ليس الزمن، في ميزان الأرواح، أرقاما تتعاقب فوق جدران التقاويم، ولا أعواما تطوى وأخرى تفتح، وإنما هو أثر الأقدام وهي تتهادى في معارج القرب إلى الله، ومسافة تقطعها القلوب وهي تعبر من ضيق "الحول والقوة" إلى سعة الرضا والتوكل، ومن وحشة الغفلة إلى أنس الذكر، ومن تعب التيه في شعاب الدنيا إلى حلاوة الارتياح في كنف اليقين.
محمود علامرئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسيبالهيئة الوطنية للإعلام
ويقبل العام الهجري الجديد، فلا نستقبله بأصداء المواقيت، ولا بصخب الأرقام، ولا بهمهمة الساعات؛ وإنما بخشوع المسافر الذي وقف طويلا على عتبات الطرق، يراجع ما انقضى من سفره، ويتأمل رحلته, ويطرح على ذاته سؤال العارفين: كم هاجر القلب من حظوظ نفسه، وكم بقي أسيرا لقيود العادة، وسلاسل الهوى، ووحشة الانشغال بكل ما هو فاني عن الباقي..؟
ولعل من أسرار العناية الإلهية بهذه الأمة أن شاءت حكمة الله ألا يكون مطلع تقويمنا ميلادا لبشر وإن كان خير البشر صلى الله عليه وسلم ولا بيوم نزول الوحي، ولا بفتح مكة، ولا بأي من انتصارات المسلمين، وإنما شاء الله جل في علاه أن يكون مفتتح السنين ذكرى الهجرة؛ وكأن الرسالة الخفية التي تسري بين الأعوام تقول: إن الحياة كلها هجرة مستمرة، وإن الإنسان لا يبلغ منازل القرب إلا إذا فارق شيئا مما يثقله، وخلع عن روحه نعلي الهوى والغفلة، وترك وراءه ما يحجب قلبه عن نور الحق.
ولذلك، حين اجتمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالصحابة يتشاورون في أمر التأريخ للمسلمين، لم يجدوا حدثا أعظم دلالة من تلك الرحلة المباركة، فاتخذوا الهجرة مبدأ للتقويم الإسلامي، ليظل الزمن نفسه شاهدا على أن الأمم لا تبنى بالترف، وإنما بالتضحية، ولا ترتفع بالراحة، وإنما بالصبر، وأن وراء كل ضيق سعة، ووراء كل ليل فجرا آت.
ولم تكن الهجرة النبوية المشرفة فرارا من البلاء، وإنما كانت استجابة لأمر السماء، بعد أن اشتد أذى قريش، وضاقت مكة بأهل الإيمان، حتى خرج الحبيب صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه، تتعقبهما الأبصار، وتحرسهما عناية الله. وهناك، في سكون غار ثور، وبينما كانت أقدام المطاردين تقترب، نزلت الكلمات التي أضاءت ظلمات الخوف إلى قيام الساعة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. كأنما أراد الحق سبحانه أن يعلم البشرية كلها أن من صحب الله في طريقه، فلن تضره وحشة الطريق، وأن معية السماء أوسع من كل مخاوف الأرض على رحابتها.
كما أن تلك الهجرة لم تكن مجرد انتقال من مكة إلى يثرب، بل كانت اختمارا لواقع سياسي جديد، وبناء لدولة لم تقم على حد السيف، بل على "المؤاخاة" التي صهرت قلوب المهاجرين والأنصار في بوتقة العقيدة. ثم كانت المدينة، ولم تعد يثرب مجرد أرض، بل غدت وطنا للرسالة، ومنارة للعدل، ومهدا لأول دولة قامت على الإيمان، وانطلقت من تلك البقعة الصغيرة رسالة حملت النور إلى أرجاء الأرض. لقد كانت الهجرة استجابة للنداء الإلهي الذي خلده القرآن الكريم كسنة باقية وممتدة، فقال سبحانه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ صدق الله العظيم.
فما أكثر الأقفاص التي نبنيها بأيدينا من قيود الخوف والطمع، وما أوسع الأبواب التي يفتحها الله لمن صدق في المسير إليه.
فالهجرة لم تنته يوم دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، لأن الهجرة لم تكن انتقالا في المكان، بقدر ما كانت ترحالا داخل نفس الإنسان. ولهذا ظل النداء الرباني يتردد عبر القرون: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ صدق الله العظيم.
فهي الهجرة الكبرى التي لا يحدها زمان، ولا تحصرها أرض، ولا تنتهي عند غار أو مدينة، بل تبدأ حين يفر المرء من نفسه إلى ربه، ومن الكبر إلى التواضع، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن ظلمات الذنب إلى أنوار التوبة.
عام مضى، حمل معه أفراحا ذابت في كف الزمان، وأحزانا خفت وطأتها بمرور الأيام، ووجوها توارت في غياهب الغيب، وبقي وجه الله وحده، فما أهون الدنيا حين ترى بعين الفناء، وما أعظمها حين تصير جسرا إلى البقاء، ومعبرا إلى جوار رب الأرض والسماء.
وإذا كانت الشمس تغيب كل مساء لتشرق بنور جديد، فإن رحمة الله لا تغيب عن عباده أبدا؛ ولذلك يجيء العام الجديد حاملا وعد السماء لكل قلب أثقلته الذنوب، وهمسة الرجاء لكل روح أرهقتها العثرات، فالذي قال في محكم التنزيل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، لم يجعل بين العبد وبين رحمته بابا موصدا، ولا بين التائب وبين الأمل حجابا مسدولا.
فيا رب، وهذا عام جديد قد أقبل، لا نسألك فيه كثرة المتاع، بل صفاء الأرواح، ولا وفرة الأيام، بل بركة الأعمار، ولا علو المناصب، بل رفعة القلوب بالإيمان. نسألك هجرة من غبار الذنب إلى بياض التوبة، ومن جفاء القسوة إلى لين الرحمة، ومن وحشة البعد إلى أنس القرب, ومن ضيق الالتفات إلى فسيح الشوق إلى وجهك الكريم
موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً
اليوم العالمي للتوعية بمنع إساءة معاملة المسنين يحتفل به في 15 يونيه من كل عام لتعزيز حقوق كبار السن وكرامتهم. ...
ليس الزمن، في ميزان الأرواح، أرقاما تتعاقب فوق جدران التقاويم، ولا أعواما تطوى وأخرى تفتح، وإنما هو أثر الأقدام وهي...
لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال أو الترفيه، بل أصبح في كثير من الأحيان شاهدًا على الأحداث وصانعًا لها...
لم تبدأ الحضارة بسيف ولا بجيش، بل بدأت حين جلس إنسان مجهول أمام قطعة رطبة من الطين، وضغط عليها بعصا...