يعد طلب العلم في الإسلام رسالة سامية تتجاوز حدود التحصيل الذهني إلى بناء الإنسان روحا وسلوكا، فهو عبادة قلبية تقرب العبد من ربه، وتهذب أخلاقه، وتوجه حياته نحو الصلاح والنفع.
د. علي أحمد رأفت عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى- مشيخة الأزهر
وإن الحديث عن آداب طالب العلم ليس ترفا فكريا، بل هو ضرورة تربوية وأخلاقية، إذ بها يحفظ للعلم مكانته، وتظهر بركته، ويصبح وسيلة للإصلاح الفردي والمجتمعي. ومن هنا تأتي أهمية استعراض هذه الآداب التي دعا إليها الإسلام، لتكون نبراسا لطالب العلم في مسيرته الإنسانية.
لطالب العلم آداب ينبغي له أن يتحلى بها عند طلبه، سواء في علاقته بمن يتلقى عنه العلم، أو بما يتلقاه معه أو بما تلقاه من علم، بحسبان ذلك من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، ووردت نصوص الشرع تحض عليها، وسوف نستعرض طرفا من هذه الآداب، وما يدل على التخلق بها في مجال التلقي أو مدارسة العلم أو إفادة الناس منه.
أولا: أن يعلم أن العلم عبادة، قال بعض العلماء: "العلم صلاة السر، وعبادة القلب".وعليه؛ فإن شرط العبادة: إخلاص النية لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: {وَمَا أمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة: 5].
وفي الحديث المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الأعمال بالنيات". فإن فَقَدَ العلمُ إخلاص النية: انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، ولا شيء يحطم العلم مثل:الرياء والسمعة، بأن يقول مسمعا: علمت وحفظت ...
وعليه؛ فيلتزم طالب العلم التخلص من كل ما يشوب نيته في صدق الطلب، كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلما لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليه، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية؛ أفسدتها، وذهبت بركة العلم.
ثانيا : ملازمة خشية الله تعالى، والتحلي بعمارة الظاهر والباطن به، محافظا على شعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها؛ دالا على الله تعالى بعلمك وسمتك وعملك.
وملاك ذلك: خشية الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أصل العلم خشية الله تعالى، فالزم خشية الله في السر والعلن فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم، ولا يغب عن بالك بأن العالم لا يعد عالما إلا إذا كان عاملا، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لزمته خشية الله.
ثالثا : خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء، والتحلي بآداب النفس، من العفاف، والحلم، والصبر، والتواضع للحق، متحمل ذل التعلم لعزة العلم، ذليل للحق. واحذرواداء الجبابرة: !اكبر ' فإن الكبر والحسد أول ذنب عصي الله تعالى به، فالتطاول على المعلم كبرياء، واستنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء؛ فاحذروا من هذه الآفات، التي تقتل العلم، وتذهب هيبته، وتطفئ نوره.
رابعا : أن تبادروا شبابكم وأوقات عمركم إلى التحصيل، ولا تَغْتَرْوا بخدع التسويف والتأميل؛ فإن كل ساعة تمضي من عمرنا لا بدَلَ لها ولا عوض عنها.
ونقل الخطيب البغدادي في الجامع عن بعضهم، أنه قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطَّل دُكَّانه، وخرب بُسْتَانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته، وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة فالمقصود به: أنه لابد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر واغتنام العمر.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: اغتَنِم خمسا قبل خمس:شبابَك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".
وإن من آداب الطالب مع معلمه :رعاية حرمته: فبما أن العلم لا يؤخذ ابتداء من الكتب، بل لا بد من شيخ تتعلم منه وتتقن عليه مفاتيح الطلب؛ لتأمن من العثار والزلل؛ فعليك إذا بالتحلي برعاية حرمته ، فإن ذلك عنوان النجاح والفلاح والتحصيل والتوفيق، ولْيَكُن أساتذتك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الآداب معهم في التحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ومع الكتاب، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه.
ولا تنادينه باسمه مجردا، أو مع لقبه كقولك: يا شيخ فلان! بل قل: يا شيخي أو يا شيخنا أو يا أستاذنا، فلا تسميه؛ فإنه أرفع في الأدب.
وقد قيل: "من دخل في العلم وحده؛ خرج وحده"، أي: من دخل في طلب العلم بلا أستاذ ؛ خرج منه بلا علم؛ إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذا لتعلمها من مُعلَّمها الحاذق، وهذا يكاد يكون محل إجماع كلمة من أهل العلم، إلا من شذ.
ثم عدم الحياء من السؤال عما أشكل عليه بتلطف وحسن خطاب وأدب وسؤال: قال عمر رضي الله عنه: من رق وجهه رق علمه، وقال مجاهد: لا يتعلم العلم ستحيي ولا مستكبر. وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار لم يكن لحياء يمنعهن أن يتفقهن في الدين.
وفي نهاية هذا المقال في الآداب: يسأل طالب العلم نفسه عن حظه منعلامات العلم النافع، وهي:١-العمل به.٢-كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق.٣-تكاثر تواضعك كلما ازددت علما.٤-الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا.٥-هجر دعوى العلم.٦-إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس تنزها عن الوقوع بهم.
وإن من زكاة العلم: أن يكون الإنسان صادعا بالحق، أمَّارا بالمعروف، نهَّاء عن المنكر، موازنا بين المصالح والمضار، ناشرا للعلم، وحب النفع وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف.
ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق وافته الكتمان.
ولا تحملك دعوى فساد الزمان، وغلبة الفساق، وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ.
وعليك بصيانة العلم وتعظيمه، وحماية جناب عزه وشرفه، وإن بلغت منصبا، فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم، أو الفتيا، أو القضاء .... وهكذا فأعط العلم قدره وحظه من العمل به وإنزاله منزلته.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يعد طلب العلم في الإسلام رسالة سامية تتجاوز حدود التحصيل الذهني إلى بناء الإنسان روحا وسلوكا، فهو عبادة قلبية تقرب...
في السياسة الدولية، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها الجغرافي وحده، ولا بعدد ما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية، وإنما بقدرتها...
تعد المدرسة المؤسسة الرسمية التي تقوم على تربية النشء وتعليمهم مبادئ العلوم والأخلاق والقيم والاتجاهات، وتنشئتهم التنشئة الصالحة التي تخرج...
يرى البعض أن الوعي الإعلامي مفهوم معني به ذوو الاختصاص في الإعلام والاتصال فقط، والواقع أنه أصبح ضرورة يومية لكل...