لا يُفرض…
بل يُعاش حين نتركه يأتي كما هو.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

وانطلق مدفع الإفطار، حكايات رمضانية

شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...

متلازمة المناسبات السعيدة: لماذا نحزن حين يُفترض أن نفرح؟

في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...

في حضرة آل البيت.. هنا القلوب تشرق وتنتشي بسكينة المدينة المنورة

إذا أردت أن تعيش لحظة من لحظات الأنس الروحي، وأن تلمس بقلبك شيئًا من بهاء المدينة المنورة، فما عليك إلا...

الإعلامي الشامل في مرحلة التحول الرقمي !

يشهد قطاع الإعلام تحولاً جذرياً لا يقتصر على الأدوات والمنصات فحسب، بل يمتد ليطال ماهية المهنة ذاتها وطبيعة الأدوار داخل...