4 مرتكزات متكاملة لصناعة الاستقرار الأسري

ينطلق الإسلام في نظرته إلى الأسرة من كونها الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، والوعاء الأول الذي تتشكل داخله شخصية الإنسان وقيمه وسلوكه.

د. علي أحمد رأفت
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى- مشيخة الأزهر

 

ولما كان المقصد العام للشريعة الإسلامية يتمثل في عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين عليها، فقد أولت الشريعة مؤسسة الأسرة عناية بالغة؛ باعتبارها اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ووسيلة تحقيق الاستقرار الإنساني والاجتماعي.

وقد عبَّر الشيخ محمد الغزالي عن هذه المكانة بقوله: «الأسرة هي الكهف الوحيد الذي يجمع بين رجل وامرأة، ومن ثم فإن تكوينها دين، والحفاظ عليها إيمان، ومكافحة الأوبئة التي تهددها جهاد، ورعاية ثمراتها من بنين وبنات جزء من شعائر الله».

ومن هذا المنطلق، لم تقتصر مقاصد الشريعة على تنظيم العلاقة بين الزوجين فحسب، بل شملت جميع مكونات الأسرة ومراحل تكوينها واستمرارها، بدءا من اختيار شريك الحياة، ومرورا بتنظيم الحقوق والواجبات المتبادلة، ورعاية الأبناء وتربيتهم، وانتهاء بوضع الضمانات والمعالجات التي تكفل استقرار الأسرة عند تعرضها للأزمات والمشكلات.

وفي سبيل تحقيق هذه المقاصد، أرست الشريعة الإسلامية منهجا متكاملا للحفاظ على الكيان الأسري، يمكن استعراض أبرز مرتكزاته في أربعة محاور رئيسة: حسن الاختيار، والتأصيل التشريعي المنظم للحياة الأسرية، والمسؤولية المشتركة بين أفراد الأسرة، ثم آليات الحفاظ على استقرار الأسرة ومعالجة ما قد يطرأ عليها من خلافات أو اضطرابات.

أولا: حسن الاختيار

بدأت الشريعة الإسلامية بناء الأسرة من نقطة التأسيس الأولى، وهي اختيار الزوجين، فوجهت إلى اختيار الزوجة الصالحة ذات الدين، كما حثت على تزويج صاحب الدين والخُلق؛ إيمانا بأن نجاح الأسرة واستقرارها يبدأ من حسن الاختيار. قال رسول الله ﷺ: «تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». كما قال ﷺ: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخُلُقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».

ثانيا: التأصيل التشريعي وتنظيم الحياة الأسرية

لم تترك الشريعة الإسلامية الأسرة للاجتهادات الشخصية أو الأعراف المتغيرة، بل أحاطتها بمنظومة تشريعية متكاملة، تضمنت الأحكام والضوابط والآداب التي تنظم شؤونها تنظيما دقيقا يراعي طبيعتها الخاصة ويحقق مقاصدها. وقد استوعبت هذه التشريعات مختلف الجوانب المتعلقة بالعلاقة الزوجية والحقوق المتبادلة والتربية الأسرية، بما يكفل للأسرة أسباب النجاح والاستقرار والقيام بوظيفتها الاجتماعية والتربوية على الوجه الأمثل.

ولعِظَم شأن الأسرة وأثرها في المجتمع، اختص عقد الزواج بأحكام وخصائص تشريعية تميزه عن سائر العقود؛ حرصا على استمراره وتماسكه وتحقيق الغايات التي شُرع من أجلها.

ثالثا: المسؤولية المشتركة بين الأبوين

لم يجعل الإسلام مسؤولية بناء الأسرة ورعايتها مسؤولية طرف واحد، وإنما أقامها على مبدأ الشراكة والتكامل بين الزوجين؛ فكل منهما مسؤول أمام الله تعالى عن المحافظة على الأسرة، ورعاية أفرادها، والقيام بحقوقها المادية والتربوية والأخلاقية.

وتؤكد النصوص الشرعية هذا المعنى تأكيدا واضحا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا﴾ [التحريم: 6].

ومن ثم فإن مسؤولية الوالدين لا تقتصر على توفير متطلبات الحياة المادية، بل تمتد إلى التربية الإيمانية والأخلاقية، وغرس القيم والسلوكيات التي تحفظ للأسرة تماسكها وللمجتمع استقراره.

رابعا: الحفاظ على الكيان الأسري واستقراره

إدراكا لطبيعة الحياة الإنسانية وما قد يعتريها من مشكلات وخلافات، وضع الإسلام منظومة متدرجة من وسائل الإصلاح والعلاج للحفاظ على استقرار الأسرة وصيانة بنيانها من التفكك والانهيار. فشرع أساليب النصح والتوجيه والتقويم، وفتح أبواب الصلح والتفاهم، وجعل الإصلاح غاية مقدمة على الفرقة ما أمكن.

فإذا استنفدت وسائل الإصلاح جميعها وتعذر استمرار الحياة الزوجية على الوجه الذي يحقق المقاصد الشرعية، أباح الطلاق بوصفه علاجا استثنائيا منضبطا، يرفع الضرر ويحقق المصلحة عند تعذر البدائل الأخرى.

وليس المقصود من هذه الإجراءات مجرد الإبقاء على الشكل الظاهري للأسرة، وإنما الحفاظ على أسرة مستقرة ومتوازنة، قادرة على أداء رسالتها الدينية والتربوية والاجتماعية، والإسهام في بناء مجتمع صالح يحقق مقاصد الشريعة في الإصلاح والعمران.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مقالات

آداب طالب العلم

علي احمد رأفت

المزيد من مقالات

العام الدراسي فرصة للقراءة لبناء الوعي والثقافة

إن العام الدراسي فرصة لبناء الوعي بكثرة الاطلاع والقراءة؛ فالقراءة سبيل من سبل الوصول إلى المعرفة والعلم، وبها تكون صناعة...

قدماء المصريين أم الفراعنة، إشكالية علمية هل نجد لها حلا؟

يفضل المتخصصون في الآثار وأنا منهم بالطبع إطلاق مصطلح قدماء المصريين ويفضل الإعلاميون في الداخل والخارج مصطلح الفراعنة فأيهما أصح؟

4 مرتكزات متكاملة لصناعة الاستقرار الأسري

ينطلق الإسلام في نظرته إلى الأسرة من كونها الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، والوعاء الأول الذي تتشكل داخله شخصية الإنسان...

التعدين.. المنجم مجرد بداية

لم يعد التعدين نشاطًا يمكن النظر إليه بمعزل عن حركة الاقتصاد العالمي. فالمادة التي تبدأ رحلتها من موقع جيولوجي قد...


مقالات

4 مرتكزات متكاملة لصناعة الاستقرار الأسري
  • الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 01:00 م
التعدين.. المنجم مجرد بداية
  • الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 10:00 ص
منصة وسط الغياب
  • الأحد، 27 سبتمبر 2026 07:01 م